تلات سنين 2

روماني مكرم

**الجزء الثالث**

الدنيا اسودت في عيني لثواني، لكن صرخة الممرضة وهي بتجري بأكياس الدم فوقتني. قمت من على الأرض زي المجنونة، مفيش في عقلي غير صورة “مالك” وهو بين إيدين ربنا.

آدم جري ورا الدكتور المساعد ومسكه من كتفه بعنف:

– “أنا أبوه! فصيلتي نفس فصيلته، خدوا مني دم.. خدوا أي حاجة بس الولد يعيش!”

الدكتور زق إيد آدم بعصبية:

– “يا فندم مش وقت كلام، إحنا بنتصرف، ادعوا له!”

ودخل وقفل الباب بالمفتاح من جوه. آدم سِند راسه على الباب الإزاز وبدأ يخبط عليه بإيده وهو بيبكي بنشيج مسمعتوش منه طول حياتي، ملامح الغرور والسيطرة اتمحت تماماً، وبقى مجرد راجل مكسور بيكتشف إن ابنه الوحيد بيموت بسببه.

في الوقت ده، ريم كانت قاعدة على الأرض في زاوية الممر، بتلم فستانها الأبيض اللي اتبهدل من تراب المستشفى، وبتعيط بهستيريا وتهمس:

– “يارب لأ.. لو مات بنتي هتموت.. جنى هتروح مني.”

قربت منها وأنا حاسة إن جوايا طاقة غضب لو طلعت هتحرق المكان. وقفت فوق راسها وبصيت لها بقرف:

– “إنتِ إيه؟ شيطانة؟ حتى في اللحظة دي مش فكرّ في طفل بريء بيموت؟ كل اللي هامك بنتك؟”

ريم رفعت راسها وبصت لي بعيون مليانة حقد وخوف في نفس الوقت:

– “أيوه همني بنتي! إنتِ جربتي يعني إيه ضناكِ يبقى بيموت قدام عينك؟”

ضحكت بوجع وقهرة والدموع مغرقة وشي:

– “أنا جربت؟ أنا عشت تلات سنين بموت في اليوم مية مرة! عشتهم لوحدي، بشتغل ليل نهار عشان أصرف على علاج ابني وأنا بسمع كلام الناس تلميحات وتجريح إني ‘ست ناقصة’ ومبتقدرش تخلف! عشت شايلة شيلت لوحدي في المستشفيات وأبوه عايش حياته بالطول والعرض ومفتكرش حتى يسأل عليا في المحكمة! وجاية تسأليني أنا جربت؟”

آدم لف وشه لينا، ودموعه نازلة على وشه، قرب مني بخطوات مرعوبة وحاول يمسك إيدي:

– “سماح.. أنا..”

قطعت كلامه وأنا بزق إيده بعيد عني وكأنه جمرة نار:

– “إياك تنطق اسمي! وإياك تلمسني! إنت مش أبوه.. إنت مجرد غريب، غريب رماني في الشارع عشان يرضي أمه، غريب مصدقش حتى عيني وأنا بحلف له إني مظلومة. ابنك مات بالنسبالك من تلات سنين يا آدم.. سيبنا في حالنا بقى!”

آدم انهار وقعد على ركبه قدامي:

– “والله ما كنت أعرف.. أمي قالت لي إنها شافت التحاليل بنفسها مع الدكتور.. أنا غبي، أنا اعمى.. بس بالله عليكِ ادعي له يعيش.. مش عشان جنى، عشاني أنا.. عشان ألحق أكفر عن ذنبي معاه.”

– “ذنبك مش هيتكفر يا آدم.. لو مالك حصله حاجة، أنا مش هسيبكم.. إنت وأمك وريم.”

وفجأة، طرقة المستشفى اتقلبت بصوت زعاق عالي وجري. بصينا لآخر الممر، لقينا حماتي السابقة “الحاجة نوال” داخلة بتجري، ولابسة الذهب في إيديها ووشها أصفر زي الليمون. أول ما شافت آدم على ركبه وريم على الأرض، جريت عليهم:

– “في إيه؟ ريم كلمتني وقالت لي إنكم في المستشفى والسر اتكشف.. آدم يا ابني، الولد حصله إيه؟”

آدم قام من على الأرض زي البركان، وبص لأمه بنظرة خلفت الرعب في قلبها. قرب منها وقال بصوت فحيح مرعب:

– “الولد اللي حرمتيني منه تلات سنين؟ الولد اللي خلتيني أطلق أمه وأرميها في الشارع بسبب كدبك وتزويرك؟ بيموت جوه يا أمي.. بيموت، وبنت ريم هتموت وراه لأن مفيش حد ينقذها غير أخوها اللي إنتِ قولتِ عليه مش موجود!”

الحاجة نوال حطت إيدها على صدرها وصوتت:

– “يا مصيبتي! بنتك جنى؟”

– “أيوه!” آدم صرخ في وشها: “ربنا جابنا لحد هنا عشان يورينا ذنب الغلبانة دي وهي بتخلص في عيالنا! لو مالك جرى له حاجة، لا إنتِ أمي ولا أعرفك ليوم الدين!”

الست رجعت لورا وهي مصدومة، وبصت لي بنظرة مكسورة، لكن مكنش في قلبي ليها ذرة رحمة.

في اللحظة دي، باب غرفة العمليات اتفتح ببطء.. وخرج الدكتور الكبير، وشه كان شاحب وعرقان، وقلع الكمامة من على وشه وهو بيتنهد تنهيدة طويلة.

كلنا جرينا عليه في نفس اللحظة.. آدم، وأنا، وريم، وأمه.

أنا مسكت في بالطو الدكتور وأنا برتعش:

– “طمني يا دكتور.. ابني مالك عايش؟”

الدكتور بص لنا كلنا، وبص لريم وآدم بامتغاض كأنه عارف القصة، وبعدين وجه كلامه ليا أنا:

– “العملية كانت حرجة جداً، والقلب وقف مرتين.. إحنا عملنا معجزة عشان نرجعه.. الولد حالياً هيتنقل العناية المركزة تحت الملاحظة لـ 48 ساعة الجايين.. المرحلة دي هي اللي هتحدد كل حاجة.”

ريم قامت بسرعة وسألت بلهفة وأنانية واضحة:

– “يعني ينفع ناخد منه عينة خلايا دلوقتي لبنتي؟ بنتي بتموت يا دكتور!”

الدكتور بص لريم بنظرة احتقار شديدة وقالها بصوت حاد:

– “عينة إيه اللي تاخديها من طفل طالع من عملية قلب مفتوح وبيموت؟ الطفل ده لو اتعرض لأي خدش أو إجهاد حالياً هيموت في ثواني! أنتوا إيه مفيش في قلوبكم رحمة؟”

الدكتور سابنا ومشى، والممرضين بدأوا يخرجوا بـ “مالك” وهو متغطي بالكامل ومش باين منه غير وشه الأبيض الشاحب وخراطيم الأجهزة محوطاه. جريت وراه وأنا ببكي وببوس إيده الصغيرة الباردة.

آدم حاول ييجي ورايا، لكن وقفت وبصيت له وبصيت لريم وأمه وقولت لآدم بجفاء:

– “متقربش من ابني.. ودلوقتي حالا هتمضي لي على إقرار وتنازل رسمي إن مالك ملوش أي صلة بيك، عشان لما يقوم بالسلامة، ملمحش وشك ولا وش عيلتك تاني.”

ريم وقفت في طريقي وبصت لي بعيون شريرة وقالت:

– “تنازل إيه يا حبيبتي؟ إنتِ فاكرة الموضوع بإيدك؟ مالك ده هو اللي هيشفي بنتي، ورجله فوق رقبته هيتبرع لها.. وآدم مش هيتنازل عن ابنه اللي من صلبه!”

آدم بص لريم وقالها بغضب:

– “اسكتي خالص يا ريم!”

لكن ريم ضحكت بمرارة وقالت جملة وقعت علينا كلنا زي الصاعقة:

– “مش هسكت يا آدم.. وسماح لازم توافق غصب عنها.. لأن لو مالك متبرعش لجنى، أنا هكشف السر التاني اللي هيدمركم كلكم.. السر اللي يخص مالك ونسبه الحقيقي!”

الممر كله سكت، وأنا حسيت إن الدم اتجمد في عروقي.. ريم تقصد إيه؟ وإيه السر التاني اللي مخبياه؟

**الجزء الرابع**

الكلمة طلعت من بق ريم زي السّم، والممر كله اتقلب لكتلة من الجمود. الممرضين كملوا طريقهم بـ “مالك” لغرفة العناية المركزة، وأنا كنت واقفة مكاني، حاسة إن أطرافي تلتجت، وعيني مثبتة على ريم اللي كانت واقفة ومبتسمة ابتسامة نصر خبيثة وسط دموعها ومكياجها السايح.

آدم قرب منها وعينيه بتطق شرار، مسكها من دراعها وعصرّه في إيده:

– “سر إيه ونسب إيه يا زبالة إنتِ؟! إنتِ اتهبلتي في مخك؟ الولد ابن مين؟!”

ريم زقت إيده بقوة وصرخت في وشه:

– “ابنك يا آدم! ابنك من صلبك متخافش.. بس السر مش في هو ابن مين، السر في مين اللي كان عارف ومخبي، ومين اللي رتب لكل ده من البداية!”

التفتت ريم وبصت للحاجة نوال (حماتي السابقة) اللي وشها اتقلب لألوان، وبدأت تترعش لدرجة إن الشنطة وقعت من إيدها على الأرض. ريم شاورت عليها بصباعها وقالت بصوت عالي سمعه كل اللي واقفين:

– “الحكاية مش إني أنا وأمتك زورنا التحاليل وبس يا آدم.. الحكاية إن أمتك كانت عارفة إن سماح حامل من قبل ما تطردها بشنطة هدومها من البيت!”

آدم لف لأمه ببطء شديد، ملامحه كانت مرعبة، صوته طلع مخنوق ومكسور وهو بيقول:

– “أمي؟ الكلام ده صح؟”

الحاجة نوال بلعت ريقها وبدأت تتلعثم:

– “كدابة! البت دي كدابة وعايزة تخرب بيتك وتوقع بيني وبينك عشان تداري على عملتها!”

– “أنا مش كدابة!” ريم زعقت وقربت مني ومن آدم: “فاكر يا آدم يوم ما جيت من الشغل ولقيت أمتك بتصوت وتقولك إن سماح لسه جاية من بره ومعاها راجل غريب، وإنها خانتك؟ فاكر اليوم ده اللي طردت فيه سماح من غير ما تسمعها؟”

الذكرى دي مرت قدام عيني زي الخنجر.. اليوم اللي اترميت فيه في الشارع بالليل بتهمة شرف أنا بريئة منها، وأبوه مصدقش دموعي ولا حلفاني على المصحف.

ريم كملت كلامها وعينها في عين الحاجة نوال:

– “الراجل الغريب ده كان الدكتور الصيدلي اللي في آخر الشارع! سماح كانت دايخة وتعبانة، ووقعت في السوبر ماركت اللي تحت، فهو كتر خيره سندها وطلعها الشقة، وأمتك فتحت الباب وشافته.. ولما الراجل نزل، أمتك دخلت ورا سماح الحمام ولقت اختبار الحمل الإيجابي في الزبالة! عرفت إنها حامل.. وبدل ما تفرح، خافت! خافت إن سماح تثبت رجليها في البيت والولد يربطك بيها طول العمر وأمتك تفقِد سيطرتها عليك وعلى فلوسك!”

آدم كان بيسمع الكلام وجسمه كله بيترعش، التفت لأمه وزعق بصوت هز جدران المستشفى:

– “عملتي كده يا أمي؟! بعتي شرف امرأتي ورميتي ابني في الشارع عشان السيطرة والفلوس؟! ردي علياااا!”

الحاجة نوال قعدت على أقرب كرسي وبدأت تعيط وتلطم على وشها:

– “كنت عايزالك الأحسن يا ابني! البت دي مكنتش بتسمع كلامي، مكنتش بتديني فلوس من شغلها، كانت هتاخدك مني! ريم بنت خالك وأولى بيك وبخيرك!”

أنا في اللحظة دي مكنتش قادرة أنطق.. دموعي كانت بتنزل صامتة، قهر السنين كله اتجمع في صدري. بصيت لآدم وقولتله بصوت مكسور ومبحوح:

– “عرفت طردتني ليه؟ عرفت إنك مش راجل عشان مصدقتش مرأتك ومشيت ورا كلام أمتك؟”

آدم غطى وشه بإيديه وبدأ يبكي زي العيل الصغير، القلم كان قوي وصعب.. اكتشف إن أمه اللي ياما حلف بحياتها هي الشيطان اللي دمر حياته وحياة ابنه.

ريم انتهزت الفرصة وقربت مني، وقالت بنبرة تهديد واضحة:

– “ودلوقتي يا سماح.. اللعِبة بقت على المكشوف. أنا معايا ورق يثبت إن الحاجة نوال زورِت ومضِت على اتهام باطل ضدك في القسم يومها وشيلته معايا عشان أكسر عينها بيه لو فكرت تقلب آدم عليا في يوم من الأيام! الورق ده، مع التحاليل المزورة، كفيل يسجن أمتك يا آدم بتهمة التزوير والقذف والتشهير.. والحل الوحيد عشان الورق ده ميروحش للنيابة، وعشان بنتي جنى تعيش.. إنك توافقي يا سماح إن مالك يتبرع لخلايا جذعية لبنتي أول ما يفوق.. وإلا، هفضح العيلة كلها وهسجن الحاجة نوال، وهخلي اسم ابنك يتردد في المحاكم!”

آدم رفع راسه وبص لريم بغل:

– “إنتِ بتهدديني بأمي يا ريم؟!”

– “بأمتك وبنتك وبابنك يا آدم! أنا معنديش حاجة أخسرها.. بنتي بتموت!”

وقفت وسطهم، وبصيت لغرفة العناية المركزة اللي فيها “مالك” بين الحيا والموت، وبصيت لريم والورق اللي بتهدد بيه، وبصيت لحماتي اللي قاعدة مرعوبة من السجن، وآدم اللي انهار تماماً.

حسيت إن الكابوس الحقيقي مش في الماضي.. الكابوس في الـ 48 ساعة الجايين، لو مالك فاق.. هضحي بابني وأخليه يتبرع لبنت الست اللي دمرت حياتي عشان أنقذ حماتي من السجن؟ ولا هسيب الكل يتحرق، حتى لو التمن إن بنة مالك من الأب تموت؟

وفجأة.. الباب بتاع العناية المركزة اتفتح، والممرضة خرجت بتجري وهي بتصرخ:

– “دكتور! دكتور بسرعة! حالة الطفل مالك بتتدهور، النبض وقف تماماً!”

حسيت إن روحي بتتسحب مني، وجريت على الباب والإزاز والكل جري ورايا.. والأسئلة اللي جاية مرعبة أكتر من اللي فات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *