جوزي عمره 3
## الجزء الخامس: ثمن التوقيع
صوت القلم الجاف وهو بيتحرك على الورق كان هو الصوت الوحيد المسموع في الأوضة. أحمد كان بيمضي وإيده بتتفلت منه، كأنه بيوقع على قرار إعدامه. كل شرط من الشروط اللي حطيتها كانت بتسحب منه حتة من كبريائه القديم.
لما خلص، رمى القلم على الترابيزة وبصلي بعيون مليانة كره حقيقي مخلوط بقلة حيلة:
“مضيت.. مضيت على كل حاجة يا مريم. أظن كده ارتحتي؟ خربتي بيتي، وخدتي أرض أبويا، وذلتيني وسط أهلي وفي شغلي. المحامي بتاعك هيتنازل إمتى عشان أخرج من المستنقع ده؟”
أخدت الورق من المحامي بتاعي، الأستاذ رفعت، وبصيت فيه بتمعن عشان أتأكد إن الإمضاءات والثمات في مكانها الصح. طبقت الورق بحرص وحطيته في شنطتي، وقولتله وأنا ببتسم:
“الأستاذ رفعت هيقدم طلب التنازل للنيابة الصبح يا أحمد، وهتخرج.. بس متقولش خربتي بيتي، إنت اللي بيتك كان مبني على قش، وأول ريح طيرته.”
### حرية بطعم الرماد
تاني يوم العصر، أحمد خرج من القسم. مكنش معاه حد يستقبله غير والدته صوفيا هانم اللي كانت بتعيط وتندب حظها، وليلى اللي كانت واقفة بعيد وعينيها بتبص يمين وشمال كأنها خايفة حد من معارفها يشوفها في الموقف ده.
أحمد مكنش عنده مكان يروحه؛ الشقة اتفلتت وضاعت، والعربية اتحجز عليها، والفلوس الكاش اللي كانت معاه خلصت على المحامين ومصاريف الحجز. اضطر ياخد ليلى ووالدته ويروحوا يقعدوا في شقة قديمة تملكها والدته في منطقة عشوائية، شقة كانت مقفولة من سنين وفيها عفش متهالك ومترب.
البرنس اللي كان بيحب المظاهر والبرستيج، بقى عايش في أوضتين وصالة، وصوت خناقاته مع ليلى بقى مسمع الشارع كله. ليلى مكنتش مستعدة تستحمل الإهانة والفقر ده، وبدأت تزن عليه كل يوم عشان يطلقها، خصوصاً بعد ما عرفت إن أرض أبوه اللي كان ناوي يبيعها ويفتح بيها مشروع جديد.. بقت ملكي أنا.
### استثمار في الوجع
في نفس الأسبوع، كنت قاعدة مع مهندس ديكور في الأرض اللي اتنزلت عنها أحمد؛ أرض زراعية ممتازة على أطراف المحافظة، وفيها حتة مباني كبيرة. كنت بخطط إني أحول الأرض دي لمشروع “صوب زراعية ذكية” متطورة، بتدار بالكمبيوتر والبرمجة، وهو مجالي اللي كنت بكسب منه الـ 750 ألف جنيه اللي كانوا بيستهونوا بيهم.
المشروع ده مكنش مجرد بيزنس، كان إثبات لنفسي وللدنيا كلها إن الفلوس اللي كنت بعملها من وراه مكنتش عشان الميك أب والتسلية، دي كانت فكر وتخطيط لبكرة.
وأنا واقفة في الأرض، لقيت رسالة جاية على موبايلي من رقم أحمد الجديد:
“أنا خسرت شغلي في الشركة يا مريم.. صاحب الشغل عرف بقض..ية الشيكات والحبس وقالي إن سمعة الشركة متمشيش مع مهندس عليه أحكام قضائية.. أنتي دمرتي مستقبلي بالكامل.”
مسكت الموبايل، ومسحت الرسالة من غير ما أرد. اللي بيعمل جري..مة لازم يستحمل توابعها، وهو لما رماني في المستشفى كان بيدمر حياتي ومستقبلي وصحتي، ومفرقش معاه.
### اللعبة الكبيرة لسه بتبدأ
بعد مرور شهر، والوضع هدي ظاهرياً، كنت فاكرة إن أحمد استسلم للواقع وبدأ يدور على شغل جديد بمرتب صغير عشان يعيش. لكن الطماع عمره ما بيتوب، دايماً بيفكر في اللفة التانية.
في ليلة من الليالي، الساعة كانت 1:00 بعد نص الليل، جالي إيميل على حسابي الشغل الرسمي اللي بتعامل بيه مع الشركات الأجنبية.
الإيميل مكنش من شركة في كندا أو أمريكا.. الإيميل كان من شركة مصرية محلية للمقاولات والاستشارات الهندسية، ومكتوب في آخره:
> “تحية طيبة مدام مريم، يسعدنا التعاون معكم لتطوير النظام البرمجي لشركتنا الجديدة.. للعلم، المستشار الفني والمفوض بالتفاوض معنا هو البشمهندس أحمد…”
>
فتحت عيني على الآخر وأنا بقرأ الاسم. أحمد مأستسلمش، أحمد عرف يوصل للشركة اللي أنا بقدم ليها خدمات استشارية في مصر، ودخل شريك معاهم بخبرته القديمة، وكان باعت الإيميل ده عشان يجر رجلي لمواجهة جديدة.. بس المرة دي في ملعبي وعلى أرضي.
ابتسمت وقولت لنفسي: “لسه متعلمتش الدرس يا أحمد.. فاكر إنك لما تدخل معايا في بيزنس وشغل هتقدر تكشف حساباتي؟”
قفلت اللاب توب وأنا بجهز للرد اللي هيخليه يندم إنه فكر يظهر في حياتي تاني.. واللعبة لسه مخلصتش.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
## الجزء السادس: الفخ الأخير
بصيت للإيميل والضحكة رجعت لوشي تاني، بس المرة دي مكنتش ضحكة وجع ولا انكسار، كانت ضحكة صياد شاف صيده بيرمي نفسه في الشبكة برجليه. أحمد لسه عايش بوهم ذكائه، فاكر إن شغله الجديد كمستشار فني لشركة مقاولات كبيرة هيخليه يقف قصادي ند لند، أو يمكن فاكر إنه بكده بيلعب في ملعبي وهيجبرني أتعامل معاه.
رديت على الإيميل برسمية شديدة، ووافقت على تحديد معاد للمقابلة في مقر الشركة الأسبوع اللي بعده، وطلبت إن المستشار الفني يكون حاضر عشان نناقش التفاصيل التقنية للنظام البرمجي اللي عايزين يطوروه.
### المواجهة في برج العاج
يوم الاجتماع، دخلت مقر شركة المقاولات الكبيرة في التجمع الخامس. كنت لابسة بدلة رسمية أنيقة، وبكل ثقة دخلت أوضة الاجتماعات الرئيسية.
أحمد كان قاعد، لابس بدلة جديدة شاريها بالقسط غالباً عشان يداري كسرته، وأول ما دخلت عينيه برقت بلمعة تحدي قديمة، كأنه بيقولي: “أهو أنا وقفت على رجلي تاني ومحتاجلك في الشغل.”
رئيس مجلس إدارة الشركة، الحاج رفعت، رحب بيا جداً:
“أهلاً يا بشمهندسة مريم، البشمهندس أحمد شكر في شغلك جداً وقالي إنك عبقرية في تطوير الأنظمة الأمنية والمحاسبية للشركات، وإحنا محتاجين السيستم ده يربط فروعنا كلها ببعض.”
ابتسمت وبصيت لأحمد اللي كان بيبتسم بثقة صفرا وقولت:
“أهلاً بحضرتك يا فندم. طبعاً البشمهندس أحمد عارف شغلي كويس، وعارف إني مبسبش ثغرة واحدة في أي نظام بعمله.”
بدأنا الاجتماع، وأحمد حاول يستعرض عضلاته التقنية ويسأل أسئلة معقدة عشان يربكني قدام رئيس الشركة، ميعرفش إن الـ 750 ألف جنيه اللي كنت بعملهم في السنة مكنوش بييجوا من فراغ، أنا كنت بدرس السوق العالمي وبطور من نفسي كل يوم وهو نايم في العسل. رديت على كل أسئلته بمنتهى الاحترافية لدرجة إن الحاج رفعت بقى يبصلي بإعجاب شديد ويبص لأحمد بنظرة رضا.
### كشف المستور
قبل ما الاجتماع يخلص، وأحمد فاكر إنه نجح في جرجرتي لعقد الشغل اللي هيخليني مجبرة أشوفه وأتعامل معاه شهور، طلعت فلاشة من شنطتي وحطيتها قدام رئيس الشركة.
“إيه دي يا بشمهندسة؟” الحاج رفعت سأل باستغراب.
بصيت لأحمد اللي ملامحه بدأت تتغير وقبل ما يتكلم قولت:
“دي دراسة وافية للنظام المحاسبي القديم بتاع شركتكم يا فندم. أنا قبل ما باجي أي شركة، بعمل عليها تحريات تقنية كاملة. وللأسف، لقيت إن فيه تسريب بيانات مالي خطير بيحصل من أسبوعين بالظبط.. من ساعه ما البشمهندس أحمد استلم منصب المستشار الفني هنا. فيه أرقام مناقصات وعقود بتتسرب لشركة منافسة.”
أحمد وقف من طوله، وشه بقى أبيض زي الورقة وزعق:
“أنتي بتقولي إيه؟ دي بتتبلى عليا يا فندم! دي طليقتي وبتقول كده عشان تنتقم مني بسبب خلافات شخصية!”
الحاج رفعت بص لأحمد بنظرة مرعبة وقال بصوت جهوري:
“اقعد يا أحمد! سيبها تكمل.”
كملت بمنتهى البرود:
“السيستم القديم بتاعكم ضعيف يا فندم، وأحمد استغل ده ودخل بحسابه وسرب الداتا. اللي ميعرفهوش البشمهندس، إن السيرفر اللي شركتكم المستضيفة عليه الداتا بتاعتها يملكها المستثمر الكندي اللي أنا بشتغل معاه كمديرة تقنية لشرق الأعماق، يعني أي حركة بتتعمل على السيرفر ده بتجيلي بيها تقارير يومية بالثانية والاسم والـ IP.”
### السقوط المزدوج
أحمد انهار تماماً، سقط على الكرسي وهو بيلهث ومش قادر ينطق كلمة. الطمع عماه تاني، وخلّاه يحاول يبيع أسرار الشركة الجديدة عشان يعمل قرشين سريعين يعوض بيهم أرض أبوه والشقة اللي ضاعت منه.
الحاج رفعت ضغط على زرار الإنتركوم وقال بصوت حاد:
“اطلبلي أمن الشركة.. ويطلبوا النجدة حالاً. البشمهندس أحمد متلبس بخيانة الأمانة وسرقة أسرار تجارية.”
بصيت لأحمد وأنا بلم حاجتي بهدوء، قربت منه وهمست في ودنه بنفس النبرة اللي همسلي بيها في المستشفى:
“فاكر لما قولتلي إني غلبانة ومش هقدر أدفع أتعاب محامي؟ أهو أنا دلوقتي بدفع مرتبات ناس تقفل الشركات اللي بتفكر تشغلك. إنت مش هتدخل السجن في قض…ية شيكات وبس يا أحمد.. إنت داخل في قض..ية جنائية وتجسس شركات، والمرة دي مفيش أرض أبوك عشان تتنازل عنها وتنقذك.”
سبت الأوضة وخرجت وصوت صراخ أحمد وهو بيتوسل للحاج رفعت مالي الممر. خرجت لبرج التجمع الفاخر، ركبت عربيتي، وكنت عارفة إن الفصل الأخير من الرواية دي مابقاش بايد مريم.. بقى بإيد الحبس اللي مستنيه لسنين طويلة.
طلعت تليفوني، لقيت رسالة من ليلى بتقولي فيها: “أنا رفعت قض..ية خلع على أحمد.. أرجوكي ارحميني ومتأذينيش معاه.”
ابتسمت، اللعبة خلاص بتلف لفاتها الأخيرة، والست اللي سكتت زمان، قفلت الحساب بالمليم.
## الجزء السابع والأخير: الحصاد المر
سكون تام غطى المكان بعد العاصفة. تليفوني مابقاش يرن بالليل، مابقاش فيه نبرة الخوف المبحوحة بتاعة أحمد، ولا صراخ ليلى الهستيري. كل شيء رجع لمكانه الطبيعي، والستارة بدأت تنزل على أغرب مسرحية عشتها في حياتي، مسرحية بدأت بدموع في أوضة مستشفى، وانتهت بانتصار كامل خلف جدران المحاكم.
بعد تلات شهور من واقعة شركة المقاولات، صدر الحكم النهائي ضد أحمد. القاضي من فوق منصته نطق بالحكم: “السجن المشدد لمدة خمس سنوات وغرامة مالية تعويضية للشركة بتهمة خيانة الأمانة وسرقة الأسرار التجارية، بالإضافة إلى حكم الحبس القائم في قض..ية الشيكات.”
### المشهد الأخير: الركام
في يوم النطق بالحكم، كنت واقفة في آخر القاعة. لمحت صوفيا هانم وهي بتلطم على وشها، وحواليها كام واحد من بقايا قرايبهم اللي جم يتفرجوا على نهاية “البرنس” اللي رفع راسهم يوم وفضحهم العمر كله.
أحمد وهو خارج بالكلابشات في إيده، لابس لبس السجن الأزرق، عينه جت في عيني. مكنش في عينه غل المرة دي.. كان فيها فراغ تام، نظرة استسلام لشخص أدرك أخيرًا إنه كان بيلعب مع الشخص الغلط، وإنه خسر كل حاجة: شقته، عربيته، أرض أبوه، مهنته، وكرامته.
أما ليلى، فمستنتش كتير؛ حكم الخلع صدر لصالحها بعد ما ثبتت إدانته ودخوله السجن، وخرجت من حياته زي ما دخلتها.. عشان مصلحة، ولما المصلحة غارت، غارت هي كمان معاها.
### بناء الحياة من جديد
رجعت لشقتي اللي بتطل على النيل، فتحت اللاب توب بتاعي، وبصيت على حساباتي البنكية. الـ 750 ألف جنيه في السنة بقوا أكتر بكتير بعد ما مشروعي الجديد بتاع الصوب الزراعية بدأ يطرح إنتاج، وبقيت بشتغل وأنا بالي رايق، مفيش حد بيحبطني، ولا حد بيبص في لقمة عيشي ويقولي “ده تمن ميك أب”.
قعدت في البلكونة، شربت قهوتي، وبصيت للسما وأنا بحمد ربنا، مش على الفلوس ولا على الانتقام، لكن على “البصيرة” اللي كشفتلي الحقيقة في الوقت المناسب، وعلى القوة اللي خلتني مقعش وأنا في عز ضعفي.
### حكمة الحكاية: درس الغلابة
من وسط الرماد والوجع اللي عشته، خرجت بحقائق حابة أكتبها لكل ست وكل راجل بيقرأ قصتي دي، ودي الحكمة اللي طلعت بيها من الرحلة:
* **الست الساكتة مش هبلة:** أكبر غلطة بيقع فيها الراجل الطماع هو إنه يترجم هدوء مراته وسلامها النفسي على إنه غباء وقلة حيلة. الست بتستحمل وتعدي عشان تشتري خاطر البيت، بس لما بتقرر تبيع.. بتبيع بالخسارة اللي تكسر ضهر اللي قدامها.
* **الاستقلال المادي هو السل..اح الحقيقي:** لولا شغلي الأونلاين، ولولا القرش اللي شيلته بذكاء وعرق جبين بعيد عن عين طمع أحمد، كنت زماني دلوقتي مطلقة ومطردة في الشوارع بدموعي، ومكسورة قدام نفوذه الوهمي. فلوسك هي حمايتك بعد ربنا.
* **ماتفرطيش في كرامتك في أول العلاقات:** أحمد بدأ يظهر طمعه وجبروته من أول يوم لما كان بيستقل بشغلي وبيهزأ من طموحي، وأنا كنت بعدي بحجة “المركب تمشي”. المركب اللي بتمشي على حساب كرامتك، الغرق ليها أرحم.
* **العدالة الإلهية بطيئة لكنها حاسمة:** اللي رماني بهدوم المستشفى وخلع، دارت الأيام ودخل السجن بهدوم السجن وخلع منه كل اللي اشتراهم بفلوسه وبمظاهره. الجزاء دايماً بييجي من جنس العمل.
قفلت صفحة أحمد بالكامل، غيرت أرقام تليفوناتي، وفتحت صفحة جديدة بيضاء تماماً، معنديش فيها مكان غير لنجاحي، لسلامي النفسي، ولنفسي اللي ظلمتها كتير لما افتكرت في يوم من الأيام إن أحمد كان يستاهل التضحية. الغلبانة قشّت التربيزة.. ومشيت وبصتها لفوق.
