الفيزا بتاعتي ج 3

روماني مكرم

انتفضت من مكاني والدم يغلي في عروقي، بينما جسد أمي ارتعش وهي تتراجع للخلف بنظرات مرعوبة، وجاء أبي يجر قدميه ببطء وعصاه تطرق الأرض بنبرة قلق. صراخ والدة حازم في الممر كان يهز جدران البيت، والضربات على الباب لم تتوقف.

فتحت ريم أختي الباب فجأة قبل أن أمنعها، لتندفع والدة حازم إلى داخل الصالة كالعاصفة، وخلفها حازم الذي كان وجهه شاحباً كالموتى، ويداه ترتجفان، ومعهما خاله الأكبر الذي كان يحاول التهدئة دون جدوى.

صاحت والدة حازم وهي توجّه سبابتها نحو وجهي:

“أهي.. أهي السنيورة اللي كانت هتدخل بيتنا! مش كفاية وقفتِ حال ابني ورفضتِ تطيعيه، رايحة تتبلي عليه في أكل عيشه وتجيبي له قرار رفد وفضيحة وسط زمايله؟”

تقدم أبي بخطوات ثقيلة ووقف حائلاً بينها وبيني، وقال بصوت جهوري رغم تعبه:

“الزمي حدودك يا أم حازم.. إنتي في بيتي. وابنك هو اللي دخل الشركة بـورق مزور عشان يرمي بنتي في السجن، لولا إن ربنا نصرها والكاميرات كشفت ملعوبه.”

التفت خاله نحو أبي وقال بنبرة محايدة يحاول فيها كسب الوقت:

“يا حاج أحمد، إحنا أهل وأقارب في الأول والآخر، والشيطان دخل بين العيال. حازم غلط، وإحنا معترفين، والشركة خيرته بين الاستقالة الودية أو إبلاغ النيابة بتهمة التزوير وسرقة المخزن.. وإحنا جايين نلم الموضوع عشان مستقبل الولد ما يضيعش.”

ضحكتُ بسخرية وأنا أنظر لحازم الذي لم يجرؤ على رفع عينيه في عيني:

“دلوقتي بقينا أهل؟ ومستقبل الولد هيضيع؟ ومستقبلي أنا وشرفي اللي كنتوا عايزين تدوسوا عليه بالجزام فين؟ كنتوا فين لما والدته كلمت أمي وقالت لها ‘ابني يهد مستقبلها في دقيقة‘؟”

تدخل حازم أخيراً، وصوته كان مكسوراً ومحشرجاً، يختلف تماماً عن ذلك الصوت الهادئ المرعب الذي طلب مني الباسورد:

“سارة.. أنا كونت مستعد أعمل أي حاجة عشان نكون مع بعض، والضغوط هي اللي خلتني أتصرف كده.. أبوس إيدك، قريبي رئيس مجلس الإدارة مستني مكالمة منك تقولي إنك متنازلة عن حقك الشخصي في التزوير عشان يقبل استقالتي الودية وميقدمش الفيديوهات للشرطة.. لو بلّغ، أنا مستقبلي هينتهي وأمي هتموت من قهرتها.”

نظرت والدته إليّ، ولأول مرة أرى في عينيها نظرة انكسار وتوسل بدلاً من الجبروت والشماتة، وقالت بصوت خافت:

“يا بنتي.. ارحمي ضعف أم، إحنا مستعدين نسيب لكم الشبكة كلها ومصاريف الخطوبة، ومش عايزين منكم حاجة.. بس بلاش السجن.”

نظرتُ إلى أبي وأمي.. رأيت في أعينهما طيبة أهلنا التي قد تدفعهم للمسامحة لمجرد رؤية شخص منكسر في بيتنا. لكنني تذكرت تلك اللحظة التي كنت فيها وحدي في غرفتي، والمروحة القديمة تدور فوق رأسي، وأنا أشعر بالرعب من ضياع شقائي وتعب سنين عمري بسبب جشع هذا الشخص وخسته.

تراجعت خطوة للوراء، وأمسكت بهاتفي المحمول، وفتحت قائمة الأسماء ثم نظرت إلى حازم بثبات هز كيانه:

“الشبكة ومصاريف الخطوبة هترجع لكم لحد عندكم بالمليم، لأننا ما بناكلش حرام، ولا بنشتري شرفنا بفلوس.. أما بخصوص قريبي ورئيس الإدارة، فهو مبيستناش مكالمتي عشان يتنازل.”

اتسعت عينا حازم برعب: “يعني إيه؟”

قلت بنبرة حاسمة كقطع السيف:

“يعني قبل ما تيجوا هنا بربع ساعة، رئيس مجلس الإدارة كلمني بنفسه، وأنا رفضت التنازل.. وبلغته إن حقي وحق الشركة مش ملكي لوحدي، ومحامي الشركة والشرطة زمانهم في طريقهم للمخزن عشان يقبضوا على موظف الأمن اللي ساعدك.. وإنت طلبت إن كلامك هو اللي يمشي في الآخر يا حازم، وأهو مشي.. بس للمحكمة.”

تراجع حازم للخلف وهو يمسك برأسه غير مصدق، وفجأة، سُمع صوت سرينة سيارة الشرطة وهي تقترب من أسفل عمارة بيتنا، وبدأ صوت أقدام تصعد السلم بسرعة..

 

صوت سيارة الشرطة المقتربة كان بمثابة إعلان النهاية للعبة حازم، لكنه كان أيضاً بداية لمنحدر لم يتوقعه أحد.

تسمر حازم في مكانه، واختفى كل أثر للمقاومة في عينيه، بينما صرخت والدته وولولت وهي تضرب على صدرها: “يالهوي! ابني هيروح في داهية.. حرام عليكي يا شيخة، خربتي بيتنا!”

خاله أدرك أن الموقف خرج عن السيطرة تماماً، فجذب حازم من يده بسرعة وقال بصوت منخفض: “امشي من هنا بسرعة قبل ما يطلعوا الشقة.. انزل من سلم الخدمة الخلفي!”

لكن حازم كان مشلول الحركة، وعيناه معلقتان بباب الشقة الخشبي الذي بدا وكأنه على وشك الانفجار. ولم تمر ثوانٍ حتى طُرق الباب بقوة، ودخل اثنان من رجال المباحث يرافقهم محامي الشركة الذي أشار بيده فوراً إلى حازم وقال: “هو ده يا فندم.. حازم السيوفي، المتهم الأول بتزوير المحررات الرسمية والاختلاس بالتعاون مع حارس المخزن المحتجز حالياً.”

تقدم الضابط نحو حازم وكلبش يداه في لمحة عين. في تلك اللحظة، ارتمت والدته على قدمي الضابط تبكي وتتوسل، لكن القانون لا يعرف الدموع المتأخرة. التفتَّ حازم إليّ وهو يُساق إلى الخارج، ولم تكن في عينيه نظرة انكسار هذه المرة.. بل كانت نظرة غل أسود، وهمس بصوت فحيح الأفاعي: “مش هسيبك يا سارة.. والنعمة ما هسيبك، لو خرجت من دي هحرق قلبك.”

رحلوا جميعاً، وتحول بيتنا فجأة من ساحة معركة إلى هدوء مرعب، لا يقطعه سوى أنفاس أبي المتلاحقة وصوت المروحة القديمة التي عادت لتدور في صمت الصالة.

أمي جلست على الأرض تبكي من الصدمة، بينما ريم أختي اقتربت مني وضمتني بشدة: “انتهى الكابوس يا سارة.. خلاص.”

لكن شيئاً ما في قلبي كان يخبرني أن حازم ليس من النوع الذي يستسلم، وأن مكالمة أمه الأخيرة وتهديده قبل خروجه لم يكن مجرد كلام يائس.

—

مر أسبوع كامل.

أثبتت التحقيقات في النيابة تزوير حازم وتواطؤه مع موظف الأمن، وتم حبسه خمسة عشر يوماً على ذمة التحقيق. الشركة قدمت لي اعتذاراً رسمياً، وطلب مني رئيس مجلس الإدارة العودة إلى مكتبي مع مكافأة تعويضية، لكني طلبت إجازة مفتوحة.. لم أكن قادرة على مواجهة نظرات زملائي، ولا على تخطي الصدمة التي هزت ثقتي بالبشر.

كنا نتأهب لإعادة الشبكة ومصاريف الخطوبة بالكامل لعائلته عبر محامٍ بشكل رسمي لإنهاء أي صلة تربطنا بهم، وفي اليوم الذي حددناه لتسليم الذهب.. حدث ما لم يكن في الحسبان.

في منتصف الليل، استيقظت على صوت ضوضاء غريبة في الشارع أسفل العمارة، تلاها صوت فرملة سيارة قوية، ثم صوت تحطم زجاج عنيف.

ركضت نحو البلكونة، وقلبي يكاد يقف من الرعب. نظرت للأسفل، فجمد الدم في عروقي.. سيارة أبي الصغيرة، التي يتنقل بها بصعوبة للمستشفى وجلسات العلاج، والتي دفعنا فيها كل ما نملك، كانت النيران تلتهمها بالكامل بعد أن ألقى أحدهم عليها زجاجة حارقة (مولوتوف)!

وفي نفس اللحظة التي صرخت فيها مستغيثة بالجيران، أضاءت شاشة هاتفي برسالة من رقم غير مسجل..

فتحتها بيد ترتجف، وكانت الكلمات مكتوبة باختصار مرعب:

“دي أول دفعة من الحساب.. أمي بتسلم عليكي وبتقولك: الست اللي تكسر كلام راجل، يتداس على طرفها وطرف أهلها.. والجاية في ريم أختك.”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *