دمر جوز بنته حكايان صافي هاني
“بنتي كانت بتموت في غرفة العمليات، وجوزها كان بيرفع كاسه على يخت مع واحدة تانية. عشان كده، عملت تليفون واحد بس، خليته على الحديدة، ومحيلتوش اللضا.”
دي كانت أول كلمات قالها الحاج إسماعيل العقاد أول ما دخل مستشفى السلام في شرم الشيخ. قميصه كان مكرمش، وعينيه حمرا دم، وصوته كان بارد لدرجة إن موظفة الاستقبال إيديها وقفت على الكيبورد ومبقتش قادرة تكتب.
الساعة كانت 11:42 بالليل، وبنته الوحيدة، شاهندة العقاد، كانت في أوضة العمليات بين الحيا والموت. بنت عندها 34 سنة، عيشتها كانت حسد للناس كلها، وجوازها الكل كان فاكر إنه مثالي. في مجلات المجتمع الراقي، كانت هي الوريثة الهادية لواحدة من أكبر عائلات البيزنس في المنصورة. أما بالنسبة لإسماعيل، فكانت لسه بنته الصغيرة اللي بتنام وهي حاضنة جاكتته لما يرجع البيت متأخر من الشركة.
بس الليلة دي، شاهندة مكنتش قادرة تنطق بكلمة.
كانت متوصلة بأجهزة، وشها مخطوف، وراسها متبنجة بالكامل، وفي كدمات في جسمها محدش عارف يلاقي لها تفسير منطقي.
التقرير المبدئي كان بيقول:
“وقعت من على السلم قضاء وقدر.”
إسماعيل مأمنش ولا بكلمة واحدة من دي.
بص حواليه في السيب، ممرضات، دكاترة، أمن، وقرايب، وناس بتعيط في صمت. بس كان في شخص واحد ناقص.
ماجد الشرقاوي.
الزوج.
الراجل اللي حلف إنه هيصونها ويحبها في فرحهم الأسطوري اللي اتعمل في الجونة. الراجل اللي عيط قدام الكل وهو بيوعد إنه هيشيلها في عينيه “لآخر يوم في عمره”. نفس الراجل اللي إسماعيل عمره ما ارتاح له، بس استحمله وعداهاله بس عشان خاطر بنته بتحبه.
”فين ماجد؟” إسماعيل سأل.
الممرضة نزلت عينيها في الأرض.
الحركة دي لوحدها كانت كفاية تفهمه كل حاجة.
ردت بحذر: “قال إنه محتاج يخرج يصلي ويدعيلها.. قال إنه مش قادر يستحمل يشوفها بالمنظر ده.”
إسماعيل لف راسه بالراحة وبص لها: “يصلي؟”
”هو قال كده.. قال إنه رايح مصلى المستشفى يطلب من ربنا ينجيها.”
إسماعيل مضحكش، بس ملامح وشه اتخشبت.
ماجد الشرقاوي عمره ما كان بتاع ربنا ولا صلاة، حتى لو الكاميرات بتصور. ده راجل بتاع بديل تفصيل، وابتسامات صفرا، وبرفانات غالية، ونفس رخيصة. دخل حياة شاهندة بالورد، والورد البلدي، وكلام عن الرضا والشهامة عمره ما دخل على إسماعيل.
بس شاهندة صدقته.
وعشان إسماعيل بيعشق بنته، رجع خطوة لورا. اشترالهم فيلا في شرم الشيخ، سلف ماجد فلوس لشركته الاستثمارية، سدد له ديون ماجد كان بيسميها “أزمات مؤقتة”، وحققلهم حلمهم واشترالهم يخت في عيد جوازهم الثالث.
شاهندة كانت مسمياه “نور شاهندة”.
ودلوقتي هي بين الحيا والموت.
وماجد المفروض إنه بيصلي.
إسماعيل طلع موبايله وطلبه.
ماجد رد على الرنة الرابعة.
صوته كان طالع مكسور ومتدرب عليه كويس أوي: “عمي.. أنا اتهديت، مش قادر أقف على رجلي.”
بس كان في صوت مزيكا في الخلفية.
ومكنتش مزيكا جامع ولا مصلى.
دي كانت أغاني مهرجانات وهياص، وصوت ضحك، وخبط كاسات.. وصوت ست بتزعق وهي بتضحك.
إسماعيل قال بصوت حاد: “أنا في المستشفى.. والكرسي اللي جنب بنتي فاضي. أنت فين؟”
ماجد رد بسرعة: “في المصلى.. راكع وبدعي ربنا يشفي شاهندة.. مكنتش قادر أشوف الخراطيم والأجهزة متوصلة بيها، كنت بموت من جوايا.”
في اللحظة دي، طلعت ضحكة ست واضحة وصريحة جنبه بالملي.
إسماعيل غمض عينيه.
وقال: “خليك مكانك.. كمل دعا.”
وقفل السكة.
جنبه كان طارق، رئيس حرس الخصوصي، ماسك التابلت في إيده.
أمره إسماعيل: “هاتهولي.”
طارق مأخدش أكتر من تلاتين ثانية.
”مش في المصلى يا فندم، ده في المارينا بتاعة شرم الشيخ.. على اليخت.”
إسماعيل بحلق في النقطة الزرقا اللي بتنور وتطفي على الشاشة.
”لوحده؟”
”لا.. في حفلة، بتاع عشرين واحد.. مزيكا وبوفيه وخمور.. ومعاه ست.”
في نفس اللحظة دي، دكتور جراحة المخ والأعصاب خرج يجري على الممر.
”يا إسماعيل بيه، لازم نعمل العملية حالا. ضغط المخ عند بنتك بيزيد، لو استنينا أكتر من كده، الضرر هيبقى ملوش علاج.”
إسماعيل قال: “ادخل اعمل العملية.”
الدكتور أخد نفس طويل: “محتاجين إمضاء جوزها.. الأستاذ ماجد كلمنا من عشر دقايق وطلب نوقف أي إجراء لحد ما يرجع يكلم المحامي بتاعه.. قال عايز يدرس نسبة المخاطرة.”
الدنيا كلها اسودت وصوتها هدي في ثانية.
إسماعيل فهم الفيلم كله في لحظتها.
ماجد مش بيهرب من الوجع.
ده بيكسب وقت.
عايز شاهندة تموت.
إسماعيل سأل: “قدامها وقت قد إيه؟”
”أقل من ساعة.”
إسماعيل طلع قلم فضة من جيبه.
”هات الورق.”
”بس قانونا…”
إسماعيل بص له بنظرة البرود اللي هزت بنوك ورجال أعمال وأعداء على مدار أربعين سنة.
”يا دكتور، بنتي مش هتموت عشان حتة عيل خسيس لابس دبلة مستني يصرف بوليسة التأمين. جهز أوضة العمليات، أنا هإمضي وهدفع وأتحمل مسؤولية أي حاجة.”
وهم بيزقوا ترولي شاهندة لغرفة العمليات، إسماعيل عمل تليفون.
”متر رفعت،” قال أول ما رد. “اصحى.”
”إسماعيل بيه! خير في إيه؟”
”شغل بروتوكول الإبادة.”
الناحية التانية سكتت شوية.
”ضد مين؟”
”ماجد الشرقاوي. احجز على حساباته، اشتري ديونه، فتش في أملاكه، قروضه، عربياته، اليخت.. كل حاجة. قبل الفجر ما يدن، عايز أكون أنا الدائن الوحيد والمالك لكل نفس بيتنفسه البني آدم ده.”
المحامي أخد نفس مكتوم: “دي هتبقى حرب دمار شامل يا بيه.”
إسماعيل بص لباب أوضة العمليات وهو بيقفل.
”لا.. ده العدل.”
وفي الوقت اللي كان ماجد بيبوس فيه واحدة تانية على اليخت اللي إسماعيل دافع تمنه، مكنش عنده أدنى فكرة إن الراجل اللي غدر بيه لسه قفل تليفون هيمسحه من على وش الأرض
بينما كانت شاهندة بتصارع الموت جوه، والمشرط بيحاول ينقذ اللي باقي من حياتها، كانت مكالمة الحاج إسماعيل بتلف المحاكم والبنوك والشهر العقاري في المحافظة كلها زي الإعصار.
ساعتين اتنين بس كانوا كفاية.
المتر رفعت مكنش مجرد محامي، ده كان غول قانوني، ومعاه توكيلات مفتوحة من إسماعيل العقاد تقلب موازين السوق في دقايق. كلم رئيس مجلس إدارة البنك اللي ماجد واخد منه قرض الفيلا، وبشيك واحد مقبول الدفع، العقاد اشترى المديونية بالكامل. كلم أصحاب شركات الاستيراد اللي ماجد مديون لهم بضاعة، وخلص حساباتهم، وبقت الشيكات اللي على ماجد كلها في جيب إسماعيل. حتى معرض العربيات اللي ماجد قسط منه عربيته الفارهة، العقاد دفع باقيت ثمنها وكاش، وبقى هو صاحب الوصلات.
على اليخت، الساعة كانت قربت على تلاتة الفجر.
المزيكا كانت لسه عالية، وماجد واقف وسطه بيبتسم بكبرياء، ماسك كاسه في إيد، والإيد التانية على وسط البنت اللي معاه، وهو بيقنع نفسه إن شاهندة خلاص بتودع، وإن الملايين والشركات واليخت ده كله هيبقى ملكه رسمي الصبح.
وفجأة، المزيكا قطعت.
الأنوار اللي منورة اليخت كلها طفت، وظهر كشاف حراسة قوي جاي من مركب أمن تابعة للمارينا بتتحرك بسرعة ناحيتهم، ومعاهم مركب تانية أصغر.
ماجد اتعصب وزعق: “في إيه يا فندم؟ مين اللي طفى النور؟ أنت مش عارف ده يخت مين؟”
أمن المارينا قربوا، ونزل منهم راجل لابس بدلة رسمية ومعاه اتنين عساكر، وبص لماجد ببرود: “عارفين يا فندم. ده يخت الحاج إسماعيل العقاد، وإحنا معانا أمر رسمي بالتحفظ عليه وإخلائه حالا.”
ماجد ضحك باستهزاء: “أنت مجنون؟ اليخت ده بتاعي، باسمي!”
الراجل طلع ورقة رسمية ومختومة: “كان باسمك لحد من ساعة فاتوا. تم الحجز التحفظي عليه وعلى كل ممتلكاتك بناءً على طلب الدائن الأوحد ليك.. الحاج إسماعيل العقاد، بسبب شيكات بدون رصيد وإعلان إفلاس وامتناع عن دفع الديون. اتفضلوا كلكم اخلوا المركب حالا، وإلا هتبقى مقاومة سلطات.”
الناس اللي في الحفلة بدأوا يتوشوشوا، والبنت اللي كانت معاه بعدت عنه خطوتين وبصت له بقرف. ماجد وشه جاب مية لون، طلع موبايله وهو إيده بترتعش عشان يكلم محاميه.
أول ما المحامي رد، صوته كان مرعوب: “لحقتني يا ماجد؟ أنا لسه كنت هكلمك! أنت عملت إيه في دنيتك؟ إسماعيل العقاد حجز على كل حاجة.. حساباتك في البنوك اتجمدت، الفيلا اتباعت له رسمي لأنك متأخر في الأقساط وهو اشترى عقد القرض، وعربيتك عليها أمر ضبط وإحضار.. أنت حرفيا معندكش ملا مليم في جيبك، وممنوع من السفر!”
الموبايل وقع من إيد ماجد على أرضية اليخت الخشب.
بص حواليه لقى الناس كلها بتنزل من اليخت وتسيبه لوحده. البنت اللي كان فاكرها بتحبه مشيت ومبصتلوش وراها حتى. الأمن قفلوا الأبواب بجنازير وقفل كبير، ورموا له شنطة هدومه الصغيرة على الرصيف.
وقف ماجد في المارينا، بالبدلة الإيطالي الغالية اللي ريحتها بقت تراب، حافي من غير حتى جزمة، ومحيلتوش جنيه واحد يركب بيه تاكسي.
في نفس اللحظة، في مستشفى السلام، باب أوضة العمليات اتفتح.
الدكتور خرج وهو بينهج، قلع الكمامة وبص للحاج إسماعيل اللي كان واقف زي الجبل متهزش. الدكتور ابتسم بتعب وقال: “الحمد لله يا إسماعيل بيه.. عدينا مرحلة الخطر. شاهندة بنتوتك قوية، والضغط رجع لطبيعته. هتقعد في العناية كام يوم، بس هتعيش.”
إسماعيل أخد نفس طويل، لأول مرة من ساعات، وعينيه دمعت.
بص من شباك المستشفى على الفجر وهو بيشقشق، وطلع موبايله وبعت رسالة قصيرة لرقم ماجد:
”بنتي عاشت.. وأنت خلاص دفنت نفسك بالحيا. اجهز بقى، عشان السجن مستنيك.”
ماجد لما قرأ الرسالة، الرعب جرى في عروقه. الموبايل في إيده كان بيفصل شحن، ومبقاش فاضل فيه غير 1%، كأن الموبايل نفسه بيعلن نهايته. لقى نفسه لوحده في ضلمة المارينا، الجو برد، والناس اللي كانوا من ثواني بيطبلوا له اختفوا كأن الأرض انشقت وبلعتهم.
بقى ماشي في الشارع زي المجنون، البدلة الشيك اتبهدلت، وعينيه بقت تزيغ يمين وشمال. حاول يوقف تاكسي، أول تاكسي وقف له، ماجد مد إيده في جيبه يفتح محفظته، لقى الكروت كلها مالهاش أي لزمة، ولا حتى معاه خمسين جنيه كاش يديها للسواق. السواق بص لمنظره المتبهدل وقاله بقرف: “على الله يا باين، مش ناقصة مجانين على الصبح”، وداس بنزين وسابه في وسط التراب.
مع أول ضوء للشمس، كان ماجد وصل قدام الفيلا بتاعته في شرم الشيخ مشي على رجليه. كان عنده أمل أخير إن يكون في خزنة صغيرة فيها شوية فلوس كاش أو دهب لشاهندة يقدر يهرب بيهم برة البلد.
لكن الصدمة كانت واقفه مستنياه على الباب.
عربيتين بوكس شرطة واقفين، ومعاهم طارق، رئيس حرس الحاج إسماعيل، والمارشال القضائي. أول ما ماجد قرب، العساكر قفشوه من قفاه وثبتوه.
ماجد صرخ بوجع وغل: “أنتم بتعملوا إيه؟ دي فيلتي! أنا هوديكم في داهية!”
طارق قرب منه بكل برود، وتف سيجارته على الأرض وقال له: “فيلتك إيه يا حيلتها؟ الفيلا دي من ساعتين بقت ملك شركة العقاد للمقاولات. وأنت مطلوب القبض عليك حالا بتهمة الشروع في قتل مدام شاهندة العقاد، بناءً على شهادة دكتور المستشفى اللي أثبت إنك حاولت تعطيل عملية إنقاذ حياتها عشان تصرف بوليسة التأمين، ده غير بلاغات النصب وشيكات السايحة اللي مأخرها.”
ماجد وشه بقى أزرق، وبدأ يصرخ زي الحريم: “أنا جوزها! أنا ماليش دعوة! هي اللي وقعت من على السلم!”
الضابط كلبشه ورمى في البوكس وقال للعساكر: “خده يا ابني على القسم، وخليه يكمل صياح هناك.”
بعد مرور شهر كامل…
المكان اتغير تمامًا. مستشفى السلام في شرم الشيخ، الشمس داخلة من الشباك منورة الأوضة.
شاهندة كانت قاعدة على السرير، وشها رجعت له الروح، ورغم إن كان لسه في أثر بسيط للجروح، بس عينيها كانت بتلمع بالقوة. كانت ماسكة في إيدها ورق قضية الخلع اللي رفعتها، وبإيدها التانية كانت حاضنة إيد أبوها.
الحاج إسماعيل كان قاعد جنبها، لابس جلابيته الصعيدي البيضا الهيبة، وبيقشر لها برتقانة ويفصصها لها حتة حتة، كأنها لسه بنته الصغيرة اللي عندها سبع سنين.
شاهندة بصت لأبوها وقالت بصوت هادي بس مليان ممتنة: “أنا أسفة يا بابا.. أسفة إني مسمعتش كلامك من الأول، وصدقت المظاهر.”
إسماعيل ساب البرتقانة من إيده، وطبطب على راسها وحاسب على شعرها وقال لها بحنان يهز الجبال: “تتأسفي على إيه يا قلب أبوكي؟ طول ما فيا نفس بيطلع وينزل، مفيش كلب في الدنيا يقدر يكسر لك جفن، ولا يلمس شعرة منك. أنتِ العقاد.. والعقاد لما يقع، بيقوم أقوى من الأول.”
في نفس اللحظة، في حجز ترحيلات سجن طرة…
كان ماجد قاعد في ركن الضلمة، لابس جلابية السجن البيضا المقلمة اللي بقت واسعة عليه من الهم والجوع. شعره نكش، ودقنه طولت، وريحة البرفان الغالي اتنست وبقت ريحته عرق وتراب.
كان قاعد وسط المجرمين والمسجلين خطر، ومفيش في إيده غير كوز مية صاج بيشرب منه وهو باصص للأرض، وعارف إن قدامه 15 سنة سجن مش هيشوف فيهم الشمس، وكل ده بسبب مكالمة واحدة من راجل عرف يحمي بنته ويدوس على اللي خانها بجزمة قديمة.
مرت سنتين كاملين على اليوم ده.
شرم الشيخ لسه منورة وشمسها دافية، وفي مارينا اليخوت، اليخت اللي كان زمان اسمه “نور شاهندة” اتغير وبقى مكتوب عليه بحروف دهب كبيرة بتلمع: “بنت العقاد”. اليخت بقى نضيف وزي الفل، ومبقاش يدخله أشكال ضالة ولا كاسات وخيانة، بقى ملك صاحبتها الحقيقية.
على سطح اليخت، كانت شاهندة واقفة سانة إيديها على السور، الهوا بيطير شعرها، ولابسة فستان أبيض رقيق، ووشها راجعاله صحته وضحكته الصافية. مبقتش شاهندة الضعيفة المكسورة اللي بتصدق أي كلمتين حلوين؛ التجربة صقلتها وخليتها تمسك شغل أبوها وتديره بذكاء حديدي، لدرجة إن السوق كله بقى يعمل لها ألف حساب ويقولوا: “الحية خلفت تعبان.. دي بنت إسماعيل العقاد.”
أبوها كان واقف وراها، باصص لها بفخر وهو بيشرب قهوته الصبح. قرب منها وطبطب على كتفها: “جاهزة يا سيادة المستثمرة؟ الوفد الأجنبي مستنينا في الشركة عشان نمضي عقد القرية السياحية الجديدة.”
شاهندة لفت وبسته على راسه: “جاهزة يا بابا.. طول ما أنت ظهري وسندي، أنا مبقاش عندي حاجة أخاف منها.”
في نفس اللحظة، وعلى بعد مئات الكيلومترات…
في ورشة النجارة التابعة لسجن طرة، كانت الشمس حامية وحارقة. ماجد كان واقف ضهره مقوس، شايل لوح خشب تقيل على كتافه، وعرقان وجلابية السجن زرقا ومبقعه بالتراب والنشارة. إيديه الناعمة اللي كانت زمان مبتشيلش غير الكاسات وقلم التوقيع، بقت متشققة ومتبهدلة ومليانة جروح من الخشب.
”أخلص يا مسجون منك ليه! ورانا تسليم طلبيات!” صرخ العسكري وهو بيخبط بالعصاية على التربيزة.
ماجد نزل لوح الخشب وهو بينهج، وقعد على الأرض في ركن ضلمة بياخد نفسه. بص لإيديه المتبهدلة، واهتك عينه في الأرض وهو بيفتكر الأيام اللي كان عايش فيها ملك، بيصرف من فلوس البنت اللي خانها وسابها تموت. افتكر الحفلات، البرفانات، اليخت، والفيلا… كل حاجة راحت في ثانية، وبقى مجرد رقم في دفتر السجن، ملوش قيمة ولا حد بيسأل عليه، حتى أهله اتبيروا منه بعد الفضيحة.
سمع اتنين مساجين جنبه بيتكلموا وباصين على جرنال قديم: “شوف يا عم الحج إسماعيل العقاد وبنته كسبوا مناقصة بمليار جنيه في شرم الشيخ.. ناس ليها الحظ وناس ليها الحجز.”
ماجد غمض عينيه ودمعة حارقة نزلت على خده، اختلطت بتراب الورشة. لقى نفسه بيفتكر الكلمة اللي قالها له إسماعيل العقاد في التليفون ودايما بترن في ودنه كل ليلة قبل ما ينام: “خليك مكانك.. كمل دعا.”
عرف ساعتها إن الدعا مبينفعش الخاين، وإن المكالمة اللي استهتر بيها زمان، كانت هي الرصاصة اللي رحتمه من الدنيا وهو لسه عايش بيتنفس.
مرت خمس سنين كمان، وبقت الحكاية دي سيرة تتروى في مجالس البيزنس كأكبر درس في سوق المحاماة والقضاء، وعن غضبة الأب اللي مبتستحملش خدش في كرامة بنته.
في ليلة صيفية زحمة في القاهرة، كان في حفلة تكريم ضخمة في أحد أكبر الفنادق المطلة على النيل. الحفلة كانت معمولة للإعلان عن أهم سيدة أعمال في الشرق الأوسط لسنة 2026.
الأنوار اتوجهت كلها ناحية الباب، والمذيع أعلن بالمايك: “ونرحب بسيدة الأعمال، رئيسة مجموعة العقاد الاستثمارية.. مدام شاهندة العقاد!”
دخلت شاهندة، هيبتها تسبق خطوتها، لابسة بدلة رسمية سودا غاية في الأناقة، وعينيها فيها نظرة ثقة تكسر عين أي حد يحاول يقرب منها. مكنتش لوحدها، كانت ساندة أبوها، الحاج إسماعيل، اللي كبر في السن وحركته تقلت شوية، بس لسه عينه حامية وصوته مسمع في القاعة كلها.
قعدوا في الترابيزة الرئيسية، والكل جه يسلم ويبارك. شاهندة مالت على أبوها ووشوشته: “شايف يا بابا؟ وصلنا لكل اللي خططنا له وأكتر.. والنهاردة اسم العقاد مسمع في الوطن العربي كله.”
الحاج إسماعيل ابتسم، وباس إيدها وقال: “أنا كده أموت وأنا مطمن يا بنتي.. شوفتك واقفة على رجليكي، ومحدش قادر عليكي.”
شاهندة ردت بسرعة وعينيها دمعت: “بعد الشر عنك يا حاج، أنت عمرك طويل وتفضل دايماً منور دنيتنا.”
في نفس الساعة دي، بس ورا أسوار سجن ليمان طرة الكئيبة…
كان ميعاد العشا في العنبر. ماجد كان واقف في الطابور، ماسك طبق الصاج بتاعه ومستني دوره في “التعيين”. شكله عجز وعجز قبل أوانه بعشرين سنة، شعره شاب بالكامل، ووشه بقى مليان تجاعيد وهموم، وعينه مبقاش فيها أي لمعة للحياة.
أخد كبشة الرز وحتة الخضار، وقعد في ركن لوحده على البرش، بياكل ببطء شديد.
واحد مسجون جديد قعد جنبه، وبص له وقال: “أنت يا عمنا.. باين عليك كنت ابن ناس بره، إيه اللي جابك المكان ده؟”
ماجد بص للطبق، ولقى لقمته واقفة في زوره. مكنش قادر يحكي، مكنش قادر يقول إنه كان في يوم من الأيام صاحب يخت وفيلا، وإنه كان متجوز ملكة، بس طمعه وخيانته رموه في قاع الأرض.
رد بصوت مبحوح ومكسور: “غلطت غلطة العمر.. افتكرت نفسي أذكى من الدنيا، ونسيت إن في ربنا، وإن في أباء مبيسامحوش في حق عيالهم.”
المسجون الجديد مسك حتة من جرنال كانت ملفوفة فيها حاجة، وبص فيها وقال بذهول: “يا نهار أبيض! شوف الست دي.. فازت بجائزة سيدة العام، شكلها بنت عز وصاحبة ملايين.”
ماجد خطف نظرة على ورقة الجرنال المتبهدلة. كانت صورة شاهندة وهي بتتسلم الجائزة، وجنبها أبوها الحاج إسماعيل بيضحك وباصص لها بفخر.
ماجد حس بقلبه بيتعصر، الدموع نزلت من عينيه ونزلت في طبق الأكل. طوى الجرنال بالراحة وحطه تحت مرتبته الصوف الخشنة، ونام على ضهره وبص لسقف الزنزانة الضلمة، وهو عارف إن دي عقوبته الأبدية.. إنه يشوفهم بيطلعوا لسابع سما، وهو هيفضل مدفون في سابع أرض، يفتكر كل يوم المكالمة اللي ضيعته، والراجل اللي قاله: “كمل دعا”، وسابه ومشي.
ومرت الأيام والشهور، ودارت الدائرة لفتها الأخيرة.
بعد مرور تمن سنين كاملين جوه أسوار السجن، خرج ماجد الشرقاوي “إفراج مشروط” لحسن السير والسلوك وبسبب حالته الصحية اللي تدهورت تماماً.
يوم خروجه، وقف بره بوابة السجن الكبيرة، لابس هدوم قديمة ومبهدلة، وفي إيده كيس بلاستيك أسود فيه بقية كراكيبه. بص حواليه، تاه في زحمة الشارع وصوت العربيات، مبقاش عارف يروح فين ولا يجي منين. أهله قاطعوه من زمان، وأصحابه بتوع السهر واليخوت نسوا اسمه أصلاً.
بقى يتنقل من رصيف لركبة، يشتغل أي شغلانة باليومية عشان يجيب لقمة ياكلها، من بواب عمارة، لعامل نظافة في محل، والكل كان بيمشيه أول ما يعرفوا إنه رد سجون.
في يوم من الأيام، رجله سحبته ولقى نفسه واقف في شرم الشيخ، المكان اللي شهد على عزه وطمعه ونهايته. كان ماشي على كورنيش المارينا بالليل، الجو كان ساحر، والأنوار مسمعة في المية.
وفجأة، عينه جت على يخت ضخم، نضيف وبيلمع زي الألماظ، ومكتوب عليه بالدهب: “بنت العقاد”.
ماجد اتسمر في مكانه، دقات قلبه سرعت، ودموعه نزلت من غير ما يحس. قرب كام خطوة وبص على سطح اليخت.
كانت شاهندة واقفة، زي ملكة متوجة، لابسة فستان سهرة بسيط وفخم، وبتقود حفلة عمل كبرى لشركتها. وراها كان واقف راجل محترم، باين عليه ابن أصول وشريك حياتها الجديد، شايل على كتفه طفل صغير عنده حوالي أربع سنين، شبه شاهندة بالملي. شاهندة لفت، وبست الطفل في خده وضحكت ضحكتها الصافية اللي كانت دايماً محرومة منها زمان.
ماجد كان واقف ورا الشجر في الضلمة، بيترعش من البرد والندم، باصص على الجنة اللي خسرها بإيديه عشان شهوة وطمع وعيلانية. عرف ساعتها إن العقاب الحقيقي مش قضبان السجن.. العقاب الحقيقي هو إنه يفضل عايش يشوف اللي خانها وهي عايشة حياتها في قمة السعادة والنجاح، وهو مجرد شبح ملوش وجود.
لف ضهره ومشي في الضلمة، وهو بيجر رجليه على الرصيف، والضحكات بتاعة شاهندة وابنها لسه بتطن في ودنه، بتفكره بإن الأب اللي دافع عن بنته زمان، ساب لها ورث يحميها العمر كله، وساب للخاين حسرة بتاكل في قلبه لآخر نفس في عمره.
مرت السنين وتوالت، والزمن مبيقفش ومبيستناش حد.
في سنة 2035، كانت القاهرة والمنصورة وشرم الشيخ بيتكلموا عن حدث واحد؛ الذكرى السنوية لرحيل الأسطورة “إسماعيل العقاد”. الرجل اللي ساب وراه مش بس إمبراطورية فلوس، لا، ده ساب وراه مدرسة في الأصول والجدعنة، وبنت بـ 100 راجل شالت اسمه وحافظت على هيبته وسط السوق.
في اليوم ده، اتعملت صدقة جارية ضخمة جداً باسم الحاج إسماعيل؛ مستشفى كامل لعلاج الأطفال بالمجان في مسقط رأسه. كانت شاهندة واقفة وسط الدكاترة والمسؤولين، وفي إيديها ابنها الكبير “إسماعيل”، اللي سمته على اسم أبوها وعلمته يطلع زي جده في الهيبة والأخلاق.
شاهندة بصت لصورة أبوها الكبيرة اللي كانت متعلقة في مدخل المستشفى، وعينيها دمعت وقالت في سرها: “ارتاح يا حبيبي.. الأمانة صنتها، واسمك هيفضل عالي ومنور لآخر يوم في عمري.”
في نفس اليوم ده، وفي أواخر الليل…
كانت الدنيا بتمطر مطر خفيف في شوارع القاهرة. وعلى رصيف المحطة القريبة من وسط البلد، كان في راجل عجوز كاحل، ظهره محني، لابس هلاهيل وجاكته مقطعة مبتحميهوش من البرد. الراجل ده كان ماجد الشرقاوي.
الزمن داس عليه لدرجة إن ملامحه اتعمت ومحدش كان يقدر يعرفه. كان قاعد حاطط قدامه علبة كبريت فاضية بيشحت فيها قرشين يجيب بيهم رغيف عيش.
أهلكه المرض والتعب، ومبقاش قادر حتى يرفع عينه في وش الناس. فجأة، الهوا طير ورقة جرنال قديمة تحت رجليه. ورا الورقة، كانت صورة مستشفى إسماعيل العقاد الجديد وصورة شاهندة وهي بتفتتحه.
ماجد مد إيده المرتعشة ومسك الورقة. بص لصورة شاهندة اللي الزمن مغيرهاش بل زودها جمال وهيبة، وبص لاسم “إسماعيل العقاد” المكتوب بحروف نور.
حس ببرودة الموت وهي بتسري في جسمه، ولقى نفسه من كتر الوجع والندم مش قادر حتى يعيط. افتكر كل لحظة طمع، كل لحظة خيانة، وافتكر اليوم اللي ساب فيه شاهندة في أوضة العمليات عشان يرقص على اليخت.
سند راسه على حيطة الرصيف الباردة، وغمض عينيه لآخر مرة وهو بيسمع في ودنه صدى صوت الحاج إسماعيل اللي عاش معاه تمنتاشر سنة ومفارقهوش ثانية واحدة:
”بنتي عاشت.. وأنت خلاص دفنت نفسك بالحيا.”
مات ماجد في الضلمة، لوحده، غريب، على الرصيف، ومحدش التفت له ولا عرف هو مين.. لتنتهي قصة الخيانة بأبشع نهاية، وتفضل قصة الأب وبنته درس حي لكل واحد يفتكر إن مال الناس وعرضهم ملوش صاحب يحميه.
