يوم زفافي ١

يوم فرحي، أخت جوزي قالت في الميكروفون أنتِ هنا عشان تخدمينا كلنا. شريف جوزي هز راسه بالموافقة، وأنا ابتسمت

في وسط الفرح، والناس كلها عيونها علينا، سكتت المزيكا فجأة في القاعة. نيرة أخت عريسي شريف مسكت الميكروفون من المأذون وسط ذهول الكل. بصت لي بابتسامة صفراء كأني خدامة نسيت تلبس اليونيفورم بتاعها.

قالت نيرة وصوتها مالي القاعة، وهي بتهز غوايشها الدهب اللي بتلمع تحت النجف

قبل ما نكمل ونكتب الكتاب، فيه قواعد وأصول لعيلتنا لازم إيمان تفهمها كويس وتوافق عليها قدام الكل.

طرحة الفستان فجأة حسيتها تقيلة على راسي، وكأنها جبل.

المعازيم بدأوا يوشوشوا، ووش أمي اتقلب وبان عليه القلق. بصيت لخطيبي شريف اللي كان واقف جنبي ببدلته التوكسيدو الشيك، ولقيته باصص في الأرض.. مكنش مصدوم، ولا مستغرب.. كان مستنيها تخلص، وكأنه عارف كل كلمة هتقولها!

طلعت نيرة ورقة وقلم من شنطتها وقالت

القاعدة الأولى غدا يوم الجمعة ده مقدس في بيت العيلة، وإيمان هي اللي هتقف في المطبخ وتطبخ للكل. القاعدة الثانية الأعياد والمناسبات لعيلتنا وبس، وأهلها يبقوا يزوروها في يوم تاني.. إحنا اللي لينا الأولوية.

ضحكة مكتومة وسخيفة طلعت من كام حد في القاعة.

بصيت لشريف.. مرفعش عينه في عيني.

نيرة كملت بصوت أعلى وهي مستمتعة بلمة الناس حواليها

القاعدة التالتة بما إن شريف هو راجل البيت، إيمان هتنقل ملكية الشقة اللي اشترتها لاسمه واسمها مناصفة بعد الفرح. القاعدة الرابعة مرتبها كله يتحول لحساب مشترك تحت إشراف شريف، عشان الستات عاطفيين ومبيعرفوش يتصرفوا في الفلوس.

إيدي ضغطت على بوكيه الورد لدرجة إن فرع منه اتكسر في إيدي.

بصيت لمامة شريف، لقيتها بتمسح دموعها بمنديل كأن الكلام ده نشيد وطني من كتر جماله! وأبوه كان قاعد بيبتسم بفخر.

نيرة قربت من الميكروفون أكتر وقالت الجملة اللي قطمت وسط الموضوع

وفي النهاية، إيمان لازم تفتكر إنها هي اللي داخلة عيلتنا، مش إحنا اللي رايحين لها.. هي جاية عشان تخدم العيلة دي.

الكلمة نزلت عليا زي التلج. تخدم.

أنا قضيت سنة ونصف فاكرة إن الناس دي بتحبني. أنا اللي دفعت مصاريف القاعة والبوفيه لما شريف قال إن شغله واقف اليومين دول. أنا اللي اشتريت الشقة اللي كان مفروض نتجوز فيها بفلوسي وشقايا. كنت بطنش تريقة أمه على شغلي وإنها بتقول عليه تضييع وقت، رغم إني محامية جرائم أموال وشاطرة جداً، ووقعت حيتان كبار في السوق.

نزلت بوكيه الورد من إيدي.

وقلت بصوت واطي بس مسموع شريف..

رفع راسه وبص لي.

قلت له أنت كنت عارف بالكلام ده؟

فتح بقه وقفل، وبعدين رسم الابتسامة الساحرة المزيفة بتاعته وقال يا حبيبتي متعمليش شوشرة وتفضحينا.. دي مجرد أصول وتقاليد، عدي الليلة.

كده أول سؤال إجابته وضحت.

لفيت لنيرة وقلت لها ومين اللي كتب القواعد دي يا نيرة؟

ضحكت وقالت ببرود كلنا قعدنا واتفقنا.. وشريف كان موافق على كل حرف.

وده كان السؤال التاني.

الدنيا وضحت قدامي فجأة. كل همسة، كل موبايل بيصور، كل نظرة شمتانة من عيلته.

ابتسمت.. مش عشان أنا فرحانة، عشان أخيراً شفت الحقيقة

شريف مسك كوعي وقال بحدة إيمان، اهدي واطلعي من الحالة دي، فضحتِينا قدام الناس.

بصيت لإيده اللي ماسكاني لحد ما شالها وهو خايف.

نيرة قلبت عينها بملل وقالت شفتوا؟ عشان كده بنقول لازم نظام، الستات بتقلبها دراما وخلاص.

حماتي قامت من مكانها وقالت يا بنتي متخديش الموضوع على أعصابك، كل ست في عيلتنا بتعرف مكانها فين من أول يوم.

قلت لها مكاني؟

شريف قرب من ودني وهمس بصوت زي السم ابتسمي وخلصي الليلة، وحسابنا في البيت لما نروّح.

في البيت؟

البيت اللي بدأ يسميه بيتنا قدام الناس؟

البيت اللي اشتريته لوحدي من حر مالي بعد ما بعت شقتي القديمة؟ البيت اللي شريف مدفعش فيه جنيه واحد، لا في قسط ولا في توضيب!

بصيت للناحية التانية من القاعة، ولقيت نورا مساعدتي في المكتب قاعدة في الصف التالت. مكنتش جاية كمعزومة عادية، أنا كنت طلبت منها من 3 أسابيع تراقب وتراجع ورا شريف في حاجات ريحتها بدأت تطلع.

تأخيرات شغله.. اهتمامه المفاجئ بحساباتي البنكية.. أسئلة أخته عن الوصية بتاعتي.. وتريقة أبوه إن الجوازة دي هي أكبر صفقة شريف هيمضيها في حياته.

نورا بصت لي وهزت راسها مرة واحدة، وبعدين بصت في موبايلها.

تمام.

نيرة افتكرت سكوتي ده خوف، وقالت وكمان ممكن نزود قاعدة خامسة، مفيش تهديدات بالمحاماة والقانون، إحنا عارفين إن المحاميين بيحبوا يلووا الدراع.

شوية ناس ضحكوا، وصاحب شريف الانتيم قعد يصقف.

بدأت أخلع خاتم الخطوبة بهدوء.

وش شريف اتخطف بتعملي ايه؟

قلت له بسمع.. لأول مرة بسمعكم بجد.

قال لي بلهجة آمرة البسي الخاتم فوراً.

قلت له بكلمة واحدة هزت القاعة لأ.

حماتي شهقت يا شريف، لمّ مراتك وشوف لها حل!

وهنا كانت اللحظة اللي القناع فيها وقع تماماً.

نيرة نزلت من على المنصة وراحت لعندي وهي بتخبط بكعب جزمتها في الأرض أنتِ فاكرة نفسك مين عشان تحرجينا كده؟ بعد كل التضحيات اللي شريف عملها عشان يتجوزك؟

كنت هضحك والله.. تضحيات؟

ده كان قاعد في أوضة الضيوف عندي مؤقتاً. كان بياخد عربيتي لما قسط عربيته ميتدفعش وتتسحب منه. كان بيستخدم الفيزا كارد بتاعتي عشان عزومات الشغل اللي اكتشفت إنها كانت غدا وعشا لنيرة وأمه!

قلت لها أنتوا اخترتوا الست الغلط تيجوا عليها.

بصيت لنيرة وهي واقفة قصادي، عيونها كانت بتطلع شرار وكأنها هي اللي صاحبة الحق، والناس في القاعة بدأت تقف على رجل علشان تشوف العروسة اللي فجأة قلبت الليلة.

شريف قرب مني خطوة، وشه كان قالب ألوان، عروق رقبته ظهرت وهو بيحاول يتكلم بصوت واطي واثق بس مليان غل:

“إيمان.. الزمي حدودك. إحنا قدام الناس، قسماً بالله لو ما لبستي الخاتم ومضيتي الكتاب حالاُ ليكون ليا تصرف تاني معاكي، ومش هتعرفي تدخلي الشقة دي تاني.”

بصيت له وابتسمت ابتسامة هادية جداً، الهدوء اللي بيسبق العاصفة. رجعت خطوة لورا، مسكت الميكروفون التاني اللي كان محطوط على ترابيزة المأذون، ورفعته لحد ما بقيت بكلم القاعة كلها. صوتي طلع قوي ورخيم، صوت المحامية اللي متعودة تقف في المحاكم ومبيتهزش لها جفن.

“مساء الخير يا جماعة.. منورين فرحي، أو اللي كان مفروض يبقى فرحي.”

الصمت نزل على القاعة زي السحر، حتى المأذون عدل نظارته وبص لي بذهول.

حماتي قامت وقفت وهي بتزعق من غير ميكروفون: “أنتِ اتجننتي يا بت؟ نزلي البتاع ده واقعدي مكانك!”

ما اهتميتش ليها، وبصيت لنيرة وقلت في الميكروفون: “نيرة حبيبتي.. القواعد اللي أنتِ قلتيها دي جميلة جداً، بس ناقصها شوية تفاصيل قانونية صغيرة، وبما إني محامية، فمن واجبي أوضحها للحضور الكريم.”

شريف حاول يشد الميكروفون من إيدي، بس أنا لفيته وبصيت له بنظرة خلته يقف مكانه. نظرة خلت الرعب يدب في قلبه لأنه عارف أنا ممكن أعمل إيه لو اتعصبت.

كملت وكلامي كان بيضــ,,ـــــرب زي الرصاص:

“بالنسبة للقاعدة الثالثة والرابعة.. نقل ملكية الشقة والتحكم في المرتب.. أحب أقول للشاشات والكاميرات اللي بتصور، إن الشقة اللي شريف بيه كان بيهددني حالا إنه مش هيدخلني ليها، هي شقتي أنا، مدفوعة بالكامل من حسابي البنكي الخاص، وشريف معندوش حتى عقد إيجار فيها. أما بخصوص المرتب اللي شريف شايف إن الستات عاطفيات ومبيعرفوش يتصرفوا فيه.. فالحقيقة شريف معذور، لأنه بقاله 6 شهور عاطل، والفيزا كارد اللي في جيبه حالياً، واللي دفع منها تمن بدلة التوكسيدو الشيك دي، هي فيزا كارد إضافية من حسابي أنا.”

الهمهمات في القاعة تحولت لشهقات عالية. أصحاب شريف اللي كانوا بيصقفوا من شوية، نزلو إيديهم وبدأوا يبصوا لبعض بكسوف.

أبو شريف وشه بقى أحمر زي الدم، وقف ومسك عكازه وهو بيترعش: “إيه الكلام الفارغ ده؟ أنتِ بتتبلي على ابني في يوم فرحه؟”

في اللحظة دي، نورا مساعدتي قامت من الصف الثالث. مشيت بثقة مبالغ فيها وهي ماسكة في إيدها ملف جلدي أسود كبير، وطلعت بيه لحد المنصة عندي. هزت راسها وقالت لي بصوت مسموع: “كل حاجة جاهزة يا فندم، والتحريات كاملة بالإثباتات.”

شريف أول ما شاف الملف، لونه خطف تماماً وبدأ يعرق رغم التكييف الشديد اللي في القاعة. قال بصوت مرعوب وبيتأتأ: “إيمان.. إيه ده؟ أنتِ بتعملي إيه؟ خلينا ندخل الأوضة جُوّه ونتفاهم، بلاش فضايح.”

“فضايح؟” قلتها وأنا ببص له بكل قرف. “أنتوا اللي بدأتو الفضيحة وعملتوها شو في الميكروفون، وأنا بحب أرد في نفس المكان وبنفس الطريقة.”

أخدت الملف من نورا، فتحته وطلعت منه ورق رسمي مختوم. وبدأت أقرا والميكروفون في إيدي:

“ده تقرير رسمي من بنك (…)، بيثبت إن الحساب المشترك اللي شريف فتحه من ورايا باسمه وباسم أخته نيرة، كان بيتحول له مبالغ دورية من حساب شركتي تحت بند (مصاريف استشارية وهمية). شريف مكنش بيشتغل يا جماعة، شريف كان بيمهد لاختلاس مبالغ من شغلي بمساعدة أخته اللي شغالة محاسبة في شركة تانية، والورق ده رايح بكره الصبح للنيابة العامة بتهمة النصب والاحتيال وخيانة الأمانة.”

نيرة أول ما سمعت اسم النيابة العامة، الغوايش اللي كانت بتهزها بفخر بدأت تتخبط ببعضها من الرعشة. وشها اتقلب وبقت تبص لأخوها وهي مصدومة: “شريف! أنت مش قلت لي إنها مش هتاخد بالها؟ مش قلت إنها هتمضي على طول من غير ما تقرأ؟”

ضحكت بصوت عالي تردد في القاعة: “تفتكري محامية جرائم أموال بالذكاء ده يفوتها حاجة زي كده؟ أنا كنت سايباكم تلعبوا لحد ما أشوف أخركم، والنهاردة شفت الحقيقة كاملة.”

حماتي بدأت تصرخ وتلطم على وشها: “يالهوي.. ابني هيروح في داهية.. أنتِ إيه يا شيخة؟ معندكيش قلب؟”

التفت للمأذون اللي كان قاعد مبرق وعينيه طالعة لبرة، وقلت له باحترام: “اتفضل يا مولانا، لم ورقك.. مفيش كتاب هيكتب النهاردة، العريس مطلوب في قضية تانية خالص.”

شريف حس إن كل حاجة بتهد فوق دماغه، والناس كلها بتبص له بنظرات احتقار. حاول يلعب اللعبة الأخيرة، قرب مني ودموعه نزلت -أو ادعى إنها نزلت- وقال: “إيمان، أنا بحبك.. والله كنت بعمل كده تحت ضغط من أهلي، هما اللي طمعانين.. أنا ماليش ذنب، سامحيني واستروا عليا.”

أبوه لما سمعه بيقول كده، صرخ فيه: “بتبيعنا يا فاشل؟ يا غبي!” وبدأت خناقة وصريخ بين عيلة شريف ونفسهم وسط ذهول المعازيم.

في وسط الهيصة دي، قلعت الطرحة من على راسي ورميتها على الكرسي. بصيت لشريف للمرة الأخيرة وقلت له: “مؤخر الصداق اللي كنت كاتبينه في الورق؟ أنا مش عايزاه.. أنا هاخد تمنه من حريتك.”

التفت لأمي اللي كانت وافقة ودموعها في عينيها بس ملامحها مليانة فخر بيا، مشيت ناحيتها، مسكت إيدها، وبصيت لنورا وقلت لها: “يلا بينا يا نورا.. ورانا شغل كتير الصبح في المحكمة.”

وأنا خارجة من باب القاعة بفستاني الأبيض، سمعت صوت نيرة وهي بتزعق لشريف، وصوت أمن القاعة وهو بيدخل عشان يفض الخناقة اللي قامت بين عيلته. خرجت للهوا الطاير وأنا حاسة إن الجبل اللي كان على راسي انزاح، بس الحكاية لسه منتهتش.. دي يلا دوبك بدأت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *