دخلت في علاقة ٣

خالد شايل التليفون في إيده والإسبيركر شغال، وصوت “مستر هانز” المكسر طالع منه زي فحيح الأفاعي: “مدحت.. أين أنت؟ هل الطفل معك؟”

خالد كتم المايك بإيده وبص للضابط اللي كان لسه واقف بيقفل المحضر، الضابط شاور له بسرعة بمعنى: “خليه يجاري الكلام.. عاوزين نعرف مكانهم.”

خالد شال إيده من على المايك وغير نبرة صوته، وبكل هدوء وثبات اتكلم بالإنجليزية: “مدحت مش متاح حالياً.. أنا المساعد بتاعه. مدحت في الطريق للمطار مع الطفل، بس فيه مشكلة في الإجراءات والدكتور شريف اضطر يقفل تليفونه عشان الشبهات.”

الطرف التاني سكت لثواني، ثواني مرّت علينا كأنها دهر.. ضربات قلبي أنا وسارة كانت مسموعة في الصالة. بعدين “مستر هانز” اتكلم بنبرة حادة وفيها قلق: “أي إجراءات؟ الأوراق جاهزة من طرف شريف.. السيارة السوداء (مرسيدس) منتظرة أمام صالة 3، السائق معه الأوراق النهائية.. لا تتأخروا، الطائرة الخاصة ستقلع خلال ساعتين.”

الخط قطع..

خالد بص للضابط وقال له: “صالة 3.. طيارة خاصة.. وعربية مرسيدس سوداء مستنية.”

الضابط رفع جهازه اللاسلكي فوراً وبدأ يدي تعليمات مشددة لقوات الأمن في مطار القاهرة الدولي للتحفظ على العربية والسائق وتأخير إقلاع الطائرة الخاصة تحت أي بند.

سارة قامت وقفت، دموعها كانت نشفت وحل مكانها نظرة قوة غريبة: “أنا هاجي معاكم المطار.. لازم أشوف الشبكة دي وهي بتقع، ولازم أتأكد إن مفيش أي خطر تاني على مروان.”

أنا مسكت إيد سارة: “سارة.. خليكي هنا معايا.. أنا خايفة.”

سارة بصت لي بحنان وطبطبت على إيدي: “منى، مدحت اتقبض عليه، والدكتور شريف في النيابة، ودلوقتي بنقفل الباب الأخير اللي كان ممكن يهدد حياة ابنك.. أنا معاكي ومش هسيبك، بس لازم ننهي الكابوس ده تماماً.”

خالد والضابط نزلوا بسرعة البرق على المطار، وسارة فضلت معايا في الشقة.. قعدنا جنب سرير مروان، اللي كان نايم وصوابعه الصغننة متبتة في اللعبة الجديدة اللي سارة جابتها له. كنا باصين له وإحنا مش مصدقين إن الملاك الصغير ده كان محور مؤامرة دولية قذرة بالشكل ده.. وبسبب إيه؟ بسبب جشع وطمع بني آدم مجرد من الإنسانية.

مرت ساعتين كاملين من القلق والتوتر، لغاية ما تليفون سارة رن.. كان خالد.

سارة فتحت الخط بسرعة: “إيه يا خالد؟ طمّني!”

صوت خالد جاء من الطرف التاني وفيه نبرة انتصار قوية: “قبضنا عليهم يا سارة.. السائق اعترف، و’مستر هانز’ اتقبض عليه جوة صالة كبار الزوار قبل ما يطلع الطائرة.. طلعوا شبكة منظمة لتجارة الأعضاء وتهريب الأطفال تحت غطاء رعاية ذوي الهمم، ومدحت كان العميل المحلي بتاعهم في مصر بقاله فترة.. القضية كبرت وبقت قضية رأي عام دولي.”

سارة اتنفست الصعداء وبصت لي وهي بتبتسم ودموعها نازلة: “الحمد لله يا رب.. الحمد لله.”

خالد كمل كلامه: “بس فيه حاجة تانية يا سارة.. النيابة وهي بتفتش مكتب الدكتور شريف بعد اعترافه، لقوا لابتوب مخفي.. عليه ملفات وتقارير طبية تانية خالص.. ملفات بتخصك أنتِ يا سارة!”

سارة تليفونها كاد يقع من إيدها، ووشها رجع يفر من الدم تاني: “ملفات بتخصني أنا؟ إزاي؟”

خالد قال بصوت واطي ومكسور: “التقرير بيقول إن الإجهاض اللي حصلك من 3 سنين مكنش طبيعي يا سارة.. مدحت وشريف هما اللي رتبوا له.. مدحت كان بيديكي أدوية معينة في العصير من غير ما تعرفي عشان يسقطك.. عشان مكنش عاوز يخلف منك أطفال شرعيين يشاركونه في ثروته اللي بيجمعها من الحرام!”

سارة صرخت صرخة مكتومة وهوت على الأرض وهي ماسكة دماغها مش قادرة تستوعب حجم الخسة والندالة.. الوجع اللي عاشت فيه 3 سنين، والذنب اللي كانت حاسة بيه إنها مش عارفة تعوض جوزها، طلع هو اللي عامله بإيده!

رحت عليها وأنا بضمها وببكي معاها.. الكابوس مكنش مجرد كابوس لمنى، ده كان فخ منصوب لينا احنا الاتنين من سنين.

وفي وسط دموعنا وصدمتنا.. الباب الخبط تاني.. بس الخبط المرة دي مكنش خبط شرطة ولا خبط مدحت.. كان خبط هادي ومنتظم..

قمت فتحت الباب وأنا بمسح دموعي.. لقيت واقف قدامي راجل عجوز، ملامحه طيبة جداً وفي إيده شنطة سفر قديمة.. بص لي وقال بصوت مرتعش:

“أنتِ منى؟ أنا وائل.. والد مدحت.. وجاي عشان أنقذ ابن ابني.” تابعو صفحه رومانى مكرم ليصلكم القصص الكامله

الراجل العجوز كان واقف قدام الباب وجسمه كله بيترعش، ملامحه كانت شايلة طيبة وانكسار في نفس الوقت، وعينيه مليانة دموع محبوسة. أنا وسارة بصينا لبعض بصدمة.. والد مدحت؟ اللي مدحت قال إنه عايش في طنطا ومقاطع عيلته من سنين؟

وسعت له الباب وأنا مش مستوعبة: “حاج وائل؟ اتفضل.. ادخل.”

دخل بخطوات تقيلة، ساند على عصايته وباصص في الأرض بكسرة تكسر القلب. حط الشنطة القديمة على التربيزة وقعد على أول كرسي قابله كأنه مش قادر يشيل طوله. بص لسارة وعرفها علطول: “أهلاً يا بنتي يا سارة.. أنا عارفك من صورك اللي مدحت كان بيوريها لوالدته الله يرحمها من بعيد لبعيد.. أنا آسف.. آسف على كل اللي ابني عمله فيكم.”

سارة مسحت دموعها وقربت منه وصوتها مخنوق: “حاج وائل.. مدحت قال لنا إنك مريض ومبتخرجش من طنطا، وإن علاقتكم مقطوعة.. إنت عرفت طريقنا منين؟ وجاي تنقذ مروان من إيه؟ مدحت خلاص اتقبض عليه والشبكة كلها وقعت!”

الراجل العجوز هز راسه بأسى وطلع من جيبه نوتة صغيرة قديمة: “مدحت مكنش مقاطعني يا سارة.. مدحت كان حابسني.. كان مفهم الناس إني عيان في طنطا، لكن هو كان حاططني في دار رعاية خاصة برة القاهرة، وتحت حراسة كمان، عشان مظهرش في حياته وأكشف حقيقته قدامك وقدام عيلتك الغنية.. وأنا منه لله، لولا إن الممرض اللي بيراعيني ابن حلال وشاف الأخبار اللي نزلت من ساعة عن قبض مدحت في التليفزيون، وهربني وجابني لغاية هنا.. مكنتش هعرف أوصلكم.”

بصيت له بذهول: “حقيقته إيه يا حاج؟”

الراجل بص للشنطة القديمة وفتحها، وطلع منها ألبوم صور قديم وشوية ورق أصفر مأكل عليه الزمن: “مدحت مش مهندس يا بنتي.. ولا خريج الجامعة اللي قال لكم عليها.. مدحت من 12 سنة كان شغال ممرض في مستشفى استثماري كبير، وهناك اتعرف على الدكتور شريف ابن خالته، وبدأوا يتعلموا تجارة السمسرة في الأعضاء والأطفال.. مدحت زور شهادته وعمل لنفسه تاريخ مزيف بمساعدة ناس كبار، ودخل شركتكم عشان يغطّي على مصايبه.”

دموع الحاج وائل نزلت وهو بيبص لي: “يا منى يا بنتي.. مدحت مكنش مستني مروان عشان يبيعه وبس.. المصيبة الكبيرة إن مدحت ملوش أي حق شرعي في الولد ده.. ولا حتى يقدر يسجله باسمه لو عاش عمره كله!”

جف ريقي تماماً، وبصيت لمروان اللي كان نايم جوة، وسألته برعب: “يعني إيه ملوش حق شرعي؟ ده ابنه! التحاليل والدم..”

الحاج وائل قاطعني وهو بيطلع شهادة طبية رسمية ومختومة من مستشفى حكومي بتاريخ قديم: “مدحت عقيم يا بنتي.. مدحت مبيخلفش من يوم ما اتولد، وعنده عقم كامل ومستحيل الشفاء منه.. وده السبب الحقيقي اللي خلاه يسقط سارة من 3 سنين لما عرف إنها حامل!”

سارة برقت عينيها وقامت وقفت كأن كهربا لمستها: “عقيم؟! طب وأنا؟ أنا سقطت إزاي؟ والجنين اللي نزل مني ده كان إيه؟”

الحاج وائل بص لسارة بكسرة وقال: “الجنين اللي نزل منك مكنش ابن مدحت يا سارة.. إنتِ لما حملتي من 3 سنين، مدحت اتجنن وعرف إنك خونتيه.. بس بدل ما يواجهك ويطلقك، خاف إنك تطلبي حقوقك وتكشفي حساباته، فقرر يسقطك بالسم في العصير ويقضي على الجنين، وفهمك إنه زعلان عشان يفضل مسيطر عليكي وعلى فلوسك!”

سارة حطت إيدها على بوقها وهي مش قادرة تتنفس، وبدأت تصرخ بهستيريا: “أنا مخنتوش! أنا عمري ما لمست راجل غيره! أنا كنت حامل منه هو!! ده كداب.. الورق ده مزور!”

وسط صراخ سارة وهستيريتها، أنا وقفت مكاني كأن تلج اتصب في دمي.. وبصيت للحاج وائل وسألته بصوت زي الهمس: “إذا كان مدحت عقيم ومبيخلفش.. ومبيجيبش أطفال.. يبقى مروان اللي جوة ده.. ابن مين؟!”

الحاج وائل بص لي وعينيه مليانة رعب حقيقي، وشاور على الورقة الأخيرة في الشنطة: “الدكتور شريف ومدحت عملوا لك عملية حقن مجهري في العيادة تحت غطاء ‘علاج التهابات’ وأنتِ مش دريانة في أول الجواز.. مروان ده.. بويضة منك إنتِ يا منى.. بس الحيوانات المنوية مش بتاعة مدحت.. دي بتاعة راجل تاني خالص.. راجل ألماني من الشبكة الدولية، هما اللي هندسوا الحمل ده جوة جسمك عشان ينتجوا طفل بمواصفات معينة مطلوبة برة!”

في اللحظة دي.. مروان بدأ يصرخ جوة الأوضة بعياط عالي ومرعب كأنه سامعنا.. وباب الشقة الخارجي خبط تاني.. بس المرة دي، كانت خبطة عنيفة جداً وكأن الباب بيتكسر!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *