حكايات اماني السيد ج 3

أصبحت الإقامة في شقتي أشبه بالمشي على حقل ألغام، لا أعلم متى ولا أين ستنفجر القنبلة القادمة. وجود هدى تحت نفس السقف حول كل غرفة إلى ساحة محاكمة صامتة؛ تحركاتها الهادئة، ونظراتها التي تحاصرني في أركان البيت، كانت كفيلة بأن تجعلني أعيش في حالة ذعر دائم.
كانت تتقن اللعب على أعصابي ببراعة مرعبة. أمام زوجتي، تتصرف كأخت مكسورة ومستسلمة لحزنها، لكن بمجرد أن تتوارى زوجتي في المطبخ أو تخرج لقضاء جلب للبيت، تتحول هدى إلى شبح يطاردني. لم تكن ترفع صوتها، بل كان صمتها ونظراتها الأقسى. كانت تترك أحياناً مستلزماتها الجامعية على دفتر مكتوب عليه بخط يدها عبارات مجردة، مثل: “القاتل لا يهرب من عقابه”، وتتعمد أن تترك الأوراق في مكان أستطيع رؤيته وحدي، ثم تسحبها ببرود قبل أن تلمحها أختها.
في إحدى الليالي، أعدت زوجتي العشاء وجلسنا جميعاً على المائدة. كانت الأجواء ثقيلة، والصمت هو السيد. حاولت أن أفتح أي موضوع لكسر هذه الكتمة التي تخنقني، فقلت بنبرة حاولت أن تكون طبيعية:
“على فكرة يا هدى، أنا كلمت زميل لي في الكلية عندك عشان يسهلك ملخصات المواد قبل الامتحانات…”
قبل أن أتم جملتي، رفعت هدى عينها من طبقها، وبصتلي بنظرة أبرد من الثلج، وقالت بصوت هادئ خالي من أي انفعال:
“شكراً يا أستاذ.. بس أنا مبقبلش أي مساعدة منك. ولا خدمات، ولا معارضة، ولا أي حاجة بتيجي من طرفك. ياريت تخليك في حالك وفي بيتك وبس.”
زوجتي اتفاجأت بالنبرة الحادة، وحطت المعلقة من إيدها واستنكرت:
“هدى! في إيه يا بنتي؟! الراجل بيحاول يساعدك ويهون عليكي الظروف، إنتِ ليه بترميكلام دبش كده من يوم وفاة بابا؟ هو عملك إيه عشان تعامليه بالطريقة دي؟”
لحظتها، توقفت الأنفاس في صدري. حسيت إن الوقت اتجمد. هدى بصت لأختها، وبعدين لفت عينها ناحيتي، واستقرت نظرتها على ملامحي المرتعدة، ورسمت على شفايفها ابتسامة صغيرة، مسمومة، وقالت وهي بتلعب بالمعلقة:
“سأليه هو يا أبله.. سأليه هو عمل إيه عشان أغير معاملتي معاه كده. يمكن هو عنده إجابة تفيدك.”
الدم جف في عروقي، وركبي خارت تحت الطاولة. كنت مستني الصدمة، مستنيها تنطق وتنهي الكابوس ده في ثانية واحدة وتدمر كل حاجة. زوجتي بصتلي باستغراب وشك، وقالت:

