حماتي رمت بتتي حكايات علي ابو الدهب 1

حماتي رمت بنتي الرضيعة في النهر!

​”أنتي بتخوني ابني! البت دي مش بنته!” جوزي وقف مكانه متجمد ومصدوم، وأنا كنت بنهار وبحاول بكل قوتي أرمي نفسي في المية عشان أنقذ بنتي…

​صوت الحصى خبط تحت كاووتش العربية لما مدحت دخل ممر بيت أمه، الصوت ده عدى في قلبي زي إنذار خطر. الجو في شهر مايو كان مليان بريحة النيل، مع ريحة المنظف بالليمون اللي سعاد (حماتي) كانت بتمسح بيه كل حتة في البيت، وكأن النظافة واللمعان دول ممكن يداروا الوساخة اللي جواها.

​قعدت ثانية زيادة في العربية وأنا ضامة فريدة، بنتي اللي عندها 4 شهور، وكانت نايمة على صدري. خدها كان دافي وهي جوة الحمالة، وإيدها الصغننة كانت مقفولة على رقبتي.

​تلات شهور من الهدوء والسلام خلوني غبية ومتهورة كفاية إني أوافق أرجع هنا تاني.

​مدحت بصلي وقال: “جاهزة؟” بس صوته كان طالع وكأنه بيعتذر من قبل ما نعمل حاجة.

​أطمنت على شنطة البيبي قبل ما أنزل. الببرونات، المناديل المبللة، طقم غيار… وفي الجيب الجانبي، الكاميرا الصغيرة اللي كنت بستخدمها ساعات في المستشفى عشان أصور تدريبات الطوارئ.

​اللمبة الحمراء بتاعة الكاميرا نورت مرة واحدة.

مقلتش لـ مدحت إنها بتسجل.

​الناس اللي كبرت واتربت في حضن وأمان بيعرفوا يثقوا في نبرة الصوت… أما الناس اللي كبرت وتغربت بين الملاجئ والمؤسسات وبيوت الرعاية زيي، بيتعلموا إنهم ميثقوش غير في الأدلة وبس.

​سعاد فتحت الباب قبل ما نوصل له حتى. كانت لابطة فستان بيج شيك، ورسمة على وشها ابتسامة نضيفة ومثالية، من بتاعة الصور العائلية، مش ابتسامة ست قضت فترة جوازي كلها وهي بتحسسني إني دخلت بيتهم من باب الخدم.

​قالت وهي بتاخد مدحت في حضنها بزيادة: “أهلاً يا حبيب أمك”، وبعدين عينها نزلت على البنت: “وكمان فريدة هنا.. ياه، بقيتي ست بيت ومطيعة أهو يا مريم”.

​”أهلاً يا طنط سعاد.”

​الصالون كانت ريحته معطرة ومتبخرة. طرابيزات إزاز، سجاد فاتح، دفاية رخام، وأرضية باركيه مفيهاش حتى الهوا. على الحيطة، صورة صغيرة لبرج إيفل مبروزة، عشان تدي المكان شوية رقة. أما أنا؟ في وسط صور العيلة دي كلها، مكنتش موجودة غير في صورة واحدة، وفي الطرف خالص، ومقصوصة بشكل احترافي من حد كان قاصد يعمل كده بالظبط.

​الساعة كانت 12:17 الظهر لما سعاد جابت شاي مثلج. الكوبايات كانت بتتهز في الصينية، ومدحت كان بيهز رجله بتوتر وكأنه رجع عيل عنده 12 سنة قدام أمه.

​قعدت قصادي وقالت: “إيه، وأخبار المستشفى إيه؟”

​رديت: “ضغط شغل، الطوارئ دايماً كده.”

​”أتخيل فعلاً.. أشكال وألوان بتدخل وتخرج عليكم.”

​أنا لقطت الوقفة والغمز اللي قبل كلمة “أشكال وألوان”. أنا قضيت 6 سنين من عمري بين استقبال المستشفى وأبواب العمليات، وعارفة بالظبط كمية الوجع والمصايب اللي ممكن تحصل في يوم عادي.

​رديت عليها: “كل مريض من حقه يلاقي الرعاية والاهتمام.”#حكايات_علي_ابوالدهب

​سعاد ابتسمت لؤم: “أكيد طبعاً.. أنا بس بقلق من الضغط والتوتر، الأطفال بيمتصوا الحاجات دي.. ده غير بقا موضوع الجينات والوراثة.”

​كوباية مدحت خبطت في الطرابيزة جامد: “ماما!”

​”في إيه يا مدحت؟ البت فريدة دي لا واخدة عينك، ولا مناخيرك، ولا فيها ملمح واحد من عيلة (الشناوي) أقدر أتعرف عليه!”

​الساعة القديمة اللي فوق الدفاية كانت بتتك تكتكة ورا تكتكة، وكأنها بتعد التنازلي لمصيبة هتحصل.

بصيت لجوزي… وهو بص في الأرض.

ودي كانت أول شرخ في جدار ثقتي فيه.

​سعاد شبكت صوابعها وبكل برود قالت: “تحليل DNA بسيط هيريح الناس كلها.”

​”يريح الناس كلها، ولا يريحك أنتي بس؟”

​”فريدة من حقها تعرف مين أبوها الحقيقي.”

​وقفت براحة، وإيدي على ضهر بنتي النايمة: “أبوها الحقيقي هو مدحت، وأمها الحقيقية هي أنا. والجدة الحقيقية هي اللي كانت هتربي مدحت و تخليه راجل عنده شجاعة يدافع عن بنته ومراته.. وواضح إن الست دي مش أنتي.”

​وش سعاد اتقلب في ثانية، لدرجة إني كنت هلم نفسي لورا من الخضة.

زعقت: “أنتي ازاي تتجرأي وتتكلمي كده في بيتي؟!”

​”البيت اللي مدحت ساعد في إنقاذه من تلات سنين لما فواتير محلك والمصاريف بتاعتك ات رمت على ترابيزة مطبخنا؟ هو ده البيت؟”

​مدحت وقف في النص بيننا: “خلاص بقا، اهدوا شوية.”

​قلت وصوتي اتهز مرة واحدة بس: “لأ.. أمك بتتمني بالخيانة قدام عينك، متطلبش مني أعدي الموضوع عشان يبقا مريح بالنسبالكم!”

​الساعة كانت 12:31، حركت شنطة البيبي وحطيتها على الكرسي عشان الكاميرا تكشف الصالون كله بوضوح.

ده مكنش انتقام، ولا شو.. ده كان توثيق.

ست زي سعاد متخافش إنها تأذي، هي بتخاف بس إن حد يشوفها وهي بتأذي.

​قلت: “احنا ماشيين.”

مدحت همس: “احنا سايقين ساعتين عشان نيجي نتغدى!”

“يبقا مامتك كانت تقدم غدا بدل ما تقدم اتهامات وقرف.”

​صوت سعاد بقى زي السكينة: “أي حاجة تخص عيلة ابني تخصني أنا! مش هقف اتفرج على بت جاية من الشارع بتهد اللي بنيناه في سنين!”

​بت جاية من الشارع…

​أنا سمعت كلام أوحش من ده ميت مرة في مكاتب الشؤون الاجتماعية، وفي بيوت الرعاية، وفي سيبان المدارس لما كان الكبار بيتكلموا عني كأني “ملف” مش طفلة بني آدمة. بس الوجع المرة دي كان مختلف، لأن بنتي كانت في حضني، وجوزي واقف هناك.. ساكت.

​قلت وإيدي علىكرة الباب: “عايزة دليل؟ تمام.. هنعمل التحليل اللي أنتي عايزاه، ولما تطلع النتيجة وتثبت إن فريدة بنته بالملي، أنا عايزة اعتذار رسمي وقدام الكل.”

​سعاد ابتسمت بخبث: “ولو طلعت العكس… تختفي من حياتنا خالص.”

خرجت برة البيت قبل ما أرد الرد اللي كانت تستاهله.

​الفرندة (البلكونة الخلفية) كانت بتطل على النيل علطول. المية كانت بتجري ورا الجنينة، لونها غامق وسريعة بسبب فيضان الربيع، وبتخبط في الصخور تحت بصوت عالي. فريدة صحيت وبصتلي بعيونها الواسعة الغامقة… عيونها اللي شبه عيوني بالظبط.

​مدحت حصلني برة: “مريم، هي مش قاصدة اللي بتقوله.”#حكايات_علي_ابوالدهب

“لأ، قاصدة، وعارفة كل كلمة كويس أوي.”

“هي بس خايفة عليا وبتدلعني.”

“دي قسوة يا مدحت، مش خوف.. وفي فرق كبير بينهم.”

​باب البلكونة اترزع جامد.

سعاد ظهرت، شعرها منكوش شوية، فستانها المظبوط اتكرمش من عند الوسط، وفي عينيها نظرة جنون رعبتني وجمدت الدم في عروقي.

​قالت: “فاكرة نفسك ذكية أوي.. واقفة هنا وعايشة دور الشريفة الفاضلة بابن راجل تاني!”

مدحت قال بضعف: “ماما…”

​سعاد شاورت على فريدة بصابعها: “لو البت دي من العيلة دي فعلاً، اثبتيلي!”

“هي مش مضطرة تثبتلك أي حاجة.”

​فريدة بدأت تعيط من الزعيق والصوت العالي، عياط صغنن وضعيف يقطع القلب.

سعاد قربت بخطوات سريعة: “هاتيها!”

“لأ!”#حكايات_علي_ابوالدهب

“سيبيني أشيل حفيدتي!”

“ما أنتي لسه قايلة إنها مش حفيدتك!”

​وشها اتلوى من الغل: “هاتيها بقولك.. دلوقتي!”

واترمت عليا عشان تخطفها.

​لفيت بكتفي عشان أحمي فريدة، بس سعاد قفشت في الحمالة وبواقي القماش بإيديها الاتنين. صوابعها كانت ضاغطة جامد لدرجة إن عقل صوابعها ابيضت. فريدة كانت بتصرخ بيننا، وسمعت مدحت بيزعق، بس ممدش إيده يحوش أمه، ولا مسكني، ولا عمل الحاجة الوحيدة اللي أي أب مفروض يعملها لما حد يحاول يخطف بنته.

​في ثانية واحدة مرعبة، فكرت إني أزق سعاد بكل قوتي، تخيلت ضهرها وهو بيخبط في السور وبتقع… بس بعدين شفت وش فريدة اللي بقى أحمر دم من الرعب، ومفكرتش غير في حاجة واحدة: امسكي فيها، اتشبثي، اوعي تسيبيهـا!

​الحمالة اتقطعت.

​سعاد رجعت لورا وهي بتتهز وفريدة بين إيديها، ولمعة انتصار غريبة ظهرت على وشها كأنها كسبت حرب.

نهجت وقالت: “أهو دلوقتي بقا هنشوف.. دلوقتي هنشوف البت دي بتاعة مين بالظبط!”

​واتدورت وراحت ناحية النيل!

​دمي اتصفى واتجمد في عروقي.

قلت وصوتي طالع مش مسموع من الرعب: “سعاد… اقفي.. بلاش!”

​كانت بتعيط بهستيريا وبتسرع خطوتها: “دي مش مننا! مش شبهنا! ومبتتصرفش زينا!”

صرخت بكل صوتي: “دي عندها أربع شهور!! هتتصرف ازاي يعني غير كأطفال؟!”

​مدحت أخيرًا نطق واتحرك: “ماما! أنتي بتعملي إيه؟!”

​بس سعاد كانت خلاص وصلت على الحافة.. على حرف المية.

​الدنيا كلها وقفت في اللحظة دي. مدحت كان فاتح بؤه من الصدمة ومش قادر يتحرك. كوباية الشاي المثلج اتقلبت على الطرابيزة، والسائل عمال يسيل ويسقط على الأرض. الهوا كان بيطير طرف الكوفرتة الصغيرة بتاعة فريدة.. وجوة البيت، كانت الساعة القديمة لسه بتتك وبتعد الثواني، وكأن مفيش روح بريئة وطاهرة على وشك إنها تتسرق وتضيع في ثانية.

​سعاد كانت مادة إيديها ومادية بنتي الرضيعة فوق المية الجارية…

​وقالت: “دي غلطة… غلطة بتهد كل حاجة.”

​وفي لحظة… صوابعها اتفتحت!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *