بقلم روماني مكرم 2

تابع كبريائها الجريح كلماته الأخيرة وهي تتطلع إلى عينيه الباكيتين: “أنت ما خسرتنيش لما عملت العملية.. أنت خسرتني لما شفت إن صحتي وحياتي أرخص عندك من شكلي. الندم اللي أنت فيه دلوقتي مش هيصلح شرخ الخوف اللي زرعته في قلبي، ورجوعي ليك معناه إني بظلم نفسي تاني، وأنا وعدت نفسي إني مش هسمح لأي حد يكسرني بعد النهاردة.”
اللتفتت سحر ببراعة ووقار، وسارت بخطوات واثقة نحو سيارة والدها دون أن تتطلع إلى الخلف ولو لمرة واحدة. تركته واقفاً على الرصيف، تتهاوى أوهامه السابقة تحت أقدام واقع جديد صنعه بنفسه.
ركبت السيارة وانطلقت بها، بينما ظل محمود واقفاً في منتصف الشارع، يراقب طيفها وهو يبتعد، ليتركه أمام الاستدعاء القضائي وفي مواجهة جلسة الحكم النهائية التي تحدد مسار حياته القادمة.
جاء يوم الجلسة الحاسمة في المحكمة. كان الممر المزدحم يضج بالحركة، بينما يجلس محمود على أحد المقاعد الخشبية الجانبية، مطأطأ الرأس، يحمل بين يديه أوراق القضية، ويتجرع مرارة الخسارة قبل أن ينطق القاضي بالحكم.
على الجانب الآخر، كانت سحر تجلس بجوار والدها ومحاميها. كانت ترتدي ثياباً بسيطة وأنيقة، ووجهها يفيض بهدوء ونقاء عجيبين، كأنما تطهرت تماماً من آلام الماضي وعقدة المرض. لم تنظر اتجاه محمود ولو لمرة واحدة، فقد أغلقت ذلك الفصل من حياتها للأبد.
نُودِيَ على القضية، ودخل الجميع إلى القاعة. وقف المحامون يترافلون، لكن محمود لم يطلب من محاميه أن يجادل أو يدافع؛ كان يعلم أن كل دفوعه باطلة أمام حجم الجرم النفسي والإنساني الذي ارتكبه. وقف فقط يستمع إلى المحامي وهو يطلب من القاضي إنهاء الإجراءات بما يرضي الله والحفاظ على الحقوق الشرعية للزوجة.
اعتلى القاضي المنصة، وبعد مراجعة الأوراق وتقرير الأطباء والشهادات، طرق بمطرقته الخشبية ليعلن المنطوق النهائي:
إثبات الطلاق بائن بين الطرفين، وإلزام محمود بجميع الحقوق المالية والشرعية كاملة من مؤخر وصداق ونفقة، مع تحمله ما نص عليه القانون في مثل هذه الحالات.
طُرِقَت المطرفة لتعلن نهاية العلاقة رسمياً. رفع محمود رأسه ببطء، وتلاقت أعينهما لثوانٍ معدودة أثناء خروج الجميع من القاعة. لم يجد في عينيها انتقاماً ولا تشفياً، بل وجد مساحة شاسعة من الحرية وراحة البال. ابتسمت سحر لوالدها، وأمسكت بيده وقبّلتها، ثم خطت خارج مبنى المحكمة نحو الشمس، مستقبِلةً حياتها الجديدة بروح أصلب، وجسدٍ أثبت أن القوة والحجم الحقيقي للإنسان ينبعان من داخله ومن إرادته في الحياة، لا من المظاهر الفانية.

