جوزي عمره 2
## الجزء الثالث: رقصة المذبوح
الليل مابقاش يمر عليا تقيل زي زمان؛ بالعكس، بقى يمر هادي وناعم وأنا بتابع من بعيد إزاي حصون أحمد اللي بناها على حساب كرامتي وصحتي عمالة تنهار حجر ورا حجر.
تاني يوم الصبح، الساعة كانت 9:00 بالتمام، تليفوني رن. المرة دي مكنش أحمد، كان المحامي بتاعي، الأستاذ رفعت. صوته كان فيه نبرة انتصار هادية تليق بمحامي مخضرم:
“مبروك يا مدام مريم، قوة تنفيذ الأحكام ومعاهم محضر المحكمة واقفين دلوقتي تحت البرج، ومعاهم أمر طرد صريح للحرس والساكنين، والحجز على المنقولات تم بناءً على صيغة الشيكات التنفيذية. البشمهندس أحمد واقف في الشارع بالترينج وبيحاول يكلم أي حد يلحقه، والعروسة الجديدة نازلة بشنطة هدمها وبتصوت.”
أخدت نفس طويل، وقولتله:
“تابع التنفيذ يا أستاذ رفعت، ومش عايزة أي تهاون أو تأجيل تحت أي مسمى. اللي يرمي ست في المستشفى وهي بين الحياة والموت عشان يوفر تمن سرير، م يستحقش حتى نظرة عطف.”
### الانكسار خلف الأبواب المغلقة
على العصر، لقيت رقم غريب بيرن عليا. رديت وأنا عارفة كويس مين اللي هيكون ورا الرقم ده بعد ما عملت بلوك لأحمد وليلى من كل حتة.
كان صوت والدة أحمد، حماتي السابقة. الست اللي كانت دايماً تبصلي من فوق لتحت وكأني حتة دبلة صفيح في إيد ابنها الصائغ. صوفيا هانم، اللي كانت بتعايرني إني “قاعدة في البيت ومابتجيبلش قرش ينفعه”.
صوتها كان مكسور، مفيش فيه النبرة الحادة بتاعة زمان:
“كده يا مريم؟ ده العيش والملح؟ يرضيكي ابن طنطك صوفيا يتبهدل في الشوارع والناس تتفرج عليه؟ إحنا غلطنا يا بنتي، وأحمد طاش وراه واحدة خطفته مننا ومنك، بس مش لدرجة تخربوا بيوت بعض وتفضحونا في الحتة!”
ضحكت بسخرية مكنتش قادرة أداريها:
“طنط صوفيا.. أهلاً بحضرتك. العيش والملح ده أحمد رماه في باسكت الزبالة بتاع المستشفى وهو بيرميلي ورقة الطلاق وأنا لسه متبنجة. وأحمد مطاش لوحده، أحمد كان مرتب ومخطط وراسم بالمسطرة، بس خانته الحسبة. أما بخصوص الفضيحة.. فابنك هو اللي اختار يفرش فرحه الأسطوري في المنطقة بعد أسبوعين من طلاقي عشان يكسرني، فميزعلش بقا لما الناس تتفرج على باقي المسرحية.”
قفلت السكة في وشها قبل ما تسمع مني كلمة زيادة. القوة اللي في صوتهما دلوقتي مش جاية من فراغ، جاية من 750 ألف جنيه كنت بكسبهم بعرقي وفكري، من حقي اللي ربنا ادهوني لما وثقت في نفسي ومستسلمتش لجرعات الإحباط اللي كانوا بيدوهالي كل يوم.
### المحاولة الأخيرة.. اللعب على الوتر المقطوع
بعد يومين، كنت قاعدة في كافيه هادي بخلص شغل لشركة برمجيات في كندا. الشغل أونلاين اللي كان أحمد بيسميه “تسلية ومكياج” كان هو الطائرة الخاصة اللي نقلتني لعالم تاني ميعرفش عنه حاجة.
وفجأة، لقيت أحمد واقف قدام تربيزتي.
وشه كان دبلان، ودقنه نبتت بشكل عشوائي، وعينيه فيها كمية غل وخوف غريبة. مكنش معاه ليلى. قعد على الكرسي اللي قدامي من غير ما يستأذن، وبص للابتوب بتاعي، وبعدين بص في عيني.
“أنتي بقيتي قاسية كده إزاي؟” قالها بصوت مخنوق.
قفلت اللاب توب بهدوء، وسندت ضهري لورا:
“القسوة دي بضاعتك وردت إليك يا أحمد. إنت جاي هنا ليه؟ المحامي بتاعي قال إنك رفضت تمضي على محاضر الاستلام وعامل شوشرة.”
سند راسه بين إيديه وقال بنبرة رجاء مقززة:
“مريم.. أنا خسرت كل حاجة. ليلى سابتني ورجعت بيت أهلها لما عرفت إن الشقة والعربية راحوا، وقالتلي إنها متجوزتنيش عشان تقعد معايا في شقة إيجار قانون جديد. الشغل بتاعي بدأ يتأثر بسبب القضايا والحجز.. أنا بضيع. أنا مستعد أرجعلك، ونبدأ من جديد، واكتبي كل حاجة باسمك، بس سيبلي الشقة والعربية نمشي بيهم حالنا دلوقتي.. أنا عرفت قيمتك والله.”
### الضربة القاضية
بصيتله وأنا حاسة بنفور تام، مكنش فيه حتى ذرة تشفي، كان مجرد إحساس بالنظافة بعد ما بتخلص من حاجة ملوثة.
قربت منه وقولتله بثبات:
“ترجعلي؟ إنت فاكر نفسك جائزة يا أحمد؟ إنت كنت حمل تقيل وانزاح من على صدري. إنت مكنتش شايفني أصلاً، كنت شايف ست غلبانة هتاخد منها كل حاجة وتدير ليها ضهرك. ودلوقتي جاي عشان الفلوس.. عشان الـ 750 ألف جنيه اللي عرفت إنهم في حسابي.”
وقفت، لميت حاجتي في الشنطة، وبصيتله النظرة الأخيرة:
“قض..ية التبديد شغالة، وخلال أسبوع لو مدفعتش الاتنين مليون جنيه تمن الشيكات اللي إنت ماضيها، هيكون مكانك ورا القضبان. الشقة والعربية مش بتوعك ولا هيجوا ناحيتك تاني. قدامك حل واحد.. تبيع أرض أبوك اللي في البلد وتسدد ديونك، وتطلع من حياتي نهائي.. لأن اللعبة لسه في أولها، وأنا نفسي طويل أوي يا باشمهندس.”
سبته وقومت، وأنا سامعة صوت أنفاسه السريعة وضياعه ورايا في الكافيه.. مكنتش لسه خلصت، مريم القديمة ماتت في أوضة المستشفى، ومريم الجديدة لسه عندها ورق كتير هتلعبه على التربيزة.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
## الجزء الرابع: حافة الهاوية
خرجت من الكافيه والجرأة مغطياني من ساسي لراسي. ركبت عربيتي الجديدة اللي اشتريتها بكاش خالص من حسابي الخاص، مكنش فارق معايا أحمد هيروح فين ولا هيعمل إيه، بس كنت عارفة إن زي ما الوجع بياخد وقته عشان يخف، الانتقام القانوني برضه لازم ياخد وقته عشان يستوي على نار هادية.
مرت تلات أيام، وكان أحمد زي المجنون بيلف على طوب الأرض عشان يلاقي مخرج. المحامي بتاعي كلمني وقالي إن أحمد حاول يعرض “تسوية ودية”؛ إنه يتنازل عن أي دعاوى قضائية بخصوص الطلاق والمنقولات مقابل إنه يجدول مبلغ الشيكات (الاتنين مليون جنيه) على خمس سنين.
طبعاً ردي كان كلمة واحدة للأستاذ رفعت:
“رفض قاطع يا متر. أحمد مش هيدفع بالتقسيط، أحمد هيدفع كاش من كرامته وصحته وفلوسه زي ما دفعّني تمن طيبتي سنين.”
### المفاجأة الملعونة
يوم الخميس بالليل، الساعة كانت حوالي 10:00، لقيت خبط ورزع عنيف على باب شقتي الجديدة. الخبط مكنش خبط طبيعي، كان خبط حد بيموت أو حد فاقد عقله.
بصيت من العين السحرية، لقيتها “ليلى”.
طليقة أحمد الجديدة -أو مراته اللي على ورق ومتبهدلة- كانت واقفة وشها أصفر زي الليمونة، وهدومها مش مترتبة، وبتعيط بدموع حقيقية مش تمثيل. فتحت الباب نص فتحة، ووقفت ببرود:
“خير يا مدام ليلى؟ متهيألي الشقة دي مش مكتوبة باسم أحمد عشان تيجوا تطالبوا بيها.”
ليلى رمت نفسها تحت رجلي تقريباً وهي بتصرخ:
“الحقيني يا مريم.. أنا ماليش ذنب في اللي عمله فيكي! أحمد اتقبض عليه من ساعتين وهو نازل من مكتب المحامي بتاعه.. فيه كمين وقفه وطلعت عليه أحكام غيابية بالحبس في قض..ية الشيكات اللي أنتي رفعتيها.. أحمد في القسم دلوقتي يا مريم، وأهله رفعوا إيديهم عنه وقالوا مش هنبيع أرضنا عشان واحد طايش!”
بصيت لها من فوق لتحت. سبحان مغير الأحوال، البنت اللي كانت من أسبوعين بس بتهيص في الفرح الأسطوري وبتتمنظر بالشقة والعفش الجديد، قاعدة دلوقتي على عتبة بابي بتبكي بدل الدموع دم.
> “لما تبني سعادتك على أنقاض بيت ست تانية، متزعليش لما السقف يقع فوق دماغك ودماغ اللي معاكي.”
>
### زيارة خلف القضبان
مروحتش القسم في نفس الليلة، سبته يبات ليلة كاملة في الحجز. الليلة دي بالذات كنت عارفاها كويس، ليلة الخوف التام، لما تحس إن الحيطة سد وإنك مجرد رقم مسجون زي ما كنت أنا مجرد رقم حالة في المستشفى.
تاني يوم الضهر، روحت القسم مع الأستاذ رفعت. دخلت أوضة الزيارة، ولقيت أحمد قاعد على دكة خشب.
البرنس، البشمهندس، صاحب النظرة المتكبرة.. كان لابس قميص مكرمش، وعينيه حمرة من قلة النوم، وأول ما شافني وقف واندفع ناحية السلك الفاصل بيننا وهو بيترعش:
“مريم.. هبوس إيدك طلعينى من هنا.. أنا هتمحي من نقابة المهندسين.. شغلي وضاع، وسمعتي في السوق بقت في الأرض.. أنا بتمير هنا يا مريم.. وافقي على التقسيط، وافقي على أي حاجة!”
قعدت على الكرسي اللي قدامه بكل هدوء، وطلعت من شنطتي ورقة تانية خالص غير الشيكات.
“دي إيه يا أحمد؟” سألته وأنا بشاور على الورقة.
بص للورقة وعينيه اتسعت من الصدمة: “دي.. دي شروط التنازل؟”
### الشروط الجديدة للعبة
ضحكت وقولتله:
“دي ورقة مبايعة وتنازل نهائي، مش بس عن الأرض اللي في البلد بتاعة أبوك اللي إنت واصي عليها ومخبي عقودها.. لا، دي كمان إقرار منك بإنك مديون ليا بمبلغ إضافي تمن ‘أضرار نفسية ومادية’ طول سنين جوازنا، وتعهد بعدم التعرض ليا أو لأي حد من عائلتي طول حياتك.. وتنازل عن قض..ية الطلاق والاعتراف إن الطلاق تم غيابي وبدون إبراء ليكي.”
أحمد زعق وهز السلك:
“أنتي بتلوي دراعي؟ أنتي عايزة تاخدي ورث أبويا وتدمريني؟ مش هيمضي! أموت هنا ولا إني أكتبلك الورقة دي!”
وقفت بكل برود، وعدلت شنطتي على كتفي، وبصيت للأستاذ رفعت وقولتله:
“يلا بينا يا متر، البشمهندس لسه عنده طاقة يعيش في الحجز، خلينا نشوف رأيه هيتغير بعد أول جلسة حكم نهائي الأسبوع الجاي.. العقوبة هناك هتوصل لـ 3 سنين سجن مشدد.”
أحمد صوته هز جدران الأوضة وهو بيصرخ ورايا وأنا ماشية ومديا له ضهري:
“مريم!! استني يا مريم!! أنا همضي.. هاتي القلم أنا همضي!!”
لفيت وشي وبصيت له بابتسامة غامضة.. كنت عارفة إنه هيمضي، بس اللي ميعرفهوش إن الإمضاء ده مش هيكون نهاية المطاف، ده مجرد مفتاح لباب جديد من المفاجآت اللي مكنش يتخيلها في أوسخ كوابيسه.. واللعبة لسه مخلصتش.
