يوم زفافي الاخير

لمحت أثر الكاوتش الأسود المطبوع على الأسفلت، وريحة شياط الموتور لسه مالت الهوا. نورا كانت واقفة جنبي، إيدها بتترعش والورقة بتتهز بين صوابعها كأنها ماسكة قنبلة. بصيت للورقة اللي مكتوب فيها تهديد الرصاصة، ومفيش أي ملمح في وشي اتهز. الخوف ده شعور رفاهية، وأنا في سوق المحاماة بقالي سنين وعارفة إن الحيتان لما بتجيب آخرها… بتعَض.

قلت لنورا بصوت هادي ومستقر: “هاتي الورقة دي يا نورا، وحطيها في حرز بلاستيك. دي هتنضم لملف القضية الكبيرة (رقم 412 أموال عامة).. الحيتان بدأوا يرفسوا، وده معناه إن النفس خلاص بيقطع عندهم.”

نورا بلعت ريقها وبصت لي بذهول: “يا فندم دول بيمهدوا لقتل! دول مش زي شريف وحازم، دول ناس بتخفي البني آدمين من على وش الأرض في ثانية!”

ابتسمت وأنا بركب العربية: “اللي بيهدد بالقتل يا نورا مبيبعتش جوابات تحذير.. اللي عايز يقتل بيقتل عل طول. الجواب ده معناه إنهم مرعوبين من المستندات اللي معايا في الخزنة، وفاكرين إن المحامية الست هتخاف وتجري وتستخبى تحت السرير.”

## خطة الحوت الأكبر

طول الطريق للمكتب، كنت بربط الخيوط في دماغي. “مجموعة الهواري والشركاء لإعادة الإعمار”، دي الشركة الواجهة اللي حيتان العقارات كانوا بيغسلوا فيها فلوسهم. شريف وحازم مكنوش غير مجرد “أدوات مسح” بينظفوا وراهم، ولما أنا حبست الأدوات دي، الحيتان بقوا مكشوفين قدام النيابة.

وصلت المكتب، وطلبت من الأمن الخاص تشديد الحراسة على المبنى وعلى بيت أمي. دخلت أوضة الخزنة السرية ورا لوحة المكتب، وطلعت الملف الأصلي اللي فيه “الميزانيات الموازية” للشركة. دي الحقيقة العارية اللي لو اتسُلمت بكره في جلسة المحكمة… الإمبراطورية دي كلها هتبتلعها الأرض.

تليفوني رن برقم خاص (Private Number).

فتحت السبيكر ونورا واقفة جمبي.

جالي صوت رخيم، هادي جداً، وصاحبه بيتكلم بثقة تقرف: “الأستاذة إيمان؟ بتمنى تكون الرسالة وصلت، وتكوني استوعبتي إن اللعب مع عيلة ‘الفيومي’ مش زي اللعب مع عيلتك القديمة الفاشلة. احنا بنشتري النفوس وبنبيعها، وقادرين نشتري حريتنا.. فبلاش تشتري موتك.”

رديت عليه بنفس الهدوء، بل وأبرد: “أهلاً يا باشا. صوتك مألوف جداً، تقريباً سمعته في تسريب صوتي يخص عمولات أراضي حزام القاهرة. أحب أقول لك إن الورقة بتاعتك وصلت، وهتتقدم بكره في الجلسة كمستند رسمي لإثبات محاولة التأثير على سير العدالة وتهديد الشهود والمحامين. أما بخصوص إني أشتري موتي.. فأنا محامية، ومبعرفش أشتري غير الأصول والمستندات اللي بتودي اللي زيك ورا الشمس.”

الراجل على الناحية التانية أنفاسه سِخنت، وقال بفحيح زي الأفاعي: “قدامك لحد بكره الصبح يا إيمان.. لو رجلك خطت قاعة المحكمة بالملف ده، متلوميش غير نفسك.” وقفل السكة.

## الليلة الأخيرة قبل الملحمة

الساعة دقت 2 بعد نص الليل.

كنت قاعدة في المكتب براجع المرافعة كلمة كلمة. وفجأة، النور قطع في الدور كله.

نورا شهقت في الضلمة: “يا فندم! النور مبيقطعش في البرج ده أبداً! فيه خطأ في المولدات!”

سمعنا صوت حركة غريبة بره المكتب.. صوت خطوات تقيلة وسريعة، وبعدها صوت خبط مكتوم كأن حد بيقع على الأرض. الأمن اللي بره انضرب!

نورا جريت عليا وهي بتموت من الرعب: “دول جم يا فندم! جم ينفذوا التهديد!”

مسكت إيد نورا وشدتها ورا المكتب الضخم، وطلعت من درج المكتب بتاعي مسدس مرخص (9 ملم) كنت شايلاه للطوارئ. عمّرت المسدس وصوت الحركة بتاعته عمل “تك” قوية في الضلمة.

باب المكتب الإزاز الخارجي اتهشم فجأة بصوت مرعب.

دخل تلات أشخاص، مشغلين كشافات ليزر حمراء على بنادقهم، وبيتكلموا بهمس: “فتشوا الأوضة.. عينهما على الخزنة والملف.. والبت تخلصوا عليها فوراُ لو قاومت.”

كنت واقفه ورا الحيطة الفاصلة، ونبضات قلبي سريعة بس عقلي حاضر. واحد منهم قرب من مكتب الخشب، الكشاف بتاعه كان بيلف في الأوضة. أول ما لِف ضهره ليا، طلعت من ورا الحيطة وبكل قوة ضربته بظهر المسدس على دماغه وقع في الأرض ينزف، وشديت السلاح بتاعه.

الاتنين التانيين انتبهوا وبدأوا يضربوا نار عشوائي في الأوضة. الرصاص كان بيخرم الكتب والورق والإزاز حوالينا بيطير في كل حتة. نورا كانت بتصرخ وهي حاطة إيدها على راسها.

أنا مكنتش بضرب لمجرد الضرب، ضربت طلقة واحدة في الهوا عشان أشتت انتباهم، وفي نفس اللحظة.. سارينات عربيات النجدة بدأت تصوت في الشارع تحت المبنى، والأنوار الكاشفة بتاعة الشرطة ضربت في شبابيك المكتب من بره!

الرجال المسلحين ارتبكوا، وواحد منهم زعق: “الحكومة تحت! البت غفلتنا وبلغت من بدري! يلا بينا من سلم الطوارئ!”

سحبوا صاحبهم اللي مغمى عليه وجريوا بسرعة قبل ما الشرطة تقفل المخارج.

## شمس الحقيقة

الأنوار رجعت، وقوة من المباحث دخلت الأوضة وعلى رأسهم المقدم أحمد المسؤول عن تأميني. بص للمكتب المتبهدل والرصاص اللي في الحيطة وبص لي وأنا ماسكة المسدس وإيدي ثابتة.

قال بذهول: “أنتِ كويسة يا سيادة المستشارة؟ احنا لحقنا على آخر ثانية بناءً على الإشارة اللي جهاز التتبع والإنذار الصامت بتاعك بعتها للغرفة.”

قلت له وأنا بنظف التراب من على بدلتي: “أنا كويسة يا فندم. هما افتكروا إنهم بيخوفوني.. بس هما فعلياً قدموا لي أكبر دليل على إنهم الجناة. الرصاص اللي في الحيطة ده والمقذوفات بتاعته هتروح المعمل الجنائي، وهتثبت إن الأسلحة دي تخص الحرس الشخصيين لعيلة الفيومي.”

نورا قامت من الأرض وهي بتعيط وبتمسح وشها: “يا فندم أنا كنت هتموت! أنتِ إيه؟ معندكيش دم؟ إزاي واقفة كده؟”

بصيت لها وابتسمت: “اللي بيمشي في طريق الحق يا نورا، بيبقى لابس كفنه على إيده. يلا بينا نلم الورق اللي فاضل.. الساعة بقت 7 الصبح، وجلسة المحكمة الكبرى فاضل عليها ساعتين.”

## أمام منصة القضاء

الساعة 9:00 صباحاً. قاعة محكمة الجنايات (أموال عامة).

القاعة كانت متقفل تماماً بحراسة مشددة، والصحفيين والعدسات مالية المكان.

في قفص الاتهام.. كان قاعد حيتان العقارات، رجال الأعمال الكبار ببدلهم الفاخرة، ووشوشهم مفيهاش أي أثر للغرور بتاع زمان.. الوجوم والخوف مالي عيونهم. وجنبهم في زاوية تانية من القفص، كان شريف واقف بملابس الحبس الاحتياطي البيضاء، جنبه نيرة وحازم الهواري، بيبصوا لي بنظرات مرعبة.. نظرات ناس عرفت إن نهايتها اتكتبت على إيد الست اللي كانوا عايزين يذلوها.

رئيس المحكمة خبط بالشاكوش: “محكمة!”

الصمت حل.

وقفت في نص القاعة، ورفعت راسي للمنصة، وبدأت مرافعتي التاريخية. صوتي مكنش فيه أي تعب من ليلة امبارح، بالعكس.. كان مشحون بطاقة تزلزل الجبال.

“سيادة الرئيس.. عدالة المحكمة الموقرة. جئت اليوم لا لأدافع عن مالي أو مكتبي، بل لأكشف الستار عن شبكة فساد امتدت لسنوات، نهبت أموال الشرفاء، وغسلت ملايين الدولارات تحت غطاء مشاريع وهمية. هؤلاء الذين يجلسون خلف القضبان، لم يكتفوا بالسرقة.. بل حاولوا بالأمس فقط استخدام الرصاص لإسكات صوت الحق.”

قدمت الملف الأحمر الكبير المدعم بكل الأدلة الفرعية، وتقارير المعمل الجنائي عن واقعة ضرب النار في مكتبي بالليل، وربطت الأسلحة بمتهمين داخل القفص.

شريف في اللحظة دي صرخ من جوه القفص: “أنا ماليش دعوة بضرب النار! أنا اعترفت على حازم وعلى الفيومي! هما اللي ورطوني! ارحميني يا إيمان!”

الفيومي الأكبر زعق فيه: “اخرس يا كلب!” وبدأت خناقة وزعيق جوه القفص، والظباط دخلوا يسيطروا على الوضع.

رئيس المحكمة أشار بالهدوء، وبص في الملفات اللي قدمتها بعناية شديدة، وملامحه كانت بتزداد صرامة مع كل ورقة بيقراها.

التفتت وبصيت لشريف ونيرة وحازم، والفيومي، وقلت جملتي الأخيرة قبل ما المحكمة ترفع الجلسة للحكم: “في ليلة فرحي.. قيل لي إنني جئت لأخدم هذه العائلة. واليوم، أنا هنا لأخدم العدالة.. وأعلمكم جميعاً أن الحق لا يُخدم بالخنوع، بل يُؤخذ بالقانون.”

المستشارين رفعوا الجلسة للمداولة.. القاعة كانت بتغلي، والكل مستني النطق بالحكم اللي هيغير الخريطة كلها. قعدت على كرسي الدفاع، ونورا مسكت إيدي وهي بتترعش.. المعركة القانونية وصلت لمحطتها الأخيرة، بس بره قاعة المحكمة.. فيه تليفون جديد رن في جيب نورا، والاسم اللي ظهر على الشاشة خلى دمها يهرب من وشها تاني!

نورا بصت للشاشة، وإيدها سابت تليفوني من كتر الرعشة فصرخ في الأرض. وطيت وجبته بسرعة قبل ما حد من الصحفيين ياخد باله. الاسم اللي كان منور على الشاشة مكنش غريب، بس كان مرعب في التوقيت ده بالذات: **(مكتب النائب العام).**

رديت بسرعة وحطيت السماعة على ودني. جالي صوت مستشار جاد وصارم جداً: “الأستاذة إيمان؟ معاكي المستشار (…) من مكتب النائب العام. صدر حالاُ قرار عاجل بوقف جلسة النطق بالحكم في القضية 412 وتحريز كافة المستندات اللي معاكي فوراً.”

قلبي دق بسرعة لأول مرة في المعركة دي. “وقف الجلسة؟ ليه يا فندم؟ الأدلة كاملة والفيومي اعترف وحازم وشريف منتهيين!”

رد بصوت خافت بس يحمل تحذير مرعب: “لأن حازم الهواري قبل الجلسة بساعة، قدم مستندات أصلية من خلال محاميه، بتثبت إن الحسابات اللي اتهربت منها الفلوس، والشركات الوهمية اللي في دبي… متسجلة بالكامل باسم والدك الله يرحمه من 10 سنين! أنتِ مش برة الدايرة يا إيمان.. أنتِ في قلبها، ولو المحكمة حكمت دلوقتي بناءً على الورق ده، أنتِ أول واحدة هتتسحبي في قضية غسيل أموال دولية.”

## الانهيار في ساحة العدالة

السماعة وقعت من إيدي. الدنيا لفت بيا.

الحيتان مكنوش بيلعبوا معايا، دول كانوا بينصبوا لي فخ من سنين، من قبل ما أعرف شريف أصلاً! أبوي؟ والدي الشريف اللي علمني المحاماة كان شريك ليهم؟ ولا هما اللي استغلوا اسمه بعد وفاته وزوروا عقود قديمة؟

في نفس اللحظة، رئيس المحكمة دخل وخبط بالشاكوش: “محكمة!”

بس المرة دي، مقالش الحكم. بص لي بنظرة شفقة وغموض، وقال: “تقرر تأجيل النطق بالحكم، وإحالة القضية برمتها للنيابة العامة لإعادة التحقيق بناءً على ظهور أدلة ومستندات جديدة تمس أطرافاً أخرى.”

الهمهمات في القاعة بقت زي الإعصار. الصحفيين بدأوا يصوروني أنا، مش المتهمين.

شريف جوه القفص أول ما سمع القرار، بص لي وضحك بمتعة وشماتة هستيرية، وزعق بصوت مالي القاعة: “براااوة يا حازم! لفيتي ووقعتي في شر أعمالك يا ست المحامية! طلعتي بنت رئيس العصابة الكبيرة وإحنا الغلابة اللي كنا بنخدم عندك!”

نيرة قعدت تصقف وتضحك، وحماتي وقفت تزغرد وسط القاعة وهي بتصرخ: “ربنا مبيسبش حق حد! شمتي فينا وحبستينا.. وأهو ربنا فضَحك وسط قضاة مصر كلهم!”

## في زنزانة التحقيق.. تبادل الأدوار

الساعة 4 العصر.

المشهد اتقلب 180 درجة. مكنتش قاعدة في صف الدفاع، كنت قاعدة على كرسي التحقيق في مكتب رئيس النيابة الكلية، والكلابشات مكنتش في إيدي لسه بحكم وظيفتي، بس الورق اللي قدامي كان كفيل ينهي حياتي المهنية للأبد.

حازم الهواري جابوه من التخشيبة عشان يتواجه معايا. كان لابس لبس الحبس، بس وشه كان فيه ابتسامة انتصار قذرة.

قال لوكيل النيابة بثقة: “يا فندم، أنا وشريف ونيرة كنا مجرد ضحايا. الأستاذة إيمان ورثت شبكة غسيل الأموال دي عن أبوها المستشار القديم، وشريف لما خطبها واكتشف العقود دي بالصدفة في مكتبها، خاف وهددها، فقررت تلفق لنا القضية دي كلها في يوم فرحها عشان تخلص مننا وتداري على جريمة عيلتها.”

بصيت لحازم، وعيني كانت بتطلع شرار. “أنت كداب وزورت العقود دي بالتعاون مع الفيومي! أبويا مات ومسابش وراه غير سمعته النضيفة!”

حازم ضحك ولِف وشه لوكيل النيابة: “لو كداب يا فندم، خلّي خبير الخطوط يفرز إمضاء والدها على عقد تأسيس شركة دبي (سنة 2014).. الإمضاء حي وحقيقي، ومسجل في الشهر العقاري!”

وكيل النيابة بص لي بأسف: “للأسف يا أستاذة إيمان.. التقرير المبدئي بيقول إن التوقيع سليم 100%. قدامنا 24 ساعة لو مأثبتيش إن التوقيع ده مزور أو تم تحت إكراه، هضطر أصدر قرار بحبسك احتياطياً على ذمة القضية الكبرى بتهمة غسيل الأموال والاشتراك مع تنظيم دولي.”

## ليلة السقوط إلى الهاوية

خرجت من مبنى النيابة بكفالة مؤقتة لحد الصبح. الصحفيين كانوا مستنييني بره، الفلاشات كانت بتعمي عيني، والأسئلة بتضرب في ودني: *”يا سيادة المستشارة، هل كنتِ بتستغلي منصبك للتغطية على جرائم والدك؟”* *”هل فرحك كان مجرد مسرحية؟”*.

ركبت العربية مع نورا وأمي اللي كانت بتعيط وبتترعش: “أبوكي؟ جوزي أنا يعمل كده؟ ده احنا عشنا ومتنا على المرتب بتاع الحكومة! ده كدب يا إيمان.. كدب!”

حضنت أمي وقلت لها بصوت مخنوق: “عارفة يا أمي.. أبويا شريف وميعملش كده. حازم والفيومي لعبوا اللعبة الصح، جابوا ثغرة من الماضي عشان يهدوا بيها الحاضر.”

وصلنا المكتب. الأبواب كانت متشمعة بالشمع الأحمر بأمر من النيابة لتفتيش الملفات!

مبقاش عندي مكتب، ولا نفوذ، ولا قضية أدافع عنها.. بقيت أنا المتهمة الأولى.

قعدنا في شقة أمي القديمة. نورا كانت قاعدة على الأرض وسط اللاب توب ونسخ قديمة من ملفات والدي.

قالت نورا بيأس: “يا فندم.. العقود دي شكلها قانوني جداً، وتاريخ التسجيل في 2014 صحيح. لو ملقيناش ثغرة قبل الساعة 9 الصبح… الضباط هيجوا يكلبشوا إيدك من هنا.”

وقفت باصة من الشباك على الشارع الفاضي. الدنيا اسودت في عيني. شريف وعيلته ونيرة وحازم والفيومي… كلهم دلوقتي قاعدين بيحتفلوا بهزيمتي وسقوطي. كل اللي عملته انهار في لحظة واحدة.

وفجأة، وأنا بقلب في مذكرات والدي القديمة اللي أمي كانت شايلاها في صندوق خشب… عيني وقعت على ورقة صغيرة، شهادة طبية قديمة بتاريخ **نوفمبر 2014**… نفس الشهر والسنة اللي اتكتب فيهم عقد شركة دبي!

برقت عيني، والدم رجع يجري في عروقي من جديد. مسكت الشهادة وإيدي بتهتز، وبصيت لنورا وصرخت: “نورااا! اجمعي الورق ده حالاً! الحيتان غرقوا وبيموتوا خلاص!”

نورا وقفت بخوف: “في إيه يا فندم؟ لقيتي إيه؟”

ابتسمت ابتسامة مرعبة، ابتسامة المحامية اللي لقت الثغرة اللي هتقطع رقبة الكل في الجلسة الأخيرة بكره.

قلت لها وأنا بلم الورق بعنف وفخر: “لقيت الروح اللي هترد لأبويا، والمشنقة اللي هتتلف حوالين رقبة الفيومي وحازم وشريف مع بعض.. بكره الصبح، الستار هيقفل على أوسخ قضية في تاريخ المحاكم… وبإيدي أنا.”

الساعة دقت 8:30 صباحاً.

كنت واقفة قدام مراية شقة أمي القديمة، بِلِبس المحاماة الأسود للمرة الأخيرة في المعركة دي. ملامحي كانت أصفى من أي وقت فات، الهالات السودا تحت عيني من قلة النوم مكنتش مبينة ضعف، بالعكس، كانت مبينة شراسة محارب مستني اللحظة دي من سنين.

نورا فتحت الباب ودخلت، النفس كان مقطوع عندها، وقالت وهي بتبص في ساعتها: “يا فندم، القوة بتاعة التنفيذ وصلت تحت البيت عشان ترافقنا للمحكمة، ولو مخرجناش بالرد القاطع، القرار بالقبض عليكي هيتنفذ جوة القاعة قدام كل وسائل الإعلام.”

بصيت للظرف الأبيض اللي في إيدي، طبطبت عليه وقلت بثقة زلزلت الأوضة: “يلا بينا يا نورا.. النهاردة يوم الحساب.”

## في قاعة المحكمة.. الفصل الأخير والملحمة

القاعة كانت كأنها يوم الحشر. الحضور تضاعف، الصحفيين واقفين على الكراسي علشان يلقطوا صورة لمحامية جرائم الأموال وهي بتتدخل قفص الاتهام.

جوه القفص، كان شريف واقف ورافع راسه، وجنبه نيرة اللي كانت بتبص لي بشماتة مغلولة وتضحك بصوت عالي مع أمها اللي قاعدة في أول صف للمعازيم. وحازم الهواري كان واقف مع المحامين بتوعه، لابس بدلة الحبس بس ملامحه كانت ملامح ملك متوج فاكر إنه كش ملك.

دخل رئيس المحكمة، وخبط بالشاكوش خبطة هزت القلوب: “محكمة!”

الهدوء ساد، ووكيل النيابة وقف وقال بصوت جهوري: “بناءً على المستندات المقدمة من دفاع المتهم الثاني (حازم الهواري)، والتي تثبت شراكة المستشار الراحل، والد المدعية، في تأسيس شركات غسيل الأموال في دبي بتاريخ نوفمبر 2014، تطلب النيابة العامة ضم الأستاذة إيمان كمتهمة رئيسية وتطبيق أمر الحبس الاحتياطي.”

أمي صرخت من ورايا وبدأت تعيط وتدعي، وحماتي وقفت في نفس اللحظة وزعقت: “احبسوها! الحرامية بنت الحرامي أهي! اسجنوها وضيعوا مستقبله زي ما ضيعت ابن ابني!”

رئيس المحكمة زعق: “هدوء في القاعة وإلا هحرس الجميع! أستاذة إيمان، هل عندك دفاع قبل صدور القرار؟”

## الثغرة القاتلة.. وهدم المعبد

وقفت في نص القاعة. لغيت كل الميكروفونات، وتكلمت بصوتي الطبيعي القوي اللي هز حيطان المكان:

“سيادة الرئيس، عدالة المحكمة الموقرة.. جئت اليوم لأتحدث باسم القانون، وباسم شرف قاضٍ رحل عن دنيانا ولم يترك وراءه قصوراً ولا ملايين، بل ترك بنتاً تعلمت منه كيف تزن الحق بميزان من ذهب. حازم الهواري وعصابة الفيومي قدموا عقداً رسمياً مسجلاً في الشهر العقاري بتاريخ **14 نوفمبر 2014**، يحمل توقيع والدي كشريك مؤسس لشركة دبي.”

لفيت وبصيت لحازم وشريف في القفص، وابتسمت الابتسامة اللي رعبتهم: “العقد صحيح، والتوقيع صحيح 100% كما أكد خبير الخطوط.. ولكن!”

حازم ملامحه اتخطفت، وشريف سكت فجأة.

طلعت الشهادة الطبية الرسمية المختومة من وزارة الصحة والمستشفى الحكومي، رفعتها لفوق وقلت: “ولكن في **14 نوفمبر 2014**، وهو نفس اليوم والساعة المكتوبين في العقد الرسمي للتوقيع.. كان والدي المستشار يرقد في غيبوبة كاملة بالعناية المركزة بمستشفى (…) إثر جلطة مخية حادة، وظل بها حتى وفاته! والشهادة الطبية دي بتثبت إن والدي كان غائب عن الوعي طبياً وعقلياً وفاقد للحركة تماماً قبل التاريخ ده بأسبوع، وبعده لحد ما مات!”

الصمت اللي نزل على القاعة كان صمت الموت. المحامين بتوع حازم الهواري بصوا للورق وبدأوا يرجعوا لورا وهم بيبصوا لحازم بصدمة.

كملت وصوتي بقى زي الرعد: “وده معناه حاجة واحدة بس قانوناً.. إن المتهم حازم الهواري، بالتعاون مع عيلة الفيومي، استغلوا دفاتر شهر عقاري قديمة، وزوروا التوقيع باستخدام (بصمة خاتم قديم) لوالدي كان مسروق من مكتبه في نفس الفترة، واشتروا ذمة موظف مرتشي عشان يسجل العقد بتاريخ قديم ويسقطوا التهمة على قاضي متوفي ميعرفش يدافع عن نفسه! ومعايا هنا في الظرف… اعتراف تفصيلي وموثق من الموظف المرتشي اللي سجل العقد، بعد ما قبضت عليه الرقابة الإدارية الفجر بناءً على البلاغ اللي قدمته!”

## زلزال في قفص الاتهام

حازم الهواري رجع لورا وخبط في حيطة القفص، وشه بقى أزرق تماماً وكأنه جاله شلل. شريف بص له وبدأ يصرخ بجنون: “أنت لَبستني في الحيط؟ أنت مش قلت لي الورقة دي هي اللي هتنجينا وهتحبسها؟ يخرب بيتك وبيت أهلك!”

نيرة قعدت على الأرض في القفص وبقت تصوت وتلطم على وشها بانهيار كامل بعد ما عرفت إن اللعبة اتقلبت عليهم للمرة الأخيرة ومبقاش فيه أي مخرج.

حماتي أول ما شفت المنظر ده، حست إن روحها بتطلع، لفت وبصت لي بعيون مليانة رعب واستعطاف، بس أنا مكنتش شيفاها اصلاً.

رئيس المحكمة خبط بالشاكوش خبطات متتالية، ودخل مع المستشارين غرفة المداولة لمدة 10 دقائق فقط.. 10 دقائق كانت عيلة شريف وحازم بيموتوا فيها في دقيقة.

## النطق بالحكم.. نهاية الطغاة

خرج رئيس المحكمة، ووقف القاعة كلها على رجل واحدة. عدل نظارته، وقرأ الحكم التاريخي:

**”حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء:”**

* **أولاً:** بمعاقبة المتهم الأول (شريف) بالسجن المشدد لمدة 7 سنوات بتهمة النصب والاختلاس والاشتراك في التزوير.

* **ثانياً:** بمعاقبة المتهمة الثانية (نيرة) بالسجن المشدد لمدة 5 سنوات بتهمة تسهيل الاستيلاء على أموال وخيانة الأمانة.

* **ثالثاً:** بمعاقبة المتهم الثالث (حازم الهواري) بالسجن المؤبد لمدة 25 سنة بتهمة التزوير في أوراق رسمية، والتحريض على القتل، وإدارة شبكة دولية لغسيل الأموال، مع شطبه نهائياً من نقابة المحامين.

* **رابعاً:** بمعاقبة رجال الأعمال (عيلة الفيومي) بالسجن المؤبد وتغريمهم مئات الملايين ومصادرة كافة أملاكهم لصالح الدولة.

* **خامساً:** تبرئة ساحة المستشار الراحل والمدعية الأستاذة إيمان من كافة التهم المنسوبة إليهم، مع إحالة المتهمين للنيابة العامة في قضايا التزوير الجديدة.

أول ما القاضي نطق بالحكم، القاعة انفجرت.

شريف انهار على الأرض وهو بيبكي بهستيريا والكلابشات بتتلم على إيده عشان يترحل على السجن العمومي. نيرة كانت بتصرخ وهي بتتشد من العساكر، وحماتي وقعت من طولها أغمى عليها في الصالة ومحدش من قرايبها رضي يقرب منها من كتر الفضيحة والعار اللي لحق بالعيلة.

حازم الهواري بص لي ونظرة الموت في عينه وهو بيترحل والمستقبل بتاعه انتهى للأبد.

التفت لأمي اللي كانت واقفة ورافع راسها للسما وبتعيط وبتقول: “حقك رجع يا أبو إيمان.. بنتك صانت شرفك واسمك.”

لميت ورقي وحطيته في الشنطة بهدوء شديد. نورا قربت مني وهي بتعيط من الفرحة وبتحضني: “عملتيها يا فندم.. وقَعتي الحيتان كلهم، وكسرتي عين اللي فكروا يذلوكي.”

خرجت من باب القاعة، وفلاشات الصحافة كانت بتنور مكاني، والكل بيوسع لي طريق باحترام وهيبة تليق بمحامية هزت الرأي العام.

وقفت على سلم المحكمة، وبصيت للسما، ونسمة هوا باردة خبطت في وشي. افتكرت ليلة فرحي.. وافتكرت كلمة نيرة في الميكروفون: *”أنتِ هنا عشان تخدمينا كلنا.”*

ابتسمت ولبست نظارتي الشمسية، وقلت في سري: **”أنا مَخدمتكمش يا نيرة.. أنا خدمت العدالة، والعدالة لما بتتكلم… الكلاب بتسكت، والأقنعة بتقع، والحق بيرجع لأصحابه.”**

نزلت السلالم بثقة وفخر، وسيبت ورايا عيلة كاملة مدمرة تحت أنقاض طمعها، ومشيت في طريقي.. طريق الست اللي مفيش راجل ولا عيلة تقدر تكسرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *