جالي ابني 2حكايات روماني مكرم

— “بس إيه يا أمي؟” عمرو قالها وهو بيقرب مني، وملامحه اتخطفت، وعينيه اتملت قلق ممزوج بلهفة.

أما هبة، فابتسامتها اختفت تمامًا، وظهرت على وشها علامات الضيق اللي حاولت تداريها بسرعة وهي بتقول: “خير يا طنط؟ في حاجة ولا إيه؟”

بصيت لعمرو في عينيه مباشرة، وحسيت بنغزة في قلبي، بس افتكرت كلمتها في التليفون *”وهي أصلًا محتاجة الفلوس في إيه؟”*، فاستجمعت قوتي وقلت بنبرة هادية ومستسلمة مصطنعة:

— “البركة في أخوك يا عمرو.. طارق جالي من أسبوعين، وكان بيمر بظروف صعبة جدًا في شغله، وكان عليه شيكات ومهدد بالحبس.. ومكنش ينفع أسيبه يضيع قدام عينيا.”

عمرو وقف فجأة من طوله، وعينيه وسعت من الصدمة:

— “طارق؟! وطارق ماله ومال فلوسك يا أمي؟ وهو فين طارق ده أصلاً اللي مبيسألش عليكي بالشهور؟ دخل عليكي بكلمتين وخد شقى عمرك كله؟”

هبة اتدخلت بسرعة، وصوتها علي من غير ما تحس:

— “يعني إيه يا طنط؟ يعني الفلوس كلها راحت؟ مفيش حاجة خالص باقية؟ إحنا كنا معتمدين على الله ثم عليكي في القسط ده! طارق طول عمره مستهتر وبياخد ومبيرجعش، تضيعي نفسك وتضيعينا معاه؟”

كلام هبة كشف المستور تمامًا، مابقاش فيه تمثيل ولا ود متبادل، الوش الحقيقي ظهر أول ما المصلحة اتهددت.

قعدت مكاني بكل برود، وربعت إيديا وقلت:

— “يا بنتي، طارق ابني زي عمرو بالظبط، ولما جالي وبكى وقال الصكوك هتدخله السجن، مكنش ينفع أقوله لأ. الفلوس بتروح وتيجي، بس الأخ والأمان مابيرجعوش.. أنا اديته الجزء الأكبر من التحويشة، ومبقيش معايا غير مبلغ صغير خالص شايلاه لمصاريف علاجي وأكلي وشربي.. يعني يدوب يكفيني لأخر العمر.”

عمرو بدأ يلف في الصالة وهو بيخبط كف على كف، وعصبيته بتزيد:

— “يا أمي حرام عليكي، طارق بيضحك عليكي، ده تلاقيه أخد الفلوس يسافر بيها ولا يغير عربيته! وإحنا اللي بنطحن في قسط الشقة عشان نأمن مستقبل عيالك، نطلع من المولد بلا حمص؟”

في اللحظة دي، هبة وقفت، وبصت لعمرو بنظرة حادة كلها لوم وعتاب، وكأنها بتقوله: “مش قلتلك خطتك هتفشل؟” وبعدين التفتت ليّ وقالت بنبرة جافة وخالية من أي مشاعر:

— “تمام يا طنط.. ربنا يقدم اللي فيه الخير. عمرو، يلا بينا نلم الهدوم عشان نلحق نرجع، العيال وراهم مذاكرة كتير بكره، والقعدة هنا مابقاش ليها لزوم.”

عمرو بصلي بنظرة عتاب مكسورة، ومحاولش حتى يهدّي مراته أو يقولها نقعد زي ما كنا متفقين. دخلوا الأوضة وابتدوا يلموا الشنط بصوت عالي، والعيال خرجوا من الصالة مستغربين ومش فاهمين إيه اللي حصل فجأة.

آدم الصغير قرب مني وقالي: “هو إحنا ماشيين يا تيته؟ مش كنا هنقعد معاكي ليوم الاثنين؟”

دموعي كانت هتخوني، بس مسكت نفسي، طبطبت عليه وقلت: “معلش يا حبيبي، بابا وماما عندهم شغل مهم.”

في خلال نص ساعة، كانوا واقفين على باب الشقة والشنط في إيديهم. عمرو مأخدنيش في حضنه زي كل مرة، اكتفى بإنه باس إيدي من فوق الوش وقال ببرود: “لا إله إلا الله يا أمي.. هبقى أكلمك اطمن عليكي.”

وهبة حتى مكبّرتش خاطرها تسلم، أخدت العيال ونزلت السلم بسرعة.

قفلت الباب وراهم.

الشقة رجعت ضلمة وساكتة تاني.

بصيت على السفرة.. لقيت أطباق الرز بلبن اللي عملتها لليلى لسه زي ما هي ملمستش، وكيكة البرتقال اللي خبزتها لعمرو متغطية في المطبخ.

قعدت على الكرسي وأنا بنهج، التعب النفسي كان هادد حيلي. أنا كدبت عليهم.. مفيش طارق جالي، ولا اديت حد مليم. الفلوس كلها لسه في البنك زي ما هي. بس الكدبة دي كانت المراية اللي ورتني حقيقتي عندهم.. أنا مجرد “خزنة” بيلجأوا ليها لما يتزنقوا، ولما الخزنة فضيت، الزيارة انتهت في ثانية.

دموعي نزلت وأنا بفتكر عمري اللي ضاع. بس وسط الدموع دي، حسيت بنوع من الراحة.. أنا حميت نفسي وحميت شقى عمري.

لكن فجأة.. تليفوني الأرضي رن.

قمت ورديت وأنا صوتي مخنوق: “ألو؟”

جالي صوت من الناحية التانية.. صوت طارق ابني التاني فعلاً! بس صوته كان متوتر ومرعوب:

— “أمي.. إلحقيني يا أمي، أنا في مصيبة كبيرة ومحتاجلك فورًا!”

قلبي سقط في رجلي.. هل الكدبة اللي كدبتها من شوية هتتحول لحقيقة؟

مسكت سماعة التليفون وإيدي بتترعش، وجسمي كله سقع في ثانية. الكلمة طلعت من بوقي بالعافية:

— “طارق؟ في إيه يا ابني؟ مصيبة إيه دي اللي بتتكلم عنها؟”

صوته كان مخنوق، وكان فيه صوت دوشة حواليه وكأنه واقف في الشارع أو في مكان زحمة. قال وهو بينهج:

— “أمي.. أنا عملت حادثة كبيرة بالعربية. خبطت واحد على الطريق الصحراوي وهو بينط الرصيف.. الراجل حالته خطيرة ونقلوه المستشفى، وأنا دلوقتي في القسم بيعملوا لي محضر والموضوع واقف على كف عفريت.”

حطيت إيدي على قلبي، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا. نزلت قعدت على أقرب كرسي وجوايا صراع مرعب.. هل دي عقوبة الكدبة اللي لسه كدباها من نص ساعة على عمرو وهبة؟ هل ربنا بيعاقبني عشان اتدّعيت على ابني مصيبة عشان أحمي فلوسي؟

طارق كمل كلامه بسرعة وبنبرة فيها بكا:

— “أهل الراجل جم القسم يا أمي، والضابط بيحاول يعمل قعدة صلح عشان مأتحبسش وعشان القضية ما تروحش النيابة، بس هما طالبين تعويض فوري ومصاريف المستشفى والعمليات.. طالبين مبلغ كبير قوي مش معايا منه ربع حتى، ولو الفلوس دي ما جهزتش الصبح، أنا هبات في الحجز وهتحول على النيابة وساعتها مستقبلي وشغلي كله هيضيع.. أرجوكي يا أمي، أنا ماليش غيرك، أنا عارف إن معاكي تحويشة شايلاها للزمن.. ده وقتها يا أمي، الحقيني!”

قفلت مع طارق وأنا مش قادرة أستوعب اللي بيحصل. قعدت في الصالة لوحدي، وبصيت حواليا.. الشقة اللي كانت من شوية مليانة بضحك العيال، بقت زي القبر.

كنت في حيرة تِفلق الحجر. عمرو كان جاي ياخد فلوسي طمعًا وفوقية، وقدرت أقف قباله وأحمى شقى عمري بكدبة.. لكن طارق دلوقتي في مصيبة حقيقية، مصيبة فيها سجن وضياع مستقبله.

سألت نفسي: “هل طارق فعلاً في مصيبة؟ ولا عمرو كلمه وحكاله اللي حصل، فطارق قرر يعمل اللعبة دي عشان ياخد الفلوس بطريقته؟”

الشك بدأ ينهش في عقلي. طارق وعمرو إخوات، وطارق طول عمره ذكي وبيعرف يلعب بالكلام. هل ممكن يكونوا متفقين عليا عشان يضغطوا على نقطة ضعفي؟ ولا ابني فعلاً متبهدل في الأقسام ومحتاجني؟

قمت لبست إسدالي بسرعة، وأخدت تليفوني ومفاتيح الشقة. مكنش ينفع أقعد مكاني وأنا بآكل في نفسي. قررت إني مش هبعت فلوس ولا هقول معايا كام، أنا هروح بنفسي للقسم اللي طارق فيه.. هشوف بعيني الأول، هعرف الحقيقة مهما كانت مُرة. لو ابني في محنة بجد، شقى عمري كله فداه وفدى حريته.. لكن لو طلعت لعبة ملعوبة عليا من ولادي الاتنين عشان يبتزوني…

نزلت السلم بخطوات سريعة مكنتش أفتكر إن جسمي اللي عنده سبعين سنة يقدر يعملها. فتحت باب العمارة وخرجت للشارع في نص الليل، وأنا بحاول أوقف تاكسي، وجوايا خوف من الحقيقة اللي مستنياني في القسم.

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

ركبت التاكسي وأنا بفرك إيديا من التوتر، وطلبت من السواق يطير على القسم اللي طارق قالي عليه. طول الطريق وعيني على الشوارع والبيوت اللي بتجري بره، ودماغي بتجري أسرع منها بمليون مرة.

كنت بقول لنفسي: “يا رب تطلع لعبة.. يا رب يكونوا بيضحكوا عليا عشان الفلوس بس ويكون طارق كويس ومفيش حادثة ولا دم ولا راجل في المستشفى”. لأول مرة في حياتي، كنت أتمنى إن ولادي يكونوا نصابين وبيخدعوني، ولا إن ابني يكون في مصيبة بجد أو متسبب في أذية بني آدم.

وصلت قدام القسم. المكان كان يقبض القلب؛ أنوار قوية، وعساكر واقفة، وناس رايحة وجاية وشوشهم كلها هم وقلق. نزلت من التاكسي وأنا بسند ضهري بالعافية، ودخلت من الباب الكبير.

سألت عسكري واقف، فوجهني لأوضة النبطشية. مشيت في الممر الضيق لحد ما وصلت، ووقفت على الباب وبصيت جوه.

أول ما عيني وقعت عليه، قلبي اتقسم نصين.

طارق كان قاعد على كرس الخشب، هدومه متبهدلة وفيها بقع تراب، وشعره منكوش، وحاطط راسه بين إيديه وبيعيط بكسرة أول مرة أشوفها فيه من يوم ما كان طفل صغير. مكنش فيه أي تمثيل، الوجع والخوف اللي كان فيه كانوا حقيقيين لدرجة تخلي أي أم تتخلع من مكانها.

جنبه كان فيه راجلين وست تانية باين عليهم الصعايدة، وشوشهم غضبانة وعينيهم طق شرار، وبيتكلموا بصوت عالي مع ضابط المباحث اللي قاعد ورا مكتبه.

دخلت الأوضة وبصوت مرتعش قلت: “يا فندم.. أنا والدة طارق”.

طارق رفع راسه بسرعة، أول ما شافني وقف وجري عليا، ارتمى في حضني وفضل يعيط زي العيل الصغير ويقول: “الحقيني يا أمي.. الراجل في العناية المركزة بين الحيا والموت، وأهله مش عايزين يتنازلوا وطالبين ميتين ألف جنيه حالا مصاريف للمستشفى والدكاترة وتأمين، وإلا هيحبسوني.. أنا ضعت يا أمي، ضعت”.

واحد من قرايب المصاب وقف وزعق: “يا حاجّة، ولدك كان سايق زي المجنون وعمل في قرييبنا إيه! إحنا مش بتوع مشاكل، بس وادنا بيموت في المستشفى، ويا تدفعوا مصاريف علاجه والتعويض، يا القانون ياخد مجراه وولدك يتفسح في السجن”.

الضابط خبط على المكتب وقال: “جرى إيه يا جماعة؟ صوتكم ميعلاش هنا. يا حاجّة، ابنك خطأه راكب من ساسه لراسه، والتقرير بيقول إنه كان متجاوز السرعة. لو محصلش صلح وتنازل رسمي من أهل المجني عليه دلوقتي، أنا مضطر أحيّله للنيابة الصبح والنيابة هتجدد حبسه”.

بصيت لطارق اللي كان بيبصلي بقلة حيلة وعينيه بترجوني، وبصيت لأهل الراجل اللي باين عليهم مش هيرحموا. شقى عمري كله، الأربعين سنة اللي عشتهم بحوش الجنيه فوق الجنيه وأحرم نفسي عشان أأمن كبرتي.. بقوا دلوقتي هما التمن الوحيد لحرية ابني ومنع ضياعه.

بلعت ريقي، وبصيت للضابط وقلت بثبات غريب معرفش جاني منين: “المبلغ هيكون جاهز الصبح يا فندم أول ما البنوك تفتح.. بس أنا ليا شرط واحد”.

الكل سكت وبصولي باستغراب، وطارق مسح دموعه وبصلي بلهفة.

قلت للضابط: “أنا عايزة أكتب ورقة هنا في القسم.. إن طارق استلم مني المبلغ ده، وإنه ملوش حق في شقتي ولا في مليم واحد من ورثي بعد ما أموت.. أنا هشتري حريته بشقى عمري، بس مش هسمح إنه يشارك أخوه في اللي باقي بعد كده”.

طارق اتصدم وبصلي بذهول، وفي اللحظة دي.. تليفوني اللي في الشنطة رن.. طلعت التليفون ولقيت الاسم اللي منور على الشاشة: “عمرو”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *