حماتي عندها 52 سنه وحامل

خطين وردي في سلة الزبالة
حماتي عندها 52 سنة، أرملة، وفجأة لقيتها قايمة من على سفيرة العشا بتجري وإيدها على بقها وبترجع.. أنا قولت لنفسي بس! ده سن اليأس ومتعابه، لكن لما لفت ورايا وفتشت في باسكيت زبالة أوضتها، لقيت اختبار حمل! والصدمة مش هنا.. الصدمة إن اسم الأب كان سر لو اتعرف يهد البيت على دماغنا كلنا، سر أقرب لينا من حبل الوريد!
الست جرت من على الأكل ووشها جايب ألوان.
تاني يوم الصبح، مكنتش طايقة ريحة الشاي بلبن ولا التقلية.
ثالث يوم، بدأت تلبس عبايات قطن واسعة ومبهوقة عشان تداري بطنها.
خامس يوم.. أنا مبقتش قادرة أصبر، دخلت ولمحت البتاع ده.
خطين حُمر زي النار.
أنا صوابعي اتجمدت ومبقتش مجمعة أنا ماسكة إيه في إيدي!
اسمي نيرمين مدحت، عايشة مع جوزي رامي، وابننا زياد 5 سنين، وحماتي الحاجة كريمة، في بيت قديم من بيوت روض الفرج الضيقة.. البيوت اللي حيطانها سامعة كل حاجة، ومفيش سر فيها بيموت مستور. أو ده اللي كنت فاكراه!
الحاجة كريمة دي عندها 52 سنة، جوزها ميت من زمان، ست ناشفة، كلامها لادع، بتصحى قبل الديك ما يكاكي، بتحسب القرش بالمليم، وكل يوم تسمعني الأسطوانة المشروخة شرف العيلة يا نيرمين لازم يبقى أنظف من رخامة المطبخ!
عشان كده لما رجعت يومها، جريت وراها وأنا بقول
جرى إيه يا ماما؟ التقلية كانت حامية على معدتك؟ شاورتلي بإيدها وهي بتمسح بقها بطرف العبابة
مفيش يا بنتي.. شوية حموضة وهيروحوا لحالهم.
بس الحكاية مكنتش حموضة..
تاني يوم قرفت من ريحة البصل المحمر.
تالت يوم لقيتها قاعدة جنب الشباك وسرحانة، وحاطة إيدها على بطنها.. مش بتفركها من الوجع.. لا، دي كانت بتطبطب عليها بحنية.. حنية أم خايفة تحب الضنا اللي
بيكبر

جواها!
أنا وقفت في الطرقة ركبي سابت..
مستحيل! في سنها ده؟ وهي أرملة من سنين؟ أنا استغفرت ربنا وقولت في بالي جرى إيه يا نيرمين؟ بلاش تفكير شمال، دي ست حجّت بيت ربنا!
بعد الضهر، دخلت أوضتها عشان ألم الملايات أغسلها.. الأوضة كانت ريحتها بخور مسك على ريحة دوا قديم.. وريحة خوف! باسكيت الزبالة اللي جنب التسريحة كان فاضي.. إلا من حاجة واحدة.. شريط بلاستيك أبيض في وردي محشور تحت جورنال متكرمش.
وطيت.. سحبته.. وحسيت إن الشقة كلها بتلف بيا..
إيجابي!
وقفت متنحة في الخطين الحمر، وفي الشارع تحت بياع الطماطم شغال ندب وصوت عالي وكأن الكون مبوظش فوق دماغي دلوقتي!
من ورايا، جه صوت مرعوش وبيترعش
بتفتشي في إيه عندك يا نيرمين؟ لفيت.. الحاجة كريمة كانت واقفة على الباب، وشها مفيش فيه نقطة دم، وعينيها متثبتة على الشريط اللي في إيدي.. لأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده، أشوف حماتي هشة وصغيرة كده!
ماما… صوتي طلع يادوب مسموع. ده بتاعك؟ مسكت في حلق الباب وهزت راسها.. مرة واحدة.. يعني آه. صدري اتكتم إزاي؟! قعدت على طرف السرير وتفرك في قماش العباية لغاية ما عقل صوابعها ابيضت وهمست
مش عارفة ربنا راد بده إزاي في السن ده! بحلق لها وقولت ربنا يا ماما؟! دي مش معجزة.. في راجل ورا الموضوع ده.. مين الأب؟
عينيها اتملت دموع
بلاش رامي يعرف.. أرجوسكي يا نيرمين. هنا الخوف اتقلب ل رعب حقيقي في قلبي
ليه ميعرفش؟ ده ابنك! هزت راسها بسرعة وهستيريا
لو عرف دلوقتي.. هيهد البيت على اللي فيه! قالت هيهد كل حاجة.. مقالتش هيزعل ولا هيتكسف.. قالت هيهد!
قعدت قدامها والاختبار ده حاسه إنه بيحرق كف إيدي
هو مين يا ماما؟ غطت وشها بإيديها وفضلت تتهز من غير ما تطلع صوت.
شريط الأسابيع اللي فاتت مر قدام عينيا.. أصلها فجأة بقت مصممة تودي زياد الحضانة بنفسها.. وبقت ترجع متأخر وتقول كنت بصلي في السيدة عائشة.. وأنا شوفتها مرة حاطة كحل خفيف وريحة هادية رغم إنها مقربتش للحاجات دي من يوم ما حماي الحاج محمود فريد مات! وبقت تقفل موبايلها بباسورد، وتتزرزر لو رقم غريب اتصل!
وطيت صوتي
ماما، أنا مش قاضية عشان أحكم عليكي.. بس لو حامل، لازم نروح لدكتور. فجأة الخوف اتمسح من وشها وبقت ناشفة وقالت بحدة
مفيش دكاترة، ومفيش مستشفيات، ومحدش لازم يعرف حاجة واقفي على كده! بصيت لها وقولت
إنتي بتداري عليه؟ بتخميه؟ دارت وشها الناحية التانية.. والإجابة دي كانت كفاية أوي.
الجزء الثاني الفضيحة على السفيرة
على المغرب، رامي رجع من الشغل هلكان، ريحته تراب ومواصلات. شال زياد وباسه وسأل مال البيت هس هس كده ليه؟
الحاجة كريمة فضلت في المطبخ مديا السندة وموراية وشها.
كنت براقبهم.. جوزي بيضحك مع ابننا، وحماتي بتقلب الحلة بإيد ترعش.. وجوا البيت سر بنبض قلب!
وإحنا بناكل، رامي لاحظ إن أمه مأكلتش لقمة
جرى إيه يا امي؟ تاني؟ إنتي لازم تشوفي دكتور. المعلقة المعلقة وقعت من إيدها.. رنت على الطبق رنة خضت رامي. عقد حواجبه في إيه؟ قالت بسرعة مفيش.. شوية مغص.
بس زياد.. الواد البريء الصغير.. بص من فوق لقمة العيش وقال
تيتا راحت شافت العمو تاني النهارده يا بابا. الحركة ماتت في الصالة. ملامح حماتي اتخطفت.. رامي بص للواد
عمو مين يا زياد؟ الواد ابتسم العمو اللي بيقف جنب الحضانة.. وتيتا قالتلي متقولش لبابا. أنا حسيت إن قلبي وقف! رامي لف ببطء وبص لأمه
أمي؟
قامت وقفشت في الكرسي لدرجة إنه حك في الأرض وعمل صوت مزعج
العيال الصغيرة كلامهم كتير وبيهذوا! بس زياد كمل كلامه وبراءة الأطفال هتعمينا
هو أدا لتيتا ظرف أحمر.. وحط إيده على بطنها كده. رامي اتسمر في مكانه، وعينيه بقت ضلمة، وسأل بصوت غريب عمو مين ده؟ الواد فكر ثانية، وشاور بصابعه الصغير على الحيطة اللي في الطرقة
أهو.. اللي واقف في صورة بابا.
كلنا لفينا وبصينا.. دي كانت صورة قديمة متعلقة من يوم افتتاح شركة رامي الجديدة.. فيها رامي وأنا وحماتي، وتلات رجالة واقفين وراها.
الواد نزل من على الكرسي ومشي لغاية الصورة، ورفع إصبعه ولمس وش واحد فيهم!
حماتي صرخت لاااا!
بس رامي كان خلاص بيقرأ المكتوب.. بص للراجل، وبص لأمه، وبصلي.. وسحب البرواز من على الحيطة وهبده في الأرض.. من ورا البرواز وقع إيصال عيادة مطوي.. نزل تحت رجليه.
وطى رامي ببطء وشاله.. إيده كانت بتتفاض من الرعشة قبل ما الصدمة تظهر على وشه.
الإيصال كان مكتوب فيه اسم كريمة محمود، وتحت في خانة الزوج أو الشريك، كان في إمضاء باسم
محمود فريد.
اسم حماي الميت! اللي دافنينه بإيدينا من سنين!
الجزء الثالث الميت اللي بيمشي في الشارع
الشقة مكنش فيها صوت غير أنين المروحة.. الأكل بيغلي في المطبخ، وزياد واقف وفخور بنفسه إنه جاوب صح..
رامي همس مش ممكن.. لأ..
حماتي رجعت لورا وهي مخبية بطنها
يا رامي.. اسمعني.. بص لها.. مش نظرة ابن لأمه، دي نظرة راجل لست غريبة سرقت وش أمه
ليه اسم أبويا الميت مكتوب على إيصال عيادة نسا تخصك؟!
شفايفها اتهزت
هو مش… وسكتت.. بس الكلمة طلعت وفكت العقدة.. مش ميت!
ضربات قلبي كانت مسموعة من كتر الرعب.. حماي محمود فريد المفروض إنه مات قبل ما أتجوز رامي بسبع سنين.. دي الحكاية الرسمية للعيلة! جلطة وهو في مشوار شغل في المحافظات، واندفن هناك عشان الجو كان صبّار والأقارب مكنش
ينفع يستنوا..
أنا كنت كل عيد بمسح التراب من على صورته وبدعيله.. وأنا دلوقتي بكتشف إن الميت ده كان واقف من كام ساعة قدام حضانة ابني وبيلمس بطن حماتي!
صوت رامي طلع مخنوق ومكسور
مش إيه؟ انطقي! حماتي بدأت تعيط.. مش عياط وصويت، ده عياط ست جدارها الأخير اتهد
كنت هقولك يا بني. رامي ضحك ضحكة تقطع القلب
تقوليلي إمتى؟ لما البيبي يتولد ويقولي يا أبيه؟!
زياد استغرب وقال
بابا.. هي تيتا جابت بيبي؟ جريت عليه وشلته
ادخل أوضتك يا حبيبي دلوقتي.
عايز أشوف البيبي يا ماما.
قولت جوه يا زياد! صوتي طلع حامي فالواد اتخض.. زعلت عليه بس مكنش ينفع يسيب الواد يشوف اللحم وهو بيتلوى في الفضيحة دي.. دخلته وقفت الباب بالمفتاح.
لما رجعت، كان رامي ماسك الورقة كأنها سكينة
اتكلمي! حماتي قعدت على الكنبة، والطرحة البيضا وقعت من على راسها.. الست اللي كانت ممشية البيت بالمسطرة والذنب والصمت.. الست اللي كانت بتعد ورايا بهارات الأكل وتقولي العباية دي ضيقة وشرفنا غالي.. شرفها دلوقتي قعد في بطنها وبيطلب حساب!
همست أبوك ممتش.
وش رامي فضي من التعبير، وأنا سندت على ظهر الكرسي عشان مأقعش.
رامي سألها سابنا وهرب؟
هزت راسها
لأ.. أنا اللي طردته وقولتله مالكش عيش هنا. الصالة اتكتمت.. إيه؟!
بصت للحاج محمود اللي صورته قزازها اتكسر على الأرض
أبوك مكنش راجل طيب يا رامي.. إنت عبدت صورته لأن أنا اللي عملتله مقام في خيالك.. صنعتلك أب بطل وميت لأن الأب الحي كان قذارة وميتعاشرش!
أنا أول مرة في حياتي أسمعها بتتكلم كده.. مكنتش بتتكلم بغل، دي كانت بتقول حقائق ناشفة.
رامي رجع لورا أبويا كان راجل ليه هيبته واحترامه وسط الناس!
أبوك كان قماراتي وكداب ! باع دهبي كله وإنت عندك خمس سنين. . استلف بضمان اسمي…. ولما كنت بفتح بقي كان بيضربني في حتت يداريها قميص مدرستك عشان صحابك ميتعيروش بيا!
بق رامي اتفتح من الصدمة لأ..
آه يا رامي.
لأ! صرخ بأعلى صوته.. إنتي قولتيلي إنه مات وهو بيحبنا وفخور بيك!
قولت لعيل صغير اللي يخليه يكبر سوي وميتعقدش!
ودلوقتي؟ شاور على بطنها.. وإيه ده؟ ده برضه عشان نكبر سويين؟!
قامت قافلة عينيها وقالت بصوت مكسور
كنت وحيدة. الجملة نزلت زي الحجر.. جملة فيها ضعف وخطورة في نفس الوقت. حدق فيها رامي
وقابلتيه تاني؟
رجعلي من سنتين.
سنتين؟! صوته انشرخ.. بقالك سنتين بتقابليه من ورايا؟
كان عيان.. وحاله يصعب على الكافر.. وقال إنه تاب واتغير.
رامي مسك شعره بإيديه الاتنين
وخليتيه يقرب من ابني وزياد؟ اتنفضت وقالت عمره ما آذاه!
خليتيه يلمس ابني يا أمي!
ده جده يا رامي..
ده راجل إنتي قولتيلي إنه شبع موت!
الصرخة دي هزتها فنهارت وعيطت في إيديها
أنا غلطت.. غلطت. بصيت للاختبار اللي على الترابيزة وقولت بصوت واطي
لأ يا ماما.. الغلطة دي لما تنسي تحطي ملح في الطبيخ.. إنما دي حياة تانية كاملة موازية لحياتنا! وشها اتلوى من الكسوف.
وفجأة رامي لف وبصلي.. عيناه اتغيرت.. النظرة دي مش ليها، دي ليا أنا!
نيرمين.. إنتي اللي لقيتي البتاع ده الأول؟
آه.
ومقولتليش؟ نفسي اتكتم.. أهو.. ده الفعل المنعكس الجاهز في مجتمعنا؛ لما الحصيرة تترفع والحقيقة تبان، دور على أقرب ست ولمها على التوقيت!
بصيت في عينيه وقولت
أنا سألتها، وهي حبت على رجلي مقولكش لغاية ما نشوف دكتور ونفهم.
يعني كنتي بتداري عليها؟ زعقت فيه
أنا كنت بحاول أفهم الست اللي عندها 52 سنة دي حامل بجد، ولا عيانة، ولا في مصيبة فوق دماغها!
رمى الورقة على الترابيزة
وفهمتي إيه؟
فهمت إن كل واحد في البيت ده أستاذ في الاستغماية.. ومحدش بيعملي حساب! رجع لورا كأنه اتصفع.. ودي الحقيقة، حماتي خبت جوز حي، ورامي خبى غضبه ورا الطاعة العمياء، وأنا خبأت قرفي لسنوات تحت شعار أنا زوجة ابن أصيلة وبستحمل.
وفجأة.. جرس الباب رن.
الجزء الرابع الشبح على الباب
لفينا احنا التلاتة.. الجرس رن تاني.. وش حماتي بقى زي قشرة الرأس الرمادية وهمست بلاش.. متفتحش.
رامي بص لها هو؟
مردتش.
التر لثالث مرة رن.. زياد فتح باب الأوضة ماما في حد بره؟
زعقت جوه يا زياد! الخوف اللي في صوتي خلى الواد يعيط ويدخل.
رامي مشي بخطوات تقيلة وفتح الباب.
كان واقف بره.. راجل عجوز، أكبر من الصورة بكتير بس ملامحه هي هي.. شعر شايب، خدود واقعة، جلابية بيضاء، وعينين كوبي بيست من عيون رامي..
الحاج محمود فريد.. الميت الحي.. الزوج.. الأب.. الجد.. والسبب في إن كل حيطة في بيتي بقت حساها مش نضيفة!
رامي مكنش بيتحرك.. محمود ابتسم، مش ابتسامة حب، دي ابتسامة ثعلب حذر
يا رامي.. يا بني. وفجأة.. رامي هبده بونية في وشه! الموضوع حصل بسرعة لدرجة إني م صرختش إلا لما محمود وقع لورا وسند على الحيطة.. زياد بدأ يصوت من جوة الأوضة. محمود مسح الدم اللي نازل من شفته وبص لحماتي من فوق كتف رامي
إنتي قولتيله؟
رامي قفشه من جلابيته ودخله جوه
هي مقالتش.. إنت اللي رحت مضيت في عيادة النسا كأنك جوزها والطفل بتاعك! وش محمود اتغير وبصلي، وبعدين بص لبطن حماتي.. وفعل حاجة خلت جسمي يقشعر.. ابتسم! وقال تمام.. يبقى ملوش لزوم الاستخبية.. اللعب بقى على المكشوف.
حماتي كتمت بقها.. رامي زقه جوه وقفل الباب وراه بالترباس
إنت مت! رامي صرخ في وشه.. أنا عملتلك صوان وعزا وبكيت عليك، وأمي كانت بتخليني كل سنة أطلع صدقة على روحك! محمود بص لكريمة وقال
عملتيلي عزا كمان؟ ده إنتي طلعتي مخرج ودراما جامدة أوي!
رامي اتقدم عشان يضربه تاني بس أنا قفشت في دراعه
رامي! ابنك بيتفرج من ورا الباب! لفينا.. الواد كان باصص من الشق وبيعيط في صمت وحاطط إيديه على ودانه.. المنظر ده فرمل رامي، فسابه. أخذت زياد وقفلت الأوضة بالمفتاح وشلت المفتاح في جيبي عشان العيال الصغار ميتلوثوش بقرف الكبار.
لما رجعت، محمود كان قعد على الكنبة وحط رجل على رجل كأنه صاحب بيت أو جاي يسترد أملاكه.. بص في الصالة وقال
شقة مش بطالة.. ابني عرف يلم قرشين ويعمل قرش. رامي ضحك بمرارة ابنك؟!
أومال ابن مين؟ محمود اتسند لورا.. الدم مبيبقاش مية لمجرد إن أمك حرقت صورتي. حماتي همست وهي بتموت محمود.. أرجوك امشي من هنا. بص لبطنها وقال وأسيب ابني اللي جاي في السكة؟
وش رامي فضي تاني.. وأنا جالي غثيان.. كلمة ابني دي بتتردد عبر الأجيال.. الرجالة مبيسألوش الستات استحلوا إيه واستحملوا إيه، هما بس بيجوا يسألوا على اللي بيملكوه!
محمود طلع ورقة مطوية من جيبه وحطها على الترابيزة
أنا جاي في حق الله وبالأصول. رامي ملمسهاش إيه دي؟
إنذار ع يد محضر. حماتي بدأت تترعش ومحمود مبتسم.. رامي بدأ يقرأ بصوت واطي
حق إقامة في الشقة؟ ومصاريف ونفقة شهرية؟ محمود هز كتافه
أنا راجل كبرت في السن، وأمك عليها واجبات ناحيتي وشايلة اسمي.
بصيت لحماتي، وشها مكنش مرعوب وبس، ده كان وش ست فاقت على الحقيقة.. ده مش حب راجع.. ده نفس الراجل الوسخ بتاع زمان بس لابس لبس جديد!
محمود لف وبصلي
إنتي بقى مرات الابن؟ مقلوتش حاجة.. فابتسم وقال طب قومي اعمليلنا كوبايتين شاي. الصالة اتجمدت.. رامي عينيه شرزت، وحماتي همست بلاش يا محمود.. عقد حواجبه وقال إيه؟ في البيت ده مرات الابن مبيعملوش شاي للبلاد
ولا إيه؟
في
اللحظة دي، في حاجة جوايا.. حاجة كانت منية لسنوات تحت حكم وقوانين حماتي، وقفت واستقامت وقولت بصوت ناشف
لأ. بحلق فيا، فقربت منه خطوة
في البيت ده.. الأموات مبيؤمروش! رامي بصلي، ولأول مرة الليلة دي، شوفت في عينيه نظرة شكر وامتنان حقيقي.
وفي اللحظة دي.. تليفون رامي رن.. رقم غريب.. كان هيطنش بس أنا قولتله رد وافتح الاسبيكر فوراً.
جاء صوت ست
الأستاذ رامي محمود فريد؟
أيوه.. مين؟
أنا الدكتورة ألفت شاهين من عيادة الشروق للولادة.. أنا بتصل بخصوص حالة والدتك.. أرجوك متخليهاش تاخد أي دوا أو حبوب يجيبها الراجل اللي بيقول إنه جوزها!
حماتي شهقت، ومحمود وقف على رجليه إيه العبط ده!
الدكتورة كملت الحاجة كريمة جاتلنا الأسبوع اللي فات، التحاليل واختبار الحمل إيجابي فعلاً بس السونار مطلع بلاوي وتغيرات مش طبيعية.. مفيش نبض للجنين يا أستاذ رامي.
حماتي صرخت وقفت في الكرسي.. وفي الثانية دي، كل غضبي اتبخر وحل محله الشفقة.. الدكتورة كملت بحذر
الحمل ده مش حقيقي.. ده حالة طبية اسمها حمل عنقودي Molar Pregnancy.. ده ورم حميد بيفرز هرمونات بتخلي اختبار الحمل يطلع إيجابي ويدي أعراض حمل، بس هو ورم خطر جداً لو متعملوش عملية كحت وتنظيف فوراً.. والدتك محتاجة مستشفى حالا.
الصالة بقت زي القبر..
مش طفل.. مش معجزة.. مش ابن محمود!
ده مرض خطر وبيموت.
الجزء الخامس الستارة تنزل على الحقيقة
حماتي سقطت على الأرض.. جريت عليها من غير ما أفكر؛ كل كلامها اللادع، كل نفاقها، كل قهرها ليامبقاش ليه لازمة قدام وشها اللي بقى زي الأموات..
زعقت رامي! اطلب الإسعاف حالا!
محمود بدأ يتسحب ناحية الباب، بس رامي وقف في وشه
رايح فين؟ ملامح محمود اتغيرت، والمسكنة راحت ووشه بقى جاف وقال بقرف
يعني مفيش حمل؟ الشغلانة باظت؟ قولتله مفيش زفت.. ده مرض. بص لحماتي المرمية في الأرض، مش بنظرة حزن، دي نظرة واحد صفقة باظت في إيده
يعني كل الحوار ده على الفاضي ومفيش مصلحة؟
رامي بص للراجل ده.. وفي اللحظة دي، مات آخر جزء من الابن جواه.. مسك الإنذار القانوني ومزقه مية حتة ورماه في وشه
إنت جيت عشان تبتزنا بطفل مش موجود أصلاً! محمود تف على الأرض وقال باحتقار
أنا جيت لأن أمك وعدتني بقرشين ومساعدة لما تبيع نصيبها. حماتي بصتله والدموع مغرقة وشها
أنا قولت جيت عشان بتحبني وعايز تعوضني عن الأيام السودة. ضحك باستهزاء
يا كريمة.. في سننا ده.. الحب محتاج مصاريف صيانة وعمر مرتاحة!
القسوة كانت ريحتها طالعة في المكان.. رامي فتح الباب على آخره
برا.. ارمي جثتك بره! محمود ضيق عينيه إنت مش هتعرف تطرد أبوك. صوت رامي طلع هادي ومرعب
أبويا مات وشبع موت من سنين.. أنا دلوقتي بطلع جثة وسخة بره بيتي بس.
محمود رفع إيده كأنه هيضربه، بس لمحني ماسكة موبايلي وبصور فيديو.. وش الثعلب اتغير؛ أنا كنت طلعت الموبايل وصورت من غير ما أحس، يمكن لأن جزء مني اتعلم من كل ست ندمت إنها ممكتش دليل يثبت حقها.
محمود ابتسم بمرارة وقال هتلفوا وتيجوا تحت رجلي تاني.
قولتله المرة الجاية هنكون واقفين في القسم وبالمحضر.
وخرج ورزع الباب وراه.
الإسعاف جت بعد 12 دقيقة.. الجيران اللي كانوا بيتهمزوا زمان على طبيخي، كانوا واقفين في البلكونات يتفرجوا على الحاجة كريمة وهي شايلاها النقالة، وشها ضايع، ورامي شايل زياد على إيده وماسك إيصال العيادة في الإيد التانية.
في المستشفى، الأطباء عملوا العملية فوراً.. كحت وتنظيف ومتابعة عشان الورم ميتلبش لخلايا سرطانية. حماتي كانت بتعيط في صمت، مش عشان البيبي اللي طلع وهم، لا.. دي كانت بتعيط على مهانة رغبتها.. محدش قال كده علناً بس أنا كنت فاهمة؛ في سن ال 52، بعد سنين من ترمل كداب وقهر ووحدة لابسة ثوب الدين والحزم.. كانت عايزة تحس إنها ست مرغوبة ومحبوبة تاني.. والراجل اللي دمر زمان، رجع عشان يستغل الجوع ده في قلبها ويسرقها!
على الفجر، العملية خلصت وحالتها استقرت.. رامي كان قاعد في الممر وحاطط راسه بين يديه، وزياد نايم في حضني من التعب. بعد وقت طويل، رامي همس أنا آسف يا نيرمين.
بصيت له على إيه؟
عشان سألتك إذا كنتي بتداري عليها.. إنتي عشتي سنين في البيت ده بتتحاكمي من أمي، والنهاردة.. أنا بقيت شبهها وحاكمتك. الكلمات نزلت في قلبي.. هزيت راسي وقولت
متكررهاش تاني يا رامي.
مش هكررها.
الصبح، حماتي فاقت.. طلبت تشوفني أنا الأول.. مش رامي.. أنا!
دخلت لها لوحدي.. بدت صغيرة وضعيفة أوي على السرير؛ من غير العباية الشيك، من غير الغوايش الذهب، ومن غير ميدالية مفاتيح المطبخ اللي في وسطها.. بدت ست عادية الغُلب كاسرها والوهم ضاحك عليها.
همست يا نيرمين..
نعم يا ماما؟
أنا ظلمتك معايا كتير. وقفت وضامة إيدي قدامي بقوة وثبات
آه.. ظلمتيني. اتنفضت وقالت كنت بقسى عليكي وبحاسبك على الهوا.
آه.. حصل.
خليتك تحسي إنك متهمة في بيتك.
حصل. الدموع نزلت من عينيها على المخدة وقالت إنتي مش هتسامحيني النهاردة.. وده مكنش سؤال. قولت لها لأ.. مش هسامحك النهاردة. هزت راسها صح.. يبقى لازم أعيش كفاية عشان أستحق السماح ده بجد.
لأول مرة، حماتي متطلبش العطف أو المسكنة؛ قبلت النتيجة.. وده كان أول مسمار نضيف يدق في البيت ده.
رامي دخل ووقف جنب السرير.. فضلوا يبصوا لبعض كتير، وبعدين قال
خليتيني أعيش في كذبة وأعبد صنم. وشها اتمزع من العياط كنت فاكرة إني بحميك.
لأ، رامي قالها بنشافية.. إنتي كنتي بتحمي نفسك من كلام الناس والفضيحة. قالت آه. الاعتراف ده كسر رامي فعد وبكى في حضنها صامت.. وأنا خدت زياد وطلعت الممر؛ أصل في قعدات مينفعش يكون ليها شهود.
الجزء السادس الفم التاني للبيت المسكون
بعد تلات أيام رجعنا البيت.. البرواز المكسور كان لسه على السفرة، والشرخ قاسم وش محمود فريد نصين. حماتي طلبت من رامي يلم كل صور أبوه اللي متعلقة بالورد والآيات، ورامي عمل كده.. هادي.. واحدة ورا التانية.. جدران الصالة بقت عريانة.. بس بقت أنظف بكتير!
بعد أسبوع عملنا محضر رسمي في القسم بالنصب والابتزاز، والدكتورة ألفت بعتت شهادتها إن الراجل ده كان بيمنع المريضة من التحاليل عشان السبوبة تفضل قايمة لغاية ما تمضي على التنازلات.. حكاية وسخة من أولها لآخرها.. لا حب ولا نيل.. دي ورقة كانت مستنية ورا غفلة ست.
المحور القانوني مشي في السكة والتأجيلات.. الرجالة الصيع اللي زي محمود بيعرفوا يسيحوا بين التواريخ.. بس الحاجة اللي اتغيرت بسرعة كانت جوه البيت.
حماتي جابتلي مفاتيح المطبخ والشقة.. مأخدتهاش.. استغربت وقالت يا بنتي.. دي حاجتك.
قولت لها اسمي نيرمين.. خلي المفاتيح معاكي يا ماما، بس بلاش تلبسيها كأنها تاج ملك.
ابتسمت وسط دموعها مش عارفة هتعلم أكون ست تانية إزاي بالسرعة دي.
اتعلمي براحتك وببطء.. بس كوني تانية.
رامي بقى يرجع بدري.. بيقعد مع زياد في الواجب، بيطبخ فطار عكاك ويضحكنا، وبيطلب رأيي قبل ما يقرر أي حاجة.. ساعات بيفشل وساعات الطبع القديم يغلب، بس بقيت أشوف فيه راجل فهم إن البيت اللي مبني على الكدب بيتحول لبيت مسكون بالأشباح.
بعد شهر.. وأنا بروق أوضة حماتي وبشيل المرتبة عشان الشمس، لقيت ظرف قديم تاني متداري جوه قماش السرير.. مش جوابات حب ولا
صور.. دي وثائق
وشغل بنوك وشهادة ميلاد واحدة!
نديت على رامي.. حماتي لما شافت الورقة في إيدي وشها اتقلب
إيه ده يا ماما؟ شهادة الميلاد كانت من 28 سنة.. اسم الطفل رامي محمود فريد. الأب محمود فريد. الأم كريمة محمود.
بس الصدمة.. إن كان مع الشاهدة دي، شهادة تانية مدبوسة فيها.. نفس التاريخ.. نفس المستشفى.. طفل ذكر تاني خالص!
الأم مجهول.
الأب فارغ.
وفي كعب الشهادة من تحت، بخط إيد قديم وبهتان مكتوب
تمت عملية توأم.. وتم نقل الطفل الثاني بموجب الاتفاق.
الصالة بقت تلج.. رامي بحلق في الورقة وصوته تاه توأم؟! أنا ليا توأم؟
حماتي قعدت على السرير وشفايفها بتتحرك من غير صوت.. بصيت لها وقولت
ماما؟ المرة دي الكلمة طلعت بحق وحقيق من قلبي. غطت وشها وهتفت كنت فاكرة إنه مات.. قالولي مات بعد الولادة بساعة! وش رامي فضي من الدم هو مين اللي مات؟ ومين اللي عاش؟ بصت لابنها.. ابنها اللي حمته بالأكاذيب
أخوك التوأم يا رامي.
في الطرقة بره.. عربية زياد اللعبة خبطت في حلق الباب وعملت صوت كليك صغير.. صوت عادي من تفاصيل الحياة.. بس جوه الأوضة، البيت كان بيفتح فمه التاني عشان يطلع سر ألعن وأكبر!
وفهمت ساعتها إن في رجالة مش بس بتمشي وتسيب عيالها.. دول بيقسموا اللحم! بيبيعوا نص، ويطاردوا النص التاني، وبيرجعوا بعد سنين لما النص المدفون يبدأ يتنفس ويطالب بحقه!
حماتي بصتلي ودموعها كهارب نيرمين.. أرجوكي استري عليا..
لميت الأوراق دي كلها وحطيتها في شنطتي؛ أصلها لسنوات كانت بتقولي الشرف في الصمت.. والصمت هو اللي جابنا الأرض وخلى لحمنا يتباع!
وقولت بصوت ناشف ومفيتهوش رشة رعشة واحدة
لأ يا ماما.. المرة دي مفيش صمت.. المرة دي احنا اللي هندور عليه ونلاقيه.. قبل ما محمود يوصله ويبيعه تاني!
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *