بقلم روماني مكرم 2

لم تكن نظرتها تحمل كُرهاً ولا غضباً، بل كانت نظرة انكسار وعتاب صامت أشد قسوة من أعتى الكلمات. أدارت وجهها الناحية الأخرى ببطء شديد وأغمضت عينيها، معلنةً عن إغلاق آخر باب كان يمكن أن يجمعها به.
مسح محمود دمعة فرت من عينيه، ودون أن ينطق بحرف، التفت ومشى في الممر تاركاً المستشفى بخطوات تائهة، بينما كانت والدة سحر تربت على يد ابنتها وتهمس لها بأن الكابوس قد انتهى. لكن الأحداث لم تقف عند هذا الحد؛ ففي المساء، وبينما كنا نحسِب أن الأمور ستتجه للهدوء تمهيداً للإجراءات القانونية، تلقت عائلتنا اتصالاً هاتفياً غير متوقع نقل القصة كلها إلى مسار جديد تماماً…
كان المتصل على هاتف والدي هو شقيق “سحر” الأكبر، الذي يعيش خارج البلاد وكان غائباً عن تفاصيل الأزمة منذ بدايتها. لم يكن اتصاله يتضمن تهديداً أو شتاماً كما توقعنا، بل جاء بصوت هادئ، يتوشح بصرامة قاطعة، ليبلغنا بقرار العائلة النهائياً: “إحنا مش جايين نتحاكم ولا نتخانق.. سحر هتخرج من المستشفى على بيتنا، ورقتها توصلها لحد عندها، وأي مطالب مالية للمستشفى أو غيرها مدفوعة بالكامل من جيبي.. محمود مالوش أي صفة في حياتها بعد النهاردة.”
في اليوم التالي، خرجت سحر من المستشفى متجهة إلى بيت أهالها لتستكمل رحلة علاجها وتتلقى الجرعات الوقائية. كانت تبدأ مرحلة التماثل للشفاء الجسدي، لكن الجرح النفسي كان أعمق بكثير من أن تداويه الأيام.
أما محمود، فقد انقلبت حياته رأساً على عقب. أدرك، بعد فوات الأوان، حقيقة خطئه الشنيع والوهن الذي أظهره في أشد أوقات زوجته احتياجاً له. تحول غضبه وتكبره إلى ندم ينهك جسده ورأسه؛ أصبحت الشقة الشاسعة التي كان يرفض أن تعود إليها زوجةٌ بلا ثدي، مظلمة وموحشة، تذكره في كل زاوية بصوت بكائها ووساطتها المستميتة لإنقاذ حياتها.
بدأ محمود محاولات مضنية للتواصل معها؛ بعث بالرسائل، وتوسل لوساطة الكبار من عائلتنا وعائلتها، معلناً استعداده لدفع تكاليف العلاج التعويضي وجراحات إعادة الترميم، بل وتقديم أي اعتذار يطلبونه. لكن كل محاولاته ارتطمت بجدار من الصمت والرفض المطلق من جانب سحر وعائلتها. كانت إجابتهم الواحدة والواضحة: “الأمان إذا اختفى، لا تُعيده كل أموال الدنيا.”
