بقلم روماني مكرم 2

انطلقت صفارات الأجهزة داخل غرفة العناية المركزة لتشق صمت الممر القاتل، واندفع الأطباء والممرضون إلى الداخل بحركة متسارعة، ينقلون أكياس الدم ومعدات الصدمات الكهربائية. وقفنا جميعاً خلف الزجاج الخارجي، نراقب أجساد الأطباء وهي تتحرك بلهفة حول جسد “سحر” الضئيل الذي كان يصارع ، بينما كانت والدتها تسقط أرضاً وهي تنتحب وتدعوا الله أن يرد إليها ابنتها.
كان محمود يقف ذابولاً، ينظر من خلال الزجاج إلى وجه زوجته الشاحب كالقطن. لأول مرة، رأيت الخوف الحقيقي يطل من عينيه؛ لم يعد ذلك الرجل الناقم على كرامته أو الشاغل باله بالمظاهر والشكل، بل استبدل غروره برعب خالص من أن يتسبب كبرياؤهم في إنهاء حياة إنسانة لم تؤذه يوماً.
مقالات ذات صلة
حكايات نور محمد 2
منذ ساعتين
حكايات رومانى مكرم 1
منذ ساعتين
حكايات انجى الخطيب 2
منذ 15 ساعة
جوزي وعد يقعد ولاد أخته2
منذ 16 ساعة
اقتربتُ منه وهززت كتفه بقوة وقلت له بصوت خافض: “شفت يا محمود؟ شفت كان فاضل إيه وتسيب الدنيا خالص عشان أوهامك؟!”
لم يرد محمود، بل اكتفى بوضع يديه على رأسه وسقط على ركبتيه في منتصف الممر، وجسده يرتجف بشدة دون أن تخرج منه كلمة واحدة.
بعد ساعة من التوتر الذي حبس أنفاس الجميع، خرج الطبيب المشرف ووجهه مجهد، لكن ملامحه كانت أكثر هدوءاً هذه المرة. مسح العرق عن جبينه وقال بتنهيدة رفعت الجبل عن قلوبنا: “الحمد لله، قدرنا نسيطر على النزيف ونثبت النبض والضغط. المريضة تعدت مرحلة الخطر الحرِج، وبدأت تسترد وعيها تدريجياً، لكنها محتاجة راحة تامة وعناية فائقة لأن جسدها ضعيف جداً.”
ما إن سمع والد سحر كلمات الطبيب حتى خرّ ساجداً على الأرض يشكر الله والدُموع تتساقط من عينيه. أما محمود، فقام بخطوات ثقيلة ومشتتة نحو الطبيب وقال بصوت خافت ومبحوح: “ممكن أدخل أشوفها؟ بس دقيقة واحدة.. أرجوك يا دكتور.”
نظر إليه والد سحر بنظرة حازمة وقاطعه بقسوة: “مش من حقك تشوفها، ولا هي عايزة تشوفك. أنت انتهيت من حياتها من اللحظة اللي اخترت فيها شكلك على حساب روحها!”
لم يتراجع محمود هذه المرة ولم يصرخ كما اعتاد، بل انحنى رأسُه خجلاً وندماً. تسلل بخطوات خائفة ورجاء في عينيه نحو باب العناية المصنوع من الزجاج، ووقف يطل عليه. في تلك اللحظة بالذات، فتحت سحر عينيها ببطء شديد وسط الأجهزة المحيطة بها. دارت بصرها في الغرفة حتى التقت عينها بعيني محمود الواقف خلف الزجاج.

