ورثت 1

روماني مكرم

ورثت عشرين مليون جنيه قبل معاد ولادتي بـ٣ شهور… وماقولتش لجوزي.

مش عشان كنت بخبي سر، ولا عشان كنت ناوية أوقعه. الفلوس كانت جاية من ورث سابهولي جدي الله يرحمه، والمحامي قالي أستنى شوية لحد ما الورق يخلص رسمي والضرائب تتظبط. وقتها كنت حامل وتعبانة، وبحاول أرقّع جوازتي اللي كانت بتتفك من كل ناحية، بينما كريم عامل نفسه مش شايف أي حاجة.

كريم كان “مضغوط” بقاله شهور… ده التعبير اللي كان بيستخدمه لكل حاجة.

لما بطل يرجع البيت يتغدى.

لما بقى يقفل موبايله ويقلبه على وشه.

لما بقى يتنهد أول ما أقول عندي كشف دكتور النسا كأني بطلب منه يطلع جبل.

التوتر بقى شماعته… لعصبيته، لبروده، للطريقة اللي بقى بيتكلم بيها عن حملي كأنه مصيبة نزلت فوق دماغه.

في الليلة دي، الطلق كان بدأ فعلًا.

مش منتظم أوي… بس قوي كفاية يخليني أقف في نص الكلام وأمسك طرف الترابيزة من الوجع.

كريم حتى ماسألنيش أنا كويسة ولا لأ.

ماقامش من على الكنبة أصلًا.

بصلي بضيق… كأني زن على دماغه.

قال ببرود: — ماتبدئيش بقى… عندي مكالمة شغل بعد ساعة.

همست وأنا بحاول أتنفس مع وجعة جديدة شدت بطني: — حاسة إن الولادة قربت…

ضحك بسخرية وقال: — طبعًا… لازم كل حاجة تبقى حواليكي إنتِ.

قلتله إن الدكتور قالي أروح المستشفى بدري عشان الضغط عالي، وإني خايفة.

فجأة قام بعنف لدرجة إن الترابيزة اتهزت.

وشه كان متغير… كأنه مستني اللحظة دي من زمان.

بصلي وقال بكل قسوة: — إنتِ حمل تقيل… فاهمة؟ حمل تقيل على قلبي وعمري. أنا خلاص مش قادر أشيلك.

بعدها راح للدولاب، شد شنطة هدومي ورماها عند رجلي كأني كيس زبالة.

وقال: — اطلعي بره… روحي اعملي فيلمك في أي حتة تانية.

لحد النهارده فاكرة الجملة دي… “في أي حتة تانية”.

كأني مشكلة ينفع يحدفها برا البيت وخلاص.

إيدي كانت بتترعش وأنا بقفل الشنطة.

اضطريت أقعد على طرف السرير لما وجعة قوية كسرتني نصين.

كريم كان واقف بيتفرج عليا وأنا بتلوى… وما اتحركش خطوة.

كلمت جارتي أم محمد بإيد واحدة، والإيد التانية على بطني.

جريت عليا وهي لابسة إسدال البيت والشبشب، وعينيها مليانة صدمة أول ما شافت حالتي.

كريم حتى ماوصلناش للباب.

وقف متسند على الحيطة وقال بكسل: — وما ترجعيش.

الطريق للمستشفى كان طويل بشكل مرعب.

أم محمد كانت ماسكة كتفي وبتقول: — إنتِ قوية يا بنتي… والرجالة اللي زيه ما يستاهلوش النفس اللي بيتنفسوه.

دخلت أوضة الولادة بعد نص الليل بشوية.

الصبح جه… والممرضات رايحة جاية، وجسمي بيحارب الوجع، وموبايلي ساكت… لا رسالة ولا حتى اتصال.

وفي تاني يوم… باب أوضة المستشفى اتفتح.

ودخل كريم.

بس ماكانش لوحده.

دخلت وراه واحدة متشيكة أوي، لابسة دبلة جديدة بتلمع، ورافعه راسها لفوق وهي باصالي من فوق لتحت كأني حاجة معروضة.

ابتسمت ابتسامة باردة مالهاش روح.

قالت بهدوء: — صباح الخير.

#الكاتب_رومانى_مكرم

وبعدين بصت لكريم، كأنها مستنية يشوف المصيبة اللي دخل نفسه فيها.

بعدها لفت للممرضة اللي واقفة جنبي وقالت بكل ثقة:

— دي المديرة التنفيذية بتاعتي.

كريم رجع لورا واتلخبط في وقفته.

ولأول مرة طول جوازنا كله… بصلي كأنه شاف عفريت.

الست دي ما لفتش للممرضة عشان تتكلم عنها هي، الست دي كانت واقفة وراها المحامية بتاعتي، الأستاذة فريدة، اللي كلمتها وأنا في العربية مع أم محمد بين كل وجعة طلق والتانية. المحامية اللي
كنت اتفقت معاها تخلص إجراءات الورث، والست الشيك اللي دخلت دي ما كانتش غير صاحبة شركة الاستثمار العقاري اللي اشتريت منها نص أسهم المستشفى اللي أنا والدة فيها حالا… بفلوس جدي.

كريم كان واقف مذهول، عينيه بتتحرك بيني وبين فريدة، وبين لبسها الغالي والملف اللي شايلاه في إيدها. الست اللي دخلت مع فريدة بصت لكريم بقرف وقالت لفريدة: “هو ده بقى اللي رمى مراته وهي بتولد؟ خسارة فيه حتى الهدوم اللي لابسها”.

كريم بلع ريقه، حاول يستجمع ثقته المزيفة وقال بصوت مرعوش:

— إيه التهريج ده؟ ومين الستات دي؟ وأنتِ إزاي تقعدي في أوضة (VIP) زي دي؟ أنتِ جايبة الفلوس دي منين؟

ضحكت ضحكة وجع ممزوجة بقوة عمري ما حسيت بيها قبل كده، وبصيت للممرضة وقلت لها بهدوء: “خدي البيبي يا حبيبتي وديه الحضانة، مش عايزة عينه تلمح أشكال زي دي في أول أيامه”.

الممرضة خدت ابني وخرجت، وفريدة قربت من السرير، فتحت الشنطة الجلد الفخمة بتاعتها، وطلعت منها دفتر شيكات وقلم ماركة غالية، وحطتهم قدامي.

بصيت لكريم وقلت له:

— الفلوس اللي بتسأل عنها دي فلوس جدي، عشرين مليون جنيه، بقوا في حسابي رسمي من تلات أيام. المستشفى اللي أنت واقف فيها دي، أنا بقيت شريكة في الإدارة بتاعتها من النهاردة الصبح، يعني بالبلدي كده، لو شاورت للأمن يرموك بره على رصيف الشارع، هيعملوها وهم بيضحكوا.

كريم وشه اتقلب ألوان، ملامحه اللي كانت كلها قسوة وبرود، فجأة اتحولت لعلامات رعب وندم مرير. حاول يقرب خطوة من السرير، وصوته نزل لدرجة الرجاء:

— عشرين مليون؟ يا حبيبتي… أنتِ ليه ما قلتليش؟ أنا كنت مضغوط، والله الشيطان شاطر، والشركات مديونالي وأنا كنت هفلس… أنا بحبك يا هبة، وما كنتش أصدق إنك تخبي عليا حاجة زي دي!

فريدة المحامية وقفت في وشه بحسم، وطلعت ورقة تانية من ملفها وقالت له بصوت هز الأوضة:

— لولا إنها لسه والدة وتعبانة، كنت سبتها تتفرج عليك وأنت بتبوس جزمتها عشان ترضى عنك. أمضي هنا يا كريم.

كريم بص للورقة وركبته خبطت في بعضها:

— إيه ده؟

فريدة ردت بثقة:

— ده إقرار طلاق للضرر، وتنازل كامل عن أي ولاية تعليمية أو قانونية للطفل، مع دفع مؤخر الصداق والنفقة اللي هحددها أنا حالا في الشيك ده، وإلا وقسماً بالله برنت المكالمات وبلاغ جارتك أم محمد بشهادتها إنك رميت واحدة في حالة وضع في الشارع، هيخلوك تبات في الحجز من النجمة بتهمة تعريض حياة أم وجنينها للخطر.

كريم بصلي وعينيه مليانة دموع مزيفة، دموع على الفلوس والفرصة اللي ضاعت من إيده، مش عليا ولا على ابنه. لسه هيفتح بقه يتكلم ويتحايل، الباب اتفتح ودخل اتنين من أفراد أمن المستشفى وجسمهم ضخم، ووقفوا ورا كريم بالظبط.

فريدة شاورت له على الورقة وقالت:

— اخلص… القلم في إيدك، والرجالة مستنيين يفسحوك بره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *