ورثت2

كريم بص لأفراد الأمن اللي واقفين وراه، وبص للقلم اللي في إيده، وبدأ يترعش. ملامح الجبروت والبرود اللي كان بيتعامل بيهم معايا طول شهور الحمل اتمحت تمامًا، وحل مكانها وش إنسان مكسور، طماع، ومستعد يعمل أي حاجة عشان ينقذ نفسه.

مضى الورقة بإيد بتترعش، وهو بيبصلي بنظرة رجاء أخيرة:

— هبة… عشان خاطر ابننا، بلاش تخربي بيتنا، أنا غلطت وأنا معترف، بس الفلوس دي تقدر تخلينا نبدأ من جديد، هبقى تحت رجلك والله…

فريدة المحامية شدت الورقة من تحت إيده بسرعة وبصت للأمن وقالت:

— اتفضلوا خدوه بره المستشفى كلها، وممنوع يدخل هنا تاني تحت أي ظرف.

الأمن مسك كريم من دراعه وسحبوه لبره وهو بيلتفت ورايا وبيصرخ باسمي، وصوته كان بيضيع تدريجيًا في الممر لحد ما اختفى تمامًا. أول ما الباب اتقفل، الأوضة رجعت لهدوئها، وأنا غمضت عيني وأخدت نفس طويل وعميق… كأني كنت غرقانة وبقالي شهور مش عارفة أتنفس.

أم محمد جارتي دخلت الأوضة في اللحظة دي، وعينيها كانت بتلمع بالدموع والانتصار، قربت مني وبست راسي:

— مبروك يا قلب أم محمد، ربنا نصرك وخلّى راسك فوق، وليدك وش السعد عليكي.

ابتسمت لها وقلت:

— لولاكي يا أم محمد بعد ربنا، أنا ماكنتش عارفة كان هيرصى بيا الحال فين.

فريدة قعدت على الكرسي اللي جنب السرير وقالت وهي بتبتسم:

— دلوقتي بقى يا هبة، إحنا قفلنا صفحة كريم قانونيًا، والورق ده هيتوثق في المحكمة الصبح. بس لازم تعرفي إن العشرين مليون جنيه بتوعك بقوا في الحساب الجاري رسمي، والشركاء في المستشفى هنا مستنيين توقيعك النهائي على عقد الشراكة أول ما تشدي حيلك وتخرجي بالسلامة.

هزيت راسي بالموافقة، بس جوايا كان فيه تفكير تاني خالص. الفلوس دي مش بس عشان تأمن مستقبلي ومستقبل ابني، الفلوس دي هتبقى السلاح اللي هبني بيه حياتي الجديدة من الصفر، ومن غير ما أسمح لمخلوق يكسرني تاني.

بعد يومين، خرجت من المستشفى. شيلت ابني في ح.ضني، وبصيت لوشه الملائكي الصغير، وسميته “يوسف”. أم محمد كانت معايا، وفريدة جهزت لي عربية خاصة توصلنا. لما رجعت المنطقة، ما رجعتش لشقة كريم طبعًا… فريدة كانت مأجرة لي شقة مؤقتة في كومباوند هادي لحد ما أشتري بيتي الخاص.

وأنا قاعدة في الصالون الجديد، بتابع حساباتي البنكية وبشوف الأرقام، تليفوني رن برقم غريب.

رديت بهدوء:

— أيوة؟

جالي صوت من الناحية التانية، صوت ست، بس مش غريب عليا… كانت حماتي، أم كريم. صيرتها كانت متغيرة، مفيهاش النبرة المتعالية اللي كانت بتكلمني بيها دايماً.

قالت بتلعثم وحزن مصطنع:

— هبة يا بنتي… حمد الله على سلامتك وسلامة المولود، يتربى في عزك وعز أبوه… كريم حكالي على كل حاجة، والولد هيمو.ت من الندم، وقاعد في البيت قافل على نفسه ومش بياكل. يا بنتي دي عين وحسدتكم، والشيطان دخل بينكم، لازم ترجعي لبيتك وتفكري في مستقبل ابنك، كريم مستعد يكتب لك الشقة باسمك ويكتب شيكات بكل اللي تؤمري بيه…

ضحكت بصوت عالي، ضحكة هزت أركان الشقة، وقلت لها بكل برود:

— ابنك رمى ابنها وهو بينزل من بطني يا أم كريم، وابنك مضى على التنازل عن كل حاجة برغبته عشان خاف من الحبس. الشقة اللي بتتكلمي عنها دي متأجرة أصلاً وكريم مديون بإيجارها، فبلاش تعيشي الدور. قولي لابنك إن هبة اللي كانت بتمو.ت من الوجع وهو بيتفرج عليها ماتت، والكسرة اللي كسرتهالي، هيردها له الزمن أضعاف.

قفلت السكة في وشها وعملت للرقم بلوك.

فات شهرين، وكنت بدأت أنزل بنفسي وأتابع شغلي الجديد في المستشفى، وبقيت بدرس مشاريع تانية مع فريدة عشان أستثمر باقي المبلغ. وفي يوم، وأنا خارجة من بوابة المستشفى الكبيرة ورايحة لعربيتي الجديدة، ولمحت واحد واقف على الرصيف التاني…

كان كريم.

هدومه متبهدلة، وشه شاحب، وخاسس النص. كان واقف بيبص عليا من بعيد وعينيه فيها حسرة تذوب الصخر، ومش قادر حتى يقرب خطوة واحدة من أفراد الأمن اللي واقفين حوالين العربية.

ركبت عربيتي، وبصيت له من ورا الإزاز الأسود، ومستنتش حتى أشوف ملامحه أكتر… دوست بنزين وطلعت القدام، وأنا عارفة إن دي مجرد بداية لرحلة تانية خالص.

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

مرت ستة أشهر كاملة. يوسف كبر وبقت ملامحه تنور دنيتي، والوجع اللي كان في قلبي اتحول لقوة جبارة. العشرين مليون جنيه ما قعدوش في البنك؛ بمساعدة فريدة، دخلت في شراكة تانية في خطوط إنتاج مستلزمات طبية، واسمي بدأ يتردد في السوق كـ “سيدة أعمال” صاعدة، مش مجرد واحدة ورثت قرشين.

نقلت أنا وأم محمد – اللي مابقتش مجرد جارة، بقت أمي وأختي وسندي – لفيلا هادية في التجمع. كنت حريصة إن يوسف ما يحسش بأي نقص، وأم محمد كانت شايلاني وشايلة ابني في عينيها.

في صباح يوم من الأيام، وأنا قاعدة في مكتب المستشفى براجع الحسابات السنوية، دخلت عليا فريدة والمحامي المساعد بتاعها، وكان على وشها ابتسامة غامضة.

حطت ملف قدامي وقالت وهي بتعدل نظارتها:

— فاكرة المعرض الصغير وورشة قطع الغيار اللي كريم كان شغال فيهم وكان دايماً يقولك “أنا مديون ومضغوط”؟

هزيت راسي وقلت لها:

— مالهم؟ أنا نسيت اسم كريم أصلاً.

فريدة ضحكت وقالت:

— بس هو منسيش، والزمن داير سريع أوي يا هبة. كريم دخل في صفقة استيراد مضروبة عشان يعوض اللي فاته، واستلف من طوب الأرض، والشركاء بتوعه رفعوا عليه قضايا شيكات بدون رصيد وتدليس. الورشة والمعرض معروضين في المزاد العلني الأسبوع الجاي بحكم محكمة لتسديد ديونه… وإلا هيدخل السجن، والمرة دي مفيهاش تهريش.

بصيت للملف، شفت صور المكان اللي كريم كان بيذلني فيه عشان قرشين، المكان اللي كان بيتحجج بيه عشان يقفل تليفونه ويهملني وأنا حامل.

وقفت وبصيت من شباك المكتب الكبير على شوارع القاهرة الواسعة، وقلت لفريدة بنبرة هادية وبدون أي تردد:

— اشتري المزاد يا فريدة. أيًا كان التمن، أنا عايزة الورشة والمعرض دول باسمي وباسم ابني يوسف.

فريدة ابتسمت ابتسامة نصر وقالت:

— كنت عارفة إنك هتقولي كده. الورق هيتجهز حالا.

يوم المزاد جه، وأنا ما رحتش بنفسي؛ بعت فريدة والمحامين بتوعي. كريم كان قاعد في قاعة المحكمة والمزاد شغال، وشه كان زي الأموات، كان شايف شقى عمره والمكان اللي كان بيتنطط بيه على خلق الله بيروح منه عشان ينقذ نفسه من الحبس. فريدة خلصت كل حاجة في أقل من ساعة، واشترت المكان بأعلى سعر، وسددت المديونيات اللي عليه للمحكمة.

كريم خرج من القاعة وهو مش مصدق إنه نجا من السجن، بس في نفس الوقت بقى على الحديدة، لا يملك في الدنيا دي غير الهدوم اللي عليه.
جري ورا فريدة في الممر وهو بيلهث:

— يا أستاذة فريدة! أبوس إيدك… قوليلي مين المستثمر اللي اشترى المكان؟ أنا ممكن أديرله الشغل، أنا فاهم في السوق ده كويس أوي، مش هلاقي لقمة عيش آكلها أنا وأمي!

فريدة وقفت، لفت ببطء وبصت له من فوق لتحت بقرف، وطلعت من الشنطة كارت الشغل الجديد بتاعي، الكارت اللي مكتوب فيه بخط دهبي بارز: *(مجموعة شركات هبة المنشاوي للاستثمار).*

حدفت الكارت في إيده وقالت له ببرود قاتل:

— صاحبة الشغل بتقولك، المطرود ملوش مكان جوه… ولو لمتك الشارع صدفة قدام أملاكها، الأمن عنده أمر يتعامل معاك كمتسول.

كريم بص للكارت، وعينيه برقت بصدمة هزت كيانه كله. انهار وقعد على ركبه في نص الممر، والكارت بيترعش في إيده، والدموع نازلة على وشه مش عارف ينطق حرف واحد.

بعدها بيومين، كنت واقفة بنفسي قدام الورشة والمعرض، والعمال بينزلوا اليافطة القديمة اللي كان مكتوب عليها اسمه، وبيركبوا اليافطة الجديدة الكبيرة: *(مجموعة يوسف المنشاوي).*

وأنا واقفة بتابع الشغل، تليفوني رن… الرقم كان غريب، بس النغمة كانت بتوحي إنها نهاية حكاية وبداية حكاية تانية خالص. رديت، وجالي صوت أنفاس متقطعة، وصوت كريم وهو مكسور تماماً وبيقول:

— هبة… أنا واقف ورا الشجرة اللي في آخر الشارع… أنا مش عايز فلوس، أنا عايز بس…

قبل ما يكمل جملته، شفته فعلاً من بعيد واقف زي الشبح. بصيت له بكل ثبات، وأخدت القرار اللي هيقفل الباب ده للأبد في الجزء الأخير.

— أنا مش عايز فلوس، أنا عايز بس أشوف ابني… عايزك تسامحيني يا هبة، أنا بتمو.ت في اليوم مية مرة.

نزلت التليفون من على ودني من غير ما أنطق بحرف واحد. قفلته خالص، وحطيته في الشنطة. وبنفس الهدوء والثبات اللي بقوا حليفي، شاورت لرئيس العمال اللي واقف على السقالة يرفع اليافطة الجديدة.

اليافطة اللي شايلة اسم “يوسف”، ابني اللي ملوش في الدنيا دي غير ربنا وأنا، واللي هيكبر وهو رافع راسه، مش شايل ذنب ولا خزي من أب رماه وهو لسه بيصرخ صرخته الأولى في الدنيا.

بصيت لآخر الشارع، مكانه… شفته وهو بيقفل تليفونه بيأس، وحط إيده على وشه وبدأ يمشي بخطوات تقيلة، مكسور، عريان من كل كرامة أو كبرياء كان في يوم من الأيام بيذلني بيهم. كريم ما بقاش بيمثلي أي حاجة؛ لا غل، ولا كره، ولا رغبة في الانتقام. بقى مجرد “لا شيء”.

لفيت ضهري للمكان وركبت عربيتي.

ساعتها، افتكرت جدي الله يرحمه… وكأن الأقدار كانت مرتبة كل حاجة بالمسطرة. الـعشرين مليون جنيه ما كانوش مجرد ورث، دول كانوا طوق النجاة اللي ربنا بعتهولي في أضعف لحظات حياتي عشان يخرجني من ضلمة كريم لـنور حياتي الجديدة.

لما رجعت الفيلا، لقيت أم محمد قاعدة في الجنينة وبتلاعب يوسف اللي كان بيضحك من قلبه وصوت ضحكته مالي المكان. أول ما يوسف شافني، مد إيديه الصغيرة ليا وهو بيناغي.

أخدته في ح.ضني، شميت ريحته اللي بتنسيني أي تعب في الدنيا، وبصيت لأم محمد وقلت لها:

— خلاص يا أم محمد… كل حاجة لفت ورجعت لأصحابها، والصفحة دي اتقفلت واتحرقت كمان.

أم محمد طبطبت على كتفي وقالت وعينيها مليانة فخر:

— ربنا يجعلك دايماً منصورة يا بنتي، ويعوض صابرك خير. أنتِ عديتي المحنة، ودلوقتي وقت المنحة.

في الليلة دي، وأنا واقفة في البلكونة وبص للسمٰا، ويوسف نايم في سريره في أمان، حسيت بنسمة هوا باردة ومريحة لأول مرة من سنين. عرفت إن القوة مش في الفلوس، القوة في الكرامة اللي الفلوس حمتها، وفي القلب اللي مفيش مخلوق قدر يكسره.

أنا هبة المنشاوي… ودي كانت حكايتي مع الوجع اللي اتقلب لـقوة، والكسرة اللي بقت أكبر انتصار. رحلتي مع كريم انتهت تماماً، بس رحلتي مع ابني وحياتي… لسه تبدأ حالا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *