دخلت في علاقة الاخير
الخبط على الباب كان مرعب، كأن فيه حد بيحاول يهد الشقة علينا. سارة كانت لسه مذهولة من صدمة كلام الحاج وائل، وأنا رجلي مكنتش شيلاني.. “مروان مش ابن مدحت؟ أنا اتلعب بيا بالمنظر ده؟ جسمي كان مجرد مصنع ليهم؟!”
عياط مروان في الأوضة الجواانية كان بيزيد وبيتحول لصرخات فزع كأنه حاسس باللي بيحصل برة. الحاج وائل وقف بصعوبة وسند على عصايته وهو بيوشوشنا برعب: “م تفتحوش.. هما جم.. هما جم ياخدوا الولد!”
“هما مين يا حاج؟” سألته وأنا سحبت سارة البعيدة عن الوعي من إيدها ودخلنا بيها المطبخ وقفلنا الباب ورا الفولدرات والورق.
“باقي الشبكة.. مدحت وشريف مجرد عرائس خشب بيحركوهم.. الراس الكبيرة لسه برة!” قالها الراجل وهو بينهج ووشه أصفر زي الليمونة.
وفجأة.. الخبط وقف.. وساد سكون قاتل لثواني، ثواني حسينا فيها إن دقات قلوبنا هتقف. وفجأة، سمعنا صوت تكسير خشب الباب الخارجي.. الباب اتفتح بالقوة.
سمعنا خطوات تقيلة لخطوات رجلين جوة الصالة.. خطوات سريعة ومنتظمة، مش بتاعة ناس جاية تسرق، دي خطوات ناس عارفة هي داخلة تاخد إيه بالظبط.
صوت راجل بيتكلم بنبرة حادة ولهجة مصرية بس باردة جداً قال: “فتشوا الأوض.. الولد والورق لازم يكونوا هنا.. مدحت غبي وضيع نفسه بس البضاعة دي مدفوع تمنها برة وسعرها ملايين.”
أنا كتمت نفسي، وسارة بدأت تفوق من صدمتها وعينيها تبرق برعب، بصتلي وهمست: “منى.. مروان.. مروان جوة الأوضة لوحده!”
كلام سارة صحاني من ذهولي.. مروان! الملاك الصغير اللي ملوش ذنب في القذارة دي كلها، مروان اللي مسك صباعي أول ما اتولد وكأنه بيقولي احميني. ولعت في قلبي نار مش نار خوف، دي نار أم مستعدة تموت عشان ابنها.. حتى لو مكنتش عارفة هو ابن مين، هو حتة مني، أنا اللي شيلته 9 شهور، وأنا اللي بكيت عليه، وأنا أمه!
سحبت سكين من المطبخ وإيدي بتترعش بس بقوة، وبصيت لسارة وهزيت راسي.. سارة فتحت درج المطبخ وسحبت منه مقص كبير. الحاج وائل كان واقف ورانا وبيصلي ويدعي بصوت همس مش مسموع.
فتحنا باب المطبخ بالراحة جداً.. الصالة كانت مقلوبة، الشنطة القديمة حقت الحاج وائل مفتوحة والورق متطور على الأرض. كان فيه اتنين رجالة ضخام، لابسيبن قمصان سوداء، واحد منهم واقف عند باب أوضتي الجواانية وبيمد إيده يفتحها.. الأوضة اللي فيها مروان!
من غير ما أفكر، صرخت بأعلى صوتي وجريت عليه بالسكينة: “ابعد عن ابنييييي!”
الراجل اتفاجئ بالهجوم، لف وشه بسرعة وزق إيدي فالسكينة وقعت على الأرض، مسكني من كتافي وبدأ يزقني لورا وهو بيحاول يكتم بوقي، بس سارة مسبتهوش.. جريت عليه وبكل غل السنين اللي عاشتها في كدب مع مدحت، غرزت المقص في كتفه.
الراجل صرخ ونزل على ركبه وهو ماسك كتفه اللي بينزف، في نفس الوقت الراجل التاني اللي كان بيفتش الصالة جرى علينا وضغط على سارة وقعها على الأرض وبدأ يضربها.. الشقة تحولت لساحة حرب، وصوت عياط مروان كان بيزلزل الحيطان.
أنا حاولت أقوم وأجري على الأوضة، بس الراجل المصاب مسك رجلي من على الأرض وهو بيتحامل على نفسه: “مش هتخرجي من هنا حية.. الولد ده بتاعنا!”
وفجأة.. وإحنا في قمة الانهيار والضرب.. سمعنا صوت سرينة شرطة قوية جداً بتسمع في الشارع كله تحت البيت.. وصوت ضرب نار في مدخل العمارة!
الراجل اللي كان بيضرب سارة وقف فجأة وبص للشبابيك برعب: “الحكومة! شريف الكلب اعترف علينا!”
الراجلين سابونا وبدأوا يجروا ناحية الباب عشان يهربوا من سلم السطح، وفي نفس اللحظة باب الشقة اتكسر بالكامل ودخلت قوات مكافحة الإرهاب والاتجار بالبشر ومعاهم خالد المحامي وهو بيصرخ: “منى! سارة! إنتوا كويسين؟”
الشرطة جرت ورا الرجالة على السلم، وخالد جرى علينا يطمن عليا أنا وسارة اللي كنا غرقانين في دمنا وجروحنا.. أنا مقمتش في إيد خالد، أنا زقيته وجريت زحف على الأرض لغاية أوضة مروان.
دخلت الأوضة.. السرير كان بتهز ومروان وشه أحمر دم من كتر العياط ونقص الأكسجين، شيلته في حضني وفضلت أعيط وأضمه وأبوسه: “أنا جنبك.. أنا جنبك يا روحي محدش هيلمسك..”
سارة دخلت ورايا وهي بتعرج، ووشها مليان كدمات، قعدت على الأرض جنبي وحطت راسها على كتفي وإيدها على مروان.. وبكينا احنا التلاتة.. بكاء نهاية الكابوس.. أو ده اللي كنا فاكرينه.
خالد دخل الأوضة ووشه كان شاحب جداً، ماسك تليفونه في إيده وبص لنا بنظرة رعب قتلت الفرحة في قلوبنا.
“خالد.. في إيه تاني؟” سألته وصوتي طالع بالعافية.
خالد بلع ريقه وبص لمروان وقال: “الشرطة قبضت على الرجالة على السطح.. ومعاهم جهاز لاسلكي كان شغال.. المستر هانز اللي اتقبض عليه في المطار طلع مش هو الراس الكبيرة.. ده كان مجرد وسيط.. الراجل الألماني صاحب الحيوانات المنوية، والمليونير اللي دافع تمن العملية دي كلها.. لسه واصل مصر حالاً من ساعة.. ومعاه أمر قضائي دولي وتسليم ديبلوماسي باستلام ابنه فوراً بناءً على تقارير طبية مزورة بعتها له مدحت بتقول إن الأم (منى) متوفية!”
الكلمات نزلت عليا زي جبل تلج بتهد كل القوة اللي كنت مفكرة إني جمعتها. “أمر قضائي دولي؟ والأم متوفية؟!” بصيت لمروان اللي كان نايم على صدري وبياخد أنفاسه بصعوبة من الخوف، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا.
سارة وقفت على رجلها رغم الألم والكدمات اللي في وشها، وقربت من خالد وبصت له بعينين طالع منها شرار: “أمر قضائي إيه وتسليم ديبلوماسي إيه يا خالد؟! إحنا في مصر! والولد ده اتولد من رحم أم مصرية، وفي شقة مصرية، والكلاب اللي رتبوا لده كله في السجن! إزاي راجل غريب يدخل ياخد البيبي بالبساطة دي؟”
خالد قعد على طرف السرير وحط إيده بين راسه بقلة حيلة: “يا سارة، مدحت والدكتور شريف مكانوش شغالين عشوائي.. مدحت من 6 شهور، لما عرف بنتيجة التحليل الكروموسومي لمروان، سافر ألمانيا بحجة شغل من الشركة. هناك، قابل المليونير ده اللي اسمه ‘فريدريك’، وباع له القضية كاملة.. مدحت مضى على أوراق ‘تنازل بالبيع والتبني الدولي’ برة مصر، وشريف طلع شهادة وفاة مزورة لمنى بتاريخ متوقع بعد الولادة بيومين على أساس إنها اتوفت بسبب مضاعفات تسمم الحمل! فريدريك دخل مصر بصفته أب قانوني جاي يستلم ابنه بعد وفاة الأم، ومعاه حماية ديبلوماسية من سفارته بناءً على الأوراق الرسمية دي!”
الحاج وائل دخل الأوضة وهو بيسند على الحيطة وصوته بيرتعش: “مدحت ضيعنا.. مدحت وسخ اسمنا وبيعامل ابنه كأنه حتة أرض بيبيعها ويقبض تمنها.. يا منى يا بنتي، الراجل ده مش هيسكت، الفلوس اللي دفعها لمدحت وشريف تشتري ناس كتير برة وجوة.”
مسكت مروان بقوة لدرجة إنه بدأ يئن، بصيت لخالد وقلت له بصوت حاسم وعينين منشفتش دموعها: “خالد.. أنا مش هسيب ابني.. لو هقتله وأقتل نفسي معاه مش هيدخل الراجل ده ياخده مني.. قولي العمل إيه؟ القانون بتاعنا بيقول إيه؟”
خالد وقف وبص لي بثبات: “القانون المصري مبيعتمدش التبني الدولي، والأهم من كده.. شهادة الوفاة المزورة دي هي مفتاحنا.. إنتِ عايشة وبترزقي قدامي اهو، وده معناه إن كل الأوراق اللي في إيد ‘فريدريك’ باطلة قانونياً لأنها بنيت على تزوير وخداع للدولة.. بس المشكلة في الوقت يا منى.. فريدريك معاه قوة من التنفيذ الدولي ومستشار قانوني من السفارة، وهما دلوقتي في طريقهم لمديرية الأمن عشان يفعلوا الأمر القضائي قبل ما النيابة تثبت التزوير في المحضر الأساسي.. يعني قدامنا بالظبط ساعتين والشرطة هتيجي هنا بنفسها تاخد مروان بقوة القانون!”
سارة حطت إيدها في وسطها وبصت لخالد: “يبقى مروان مش هيقعد هنا.. ولا منى هتقعد هنا.”
لفينا كلنا وبصينا لسارة.. ملامحها كانت غريبة، فيها هدوء مرعب، هدوء حد أخد قرار ومش هيرجع فيه.
“قصدك إيه يا سارة؟” سألتها وأنا بمسح دموعي.
سارة قربت مني وأخدت الشنطة الصغيرة اللي كنت شرياها من وسط البلد، وبدأت تحط فيها لبن مروان، البامبرز، وهدومه الصفرا الصغيره بسرعة: “قصدي إن فريدريك وقوته الديبلوماسية لما يجوا هنا كمان ساعتين، مش هيلاقوا حد.. الشقة دي هتبقى فاضية.. منى ومروان هيختفوا تماماً من مصر الجديدة.”
خالد برّق عينه: “سارة! إنتِ بتقولي إيه؟ ده يعتبر تهريب ل طفل عليه نزاع قضائي.. كده منى هتبقى مطلوبة أمنياً!”
“تتحرق القضية ويتحرق الأمن لو هياخدوا طفل من حضن أمه عشان يبيعوه لمليونير أجنبي!” صرخت سارة في وش خالد بقوة هزت الأوضة. “مدحت دمر حياتي وحرماني من الإمومة، والطفل ده أنا اللي حوضته وأنا اللي أكلته وهو ملوش ذنب.. أنا مش هسمح لنسخة تانية من مدحت تنجح برة.. منى هتاخد مروان وتطلع على شاليه أهلي القديم في ‘العجمي’ في إسكندرية، الشاليه مقفول بقاله سنين ومحدش يعرف عنه حاجة ولا حتى مدحت.. وإنت يا خالد، هتقعد هنا تستقبلهم، ومعاك منى بشحمها ولحمها تثبت تزوير شهادة الوفاة، وتماطل في الإجراءات لغاية ما النيابة تطلع قرار بوقف التنفيذ الدولي والتحفظ على فريدريك بتهمة استخدام أوراق مزورة.”
خالد سكت وفكر لثواني، وبعدين هز راسه بالموافقة: “الخطة خطيرة.. بس ده الحل الوحيد لكسب الوقت.. أنا هفضل هنا وأبلغ النيابة فوراً باللي بيحصل.. بس لازم تتحركوا حالا.”
الحاج وائل طلع من جيبه رزمة فلوس وحطها في جيب الشنطة: “دول اللي حيلتي يا بنتي.. خدوهم عشان الطريق والمصاريف.. ربنا معاكم.”
نزلت على ركب سارة وبست إيدها وأنا ببكي: “أنا مش عارفة أقولك إيه يا سارة.. أنا لولاكي كنت ضعت.”
سارة رفعتني وضمتني وضمت مروان معانا: “إحنا ملناش غير بعض يا منى.. مدحت جمعنا في الوجع، وإحنا هنجمع نفسنا في الانتصار.. يلا بسرعة قبل ما الوقت يسرقنا.”
لبست عباية سوداء، وأخدت مروان في حضني وغطيته ببطانية صغيرة عشان ملامحه متبانش، وسارة نزلت معايا لغاية الشارع.. وقفت لي عربية ميكروباص متجهة لإسكندرية من موقف الميرغني القريب، وركبت وأنا ببص لسارة من الشباك وهي واقفة بتشاورلي ودموعها نازلة، بس عينيها فيها نظرة تحدي للإنسانية كلها.
الميكروباص تحرك.. الطريق كان ضلمة وطويل، ومروان كان نايم على صدري وبيهمس بأنفاسه الهادية، وأنا ببص من الشباك على أضواء الطريق الصحراوي وقلبي بيدق مع كل لفة عجلة.. أنا رايحة للمجهول، بهرب بابن ملوش أب شرعي، وبأوراق مزورة، وورايا مليونير دولي معاه سلطة وفلوس تهد جبال.
بعد 3 ساعات.. وصلنا العجمي.. الشوارع كانت فاضية وضلمة، وصوت موج البحر كان عالي ومرعب كأنه بيحذرني من اللي جاي. وصلت للشاليه القديم، وفتحت الباب المقفول من سنين، ودخلت وسط التراب والضلمة.. قعدت على السرير وضميت مروان وأنا بنهج من التعب والخوف.
وفجأة.. تليفوني الصغير اللي سارة ادتهولي عشان نتواصل بيه رن..
فتحت الخط وأنا بترعش: “سارة؟ طمنيني.. خالد عمل إيه؟”
جاء صوت من الطرف التاني.. بس مكنش صوت سارة.. ولا صوت خالد..
كان صوت راجل بيتكلم بهدوء قاتل، وبلغة عربية فصحى ممزوجة بلكنة ألمانية:
“منى.. لا داعي للاختباء في العجمي.. الشاليه الخاص بعائلة سارة جميل، ولكنه ليس آمناً كافياً.. أنا واقف الآن أمام الباب.. وافتحي بالتي هي أحسن، وإلا سأدخل ب طريقتي وأخذ ابني.”
الخيط الرفيع بين الموت والحياة انقطع في اللحظة دي.. صوت “فريدريك” ورا الباب كان زي حكم إعدام طالع بهدوء وثقة. بصيت لمروان اللي فتح عينيه الكحليين الصغيرين وبص لي، ومستغربتش المرة دي إنه ميعيطش.. كأنه كان عارف إن دي معركة وجوده الأخيرة.
الرعب شل حركتي لثواني، بس فجأة اتحول لشرارة غضب أعمى. قمت من على السرير، حطيت مروان في الدولاب القديم بين الهدوم وغطيته، وقفلت الباب موارب. سحبت من المطبخ المتهالك بتاع الشاليه سيخ حديد صدى كان ملقى جنب الأنبوبة. وقفت ورا الباب الخارجي مباشرة، ونفَسي مسموع.
“منى.. أنا لست رجلاً عنيفاً، أنا أب أريد ابني الذي دفعت من أجله الملايين.. افتحي.” قالها فريدريك وهو بيخبط خبطتين هاديين.
من غير ما أرد، وبكل قوتي، رفعت السيخ الحديد وزقيت باب الشاليه اللي مكنش متقفل كويس وجريت لبرة وأنا بصرخ صرخة وحش جريح.
فريدريك اتفاجأ.. كان واقف لوحده في ضلمة الممر، لابس بالطو أسود طويل وملامحه أوروبية حادة. زقيت السيخ في اتجاهه، بس الراجل كان سريع، تفادى الضربة ومسك السيخ بإيده وقام زاققني بقوة وقعتني على أرض الممر الأسمنتية الساقعة. رأسي خبطت في الحيطة وحسيت بزغللة في عيني، والدم بدأ يسيل على قورتي.
قرب مني وبص لي باحتقار وهو بيعدل البالطو بتاعه: “أيتها المرأة الغبية.. جسمك كان مجرد وعاء.. مروان يحمل جيناتي، وسينشأ في قصر في ميونخ، وليس في جحر حقير كهذا.. أين هو؟”
حاولت أقوم وأمسك رجله وأنا بنزف: “مش هتاخده.. على جثتي..”
“كما تشائين..” قالها بكل برود، وطلع من جيبه طبنجة صغيرة كاتمة للصوت، ووجهها لراسي.. في اللحظة دي قفلت عيني واستسلمت، وقلت في سري: “يا رب احمي مروان.”
*بببببااااام!*
صوت ضربة عنيفة هز الممر.. بس مكنش صوت ضرب نار. فتحت عيني برعب، لقيت فريدريك طار لورا ووقع على الأرض، والطبنجة اتطوحت بعيد في الضلمة!
وقفت وراه.. سارة!
سارة كانت واقفة وبإيدها قالب طوب أسمنتي كبير من مخلفات البناء اللي في الممر، ووشها غرقان عرق ودموع، وبتنهج كأنها جريت من القاهرة لإسكندرية.
“منى! قومي!” صرخت سارة وهي بتمسك إيدي وتشدني.
فريدريك بدأ يفوق ويتحرك على الأرض وهو بيأن من الوجع في ضهره.. جرينا أنا وسارة جوة الشاليه، قفلنا الباب الخشبي وحطينا وراه الكنبة القديمة والتربيزة وكل حاجة تقيلة قدرنا نشيلها. جريت على الدولاب، طلعت مروان اللي كان بدأ يصرخ، وضميته لصدري وأنا بترعش.
“سارة.. جيتي إزاي؟ وعرف مكاننا منين؟” سألتها وأنا بنهج والدم مغطي وشي.
سارة طلعت تليفونها وهي بتبص على الباب اللي فريدريك بدأ يرزع عليه بكل غله: “الكلب مدحت مكنش سايبني عشان الخيانة بس يا منى.. كان حاطط جهاز تتبع (GPS) صغير في عربيتي وفي شنطتي من شهور عشان يراقب تحركاتي مع المحامي.. فريدريك لما راح الفيلا عندي وملقانيش، لقى الشنطة التانية اللي فيها الجهاز، وخدها وتتبع الخط لغاية هنا.. وأنا لما خالد كلمني وقالي إن قوات التنفيذ الدولي معاهم عنوان الشاليه لأن مدحت اعترف بيه تحت الضغط، أخدت عربية تانية وجريت وراهم.. بس فريدريك كان أسرع وسبقني.”
الباب الخشبي بدأ يتشقق تحت ضربات فريدريك العنيفة، وصوته برة كان بيصرخ بالإنجليزية: “سأقتلكما معاً! افتحا الباب!”
“خالد فين يا سارة؟ الشرطة فين؟” صرخت برعب وأنا شايفه الباب خلاص بيتكسر.
“خالد جاي مع قوة من مديرية أمن إسكندرية والنيابة.. بس الطريق زحمة.. قدامهم ربع ساعة!”
الربع ساعة دي كانت هتبقى دهر.. الباب اتكسر منه جزء، وظهرت إيد فريدريك وهي بتحاول تفتح القفل من جوة. سارة جريت على الإيد وبقت تضربها بخشبة مكسورة، والراجل بيصرخ برة. وفجأة، فريدريك زق الباب بكل ثقله، الكنبة والتربيزة اتقلبوا، والباب اتفتح بالكامل.
دخل وهو زي المجنون، وشه مليان غضب أعمى، وفي إيده سكين حاد جابه من برا. بص لسارة وقال: “أنتِ أولاً..” وقرب منها عشان يغرز السكينة في صدرها.
أنا مأخدتش ثانية تفكير.. سبت مروان على السرير، وجريت بكل ثقلي ورميت نفسي في ضهر فريدريك، كلبشت إيديه برقبتي، وسارة مسكت إيده اللي فيها السكينة وبقت تضغط عليها بكل قوتها. الراجل كان ضخم وبيتحرك زي الثور الهائج، لف بيا وخبط ضهري في الحيطة عشان يوقعني، بس كنت متبتة فيه بأوافر وإيدي وسناني.. دي معركة ابني.. يا هنعيش سوا يا هنموت سوا.
السكينة وقعت من إيده، وسارة وطت أخدتها، ورفعتها وهي بتبص لفريدريك بعينين ملهاش رحمة.. وفي اللحظة اللي كانت سارة هتنزل بالسكينة على صدره..
*إييييييييييييييييييه!*
أصوات سارينات الشرطة زلزلت المكان برة، وأضواء الكشافات الزرقا والحمرا نورت شباك الشاليه الضلمة. وصوت ميكروفون جهوري صرخ: “سلم نفسك يا فريدريك.. المكان كله محاصر!”
فريدريك جمد مكانه.. الرعب لأول مرة يظهر في عينيه الأجنبية الباردة. زقني وقعت على الأرض، وبص لسارة وبص للشباك.. وعرف إن اللعبة انتهت. رفع إيديه لفوق وهو بيتراجع لورا ببطء، لغاية ما قوات الأمن المركز والنيابة دخلوا الأوضة وسحبوه على الأرض والكلابشات في إيده، ومعه المستشار القانوني الألماني اللي كان وشه في الأرض من الفضيحة بعد ما النيابة العامة المصرية طلعت قرار رسمي دولي بوقف التنفيذ وإلغاء أمر التسليم بناءً على ثبوت تزوير أوراق الوفاة وثبوت جناية الاتجار بالبشر.
خالد المحامي دخل وهو بينهج، وبص لنا واحنا قاعدين في الأرض غرقانين في الدم والعرق.. جرى عليا وشال مروان اللي كان بيعيط، وحطه في حضني: “مبروك يا منى.. مروان مصري.. وقعد في حضنك بحكم القانون المصري.. وفريدريك ومدحت وشريف هيتحاكموا هنا بجناية دولية عقوبتها الأشغال الشاقة المؤبدة.”
سارة قعدت على السرير، وحطت راسها بين إيديها وبكت.. بس المرة دي مكنش بكاء وجع.. كان بكاء حرية. رحت قعدت جنبها، وحطيت مروان بيني وبينها.. الملاك الصغير اللي جمعنا.
**بعد سنة كاملة..**
النهار كان طالع مشرق وجميل على بحر إسكندرية.
كنا قاعدين في كافيه هادي على الكورنيش.. أنا، وسارة، ومروان.
مروان كان كبر شوية، وبقى بيمشي خطوات بطيئة وهو ماسك إيد سارة وبيضحك ضحكته الملائكية اللي بتنور الدنيا. سارة أسست مؤسسة خيرية كبيرة لرعاية أطفال متلازمة داون وذوي الهمم، وسمتها “مؤسسة مروان لحماية الطفولة”، وقررت تعيش حياتها كلها ليهم.. كأن ربنا عوضها عن حرمانه بالإمومة لكل الأطفال دول.
وأنا؟ أنا غيرت اسم مروان في الأوراق الرسمية بعد ما القضية خلصت، وبقى اسمه “مروان منى”.. القانون أداني الحق ده بعد ما ثبت تزوير كل حاجة وبقت القضية قضية نسب معقدة انتهت لصالح الأمومة. مروان ملوش أب.. بس عنده أمتين.. أنا وسارة.
بصيت لسارة وهي بتبوس مروان وتديله حتة كيكة، وبصيت للبحر الواسع اللي مكنش مرعب المرة دي.. كان هادي وصافي.
التفت لمروان وقلت له بصوت واطي: “يا حتة من قلبي.. الطريق كان ضلمة وساقع.. بس احنا وصلنا الشط.. والمرة دي.. دي النهاية.. والأخيرة فعلاً.”


