بقلم مني السيد 3

قفلت السكة وجسمي كله بيترعش. الصدمة خلتني مش قادرة أقف على رجلي، وقعدت على أقرب كرسي والأسئلة بتلف في دماغي زي الإعصار. هل محمود فعلاً بيموت؟ هل دي عقوبة ربنا ليه على الظلم والكسرة اللي سببهملي؟

أمي دخلت عليا الأوضة وشافت وشي مخطوف ومخطط من الخوف، سألتني بلهفة: “في إيه يا آية؟ مالك يا بنتي شكلِك عامل كده ليه؟”

قلت لها بصوت يادوب مسموع: “محمود يا أمي.. عمل حادثة كبيرة على الصحراوي وهو راجع من الشغل، ووالدته بتعيط وبتقول إنه في الرعاية المركزة بين الحياة والموت.. وبيطلب يشوفني أنا والولاد.”

أمي سكتت لحظة، ونظرة الشفقة ظهرت في عينيها، وقالت لي بحكمة الست الكبيرة: “يا بنتي، يا بخت من قدر وعفا.. الراجل بين يدين ربنا ودلوقتي مفيش بينكم غير الإنسانية. روحي يا آية، وخذي أخوكي معاكي، وبلاش تاخدي العيال الرعاية المركزة عشان ميتخضوش.. روحي شوفي وقفتك دي لله، عشان ربنا يبارك لك في ولادك.”

كلمات أمي نزلت على قلبي هدتني. اتصلت بأخويا وحكيت له، ورغم إنه كان شايل من محمود جداً، إلا إنه قال لي: “الموت والمرض مفيش فيهم شماتة يا آية.. أنا جاي أخدك ونروح المستشفى فوراً.”

وصلنا المستشفى بعد ساعة، الأجواء كانت كئيبة وريحة المطهرات ماليّة المكان. أول ما وصلنا دور الرعاية، شفت والدته وأبوه قاعدين على الكراسي، مهدودين ودموعهم مش بتجف. أول ما حماتي شافتني، قامت جريت عليا وحضنتني وهي بتبكي بحرقة: “سامحيه يا آية.. سامحيه يا بنتي، الدكاترة بيقولوا إن النزيف داخلي ومفيش في إيديهم حاجة غير الدعاء.. هو غلط في حقك كتير بس ادخلي له.”

دخلت مع الدكتور بعد ما لبست اللبس المعقم. الأوضة كانت ضلمة، مفيش فيها غير صوت الأجهزة المنتظم والمخيف. خطيت خطواتي بالراحة لحد ما بقيت جنبه.

محمود كان غايب عن الوعي، وشه كله كدمات وفيه أجهزة وخراطيم في كل مكان.. الراجل اللي كان في يوم من الأيام مالي عينه بالغرور ونازل فيا اتهامات، واقف عاجز تماماً بين الحياة والموت.

قربت منه، وفجأة، وكأنه حس بوجودي، بدأ يحرك صوابع إيده بالراحة وفتح عينيه بالعافية. بصلي بنظرة كلها وجع ورجاء، وبصوت ضعيف وطالع بالعافية من تحت جهاز التنفس قال: “آية… أنتِ جيتي؟”

دموعي نزلت غصب عني، مش حب فيه، بس إنسانية ووجع على المنظر. هزيت راسي وقلت له: “يا محمود.. وحد الله واستغفر.”

اتكلم بصعوبة ودموعه نزلت على وشه: “أنا بموت يا آية.. حاسس إن روحي بتطلع.. أنا ظلمتك.. وشفت عقاب ربنا في الدنيا قبل الآخرة.. نيرمين سابتني، وفلوسي راحت، وصحتي ضاعت.. ربنا انتقم منك فيا.. أرجوكي.. سامحيني.. وقولي للولاد إن أبوهم كان غبي بس بيحبهم.. سامحيني عشان أموت مرتاح.”

النفس بتاعه بدأ يعلى والأجهزة بدأت تصفر وتعمل أصوات سريعة ومقلقة. الدكاترة دخلوا جري على الأوضة والممرضات أخدوني وبدأوا يخرجوني برة بسرعة…

خرجت وأنا سامعة صوت الأجهزة وهي بتعلن حالة طوارئ جوة الأوضة، وحماتي برة بدأت تصرخ وتصوت وهي شايفة الدكاترة بيجروا.. وقفت في الممر وأنا حاطة إيدي على قلبي، ومش عارفة محمود هيموت وهو شايل ذنبي، ولا ربنا هيكتب له عمر جديد عشان يشوف ولاده وهم بيكبروا من بعيد؟

اندفع الأطباء والممرضات داخل الغرفة، وجرّتني الممرضة برة بسرعة وهي بتقفل الباب وراها. وقفت في الممر وجسمي كله بيترعش، وصوت ضربات قلبي كان أعلى من صوت الأجهزة اللي بتصوّت جوه. حماتي بدأت تصرخ بهستيريا وأبوه قعد على الأرض وهو حاطط إيده على دماغه ومش قادر ينطق.

أخويا أخدني في حضنه وهو بيحاول يهديني: “جمدي قلبك يا آية.. أنتِ عملتِ اللي عليكي ووقفتِ وقفة أولاد أصول، والباقي بتاع ربنا.”

فضّلنا واقفين على أعصابنا أكتر من ساعة، ساعة مرت علينا وكأنها سنة كاملة. لحد ما باب الرعاية اتفتح، وخرج الدكتور وهو بيتمضمض بمنديل، ملامحه كانت حزينة ومرهقة جداً.

حماتي جريت عليه وهي بتترعش: ” طمني يا دكتور.. ابني جرى له إيه؟ محمود عاش؟”

الدكتور اتنهد تنهيدة طويلة وقال بصوت هادي: “الحمد لله.. قدرنا نسيطر على النزيف الداخلي بعد ما عضلة القلب وقفت لثواني، وعملنا له إنعاش واستجاب لينا بمعجزة. بس للأسف.. الحادثة سابت أثر كبير.. الضربات اللي في الظهر وفي العمود الفقري سببت له شلل نصفي.. محمود مش هيقدر يمشي على رجليه تاني.”

الخبر نزل على أهله زي الصاعقة، حماتي قعدت في الأرض تبكي بحرقة، وأنا حسيت بقشعريرة في جسمي كله. افتكرت يوم ما ساب البيت الساعة ستة الصبح، وافتكرت يوم ما شفته في السوبر ماركت بيزق العربية ونيرمين متبتة في دراعه وبيتباير بقوته وصحته عليا.. ودلوقتي، الراجل اللي اتهمني في شرفي، مش هيقدر يقف على رجليه تاني. سبحان العاطي الوهاب، المنتقم الجبار.

بعدها بأيام، محمود اتنقل لأوضة عادية بعد ما حالته استقرت تماماً. طلبت من أخويا إني أدخل أشوفه للمرة الأخيرة قبل ما نمشي.

دخلت الأوضة، كان قاعد على السرير، ساند ظهره، بس عينيه كانت مكسورة وضفاير روحه مطفية تماماً. أول ما شافني، دارى وشه الناحية التانية وبكى بنحيب: “كنت أتمنى أموت يا آية.. أموت ولا أعيش عاجز، مش قادر أتحرك ولا أروح ولا أجي.. ربنا عاقبني في صحتي اللي اتغريت بيها عليكي.”

قربت من السرير ووقفت على مسافة منه، وقلت له بنبرة صافية مفيش فيها شماتة، بس فيها حق وعدل: “أنا سامحتك يا محمود.. سامحتك لله ولأجل ولادي عشان ميبقاش في بطنهم لقمة حرام من دعوة مظلوم على أبوهم. صحتك دي قدر ربنا، بس يمكن دي الفرصة اللي ربنا مدها لك عشان تقعد وتفكر وتستغفر بجد.”

بصلي وعينيه مليانة دموع: “والولاد يا آية؟”

قلت له: “ولادك هيفضلوا يشوفوك في النادي زي ما القانون بيقول، ولما يكبروا ويفهموا، هما اللي هيقرروا علاقتهم بيك هتبقى إزاي.. أنا مش هربيهم على الكره، بس مش هكدب عليهم. ودلوقتي، أنا لازم أمشي.. عشان ورايا تلات رجالة محتاجين إني أكون قوية عشانهم.”

لفيت ظهري وخرجت من الأوضة، وحسيت وأنا بخطي برة المستشفى إن في حمل جبل انزاح من فوق كتافي.. قفلت صفحة محمود تماماً من قلبي وعقلي، وبقيت ببص لقدام، للمستقبل اللي مستنيني أنا وتامر وكريم وزياد.

لكن محمود، وهو قاعد على سريره العاجز، مكنش يعرف إن لسه في صدمة تانية وتطور جديد مستنيه من نيرمين، هتقلب اللي باقي من حياته رأس على عقب…

مرت تلات أسابيع على خروج محمود من المستشفى، واتنقل يعيش في بيت والدته عشان تقدر تخدمه بعد ما بقى قعيد على كرسي متحرك. وفي يوم، وهو قاعد في الصالة باصص للفراغ، الباب خبط.

دخلت نيرمين.. بس ما كانتش لوحدها، كان معاها راجل غريب، ولابسة فستان شيك جداً وضحكتها مسمّعة المكان. محمود أول ما شافها، افتكر إنها رجعت له ندمانة، وعينيه لمعت بدموع الرجا.. بس الصدمة الأخيرة والضربة القاضية كانت مستنياه.

نيرمين رمت على حجر محمود كارت دعوة فرح، وبصت له بمنتهى الجحود وقالت:

“أنا جيت بنفسي يا محمود عشان أديك كارت فرحي أنا وأستاذ مدحت، المدير الجديد للفرع بتاعكم.. وجيت كمان عشان أقول لك كلمتين يريحوني.. أنا عمري ما حبيتك، أنا بس كنت مستغلياك عشان تدفع لي وتجيب لي هدايا وتفسحني، ويوم ما فكرت تتبلى على مراتك الشريفة، عرفت إنك راجل ناقص ومالكش أمان، وربنا جاب لها حقها منك تالت ومتلت.. مبروك عليك الكرسي يا أستاذ محمود!”

الراجل اللي معاها ضحك بسخرية، وسحبت دراعه وخرجت، وسابوا محمود يصرخ بهستيريا ويضرب على رجليه المشلولة وهو بيبكي بكاء مرير.. بكاء الراجل اللي خسر شرفه، ومراته، وأولاده، وصحته، وفي الآخر اكتشف إنه اضحك عليه واتساب في الزبالة من الست اللي باع بيته عشانها.

وفي نفس اللحظة دي.. في شقتي، كانت الأنوار منورة، وريحة الأكل الحلو ماليّة المكان.

البيت كان مقلوب ضحك وفرحة، وبقيت واقفة في وسط الصالة وأنا شايلا تامر، وأخويا شايل كريم، وأمي بتلاعب زياد. الولاد كبروا وبقوا ينطقوا كلمة “ماما” و”خالو” و”تيتا”.. ماليين عليا الدنيا.

مشروعي أونلاين لتصميم الديكور كبر وبقى عندي مكتب صغير وبداخلي دخل مستقل محترم، ومبقتش محتاجة لمليم واحد من نفقة محمود، وحطيت كل الفلوس اللي بتيجي منه في حساب بنكي مقفول للولاد لما يكبروا.

وقفت قدام مراية الصالة، بصيت لوشي اللي رجعت له نضارته وابتسامته بعد سنين التعب والقهر. مسحت دموع الفرحة من عيني، وبصيت لولادي وقلت في سري:

> “الحمد لله الذي أخرجنا من القرية الظالم أهلها.. والحمد لله اللي صان عرضي ونصرني ونور طريقي بتلات رجالة هيكونوا هما سندي وعزوتي في الدنيا.”

>

قفلت باب الماضي ورايا بالترباس، وبصيت لقدام.. للمستقبل اللي بيبتسم لي أنا وولادي، وأنا كلي يقين إن اللي معاه ربنا.. عمره في يوم ما يضيع.

**تمت بحمد الله.**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *