الطلاق حكايات علي ابو الدهب 1
طليقي مسكني غسيل ومكواة قدام الست المستشارة في المحكمة، وقدام الصحفيين، وحتى قدام المحروسة اللي كانت حاطة من ريحة برفاني على رقبتها!
صوت شاكوش قاضية محكمة الأسرة خبط على الترابيزة، بس مكنش عالي كفاية عشان يداري على الضحك المكتوم من ناحية رامي. أنا كنت واقفة بالبدلة الكحلي اللي كنت جيباها في الأوكازيون، ومشبكة إيديا في بعض جامد عشان محدش يشوف ضوافري وهي بتغرز في لحمي من كتر العصبية. الناحية التانية بقى، الباشا كان كأنه خارج من مجلة أزياء: بدلة إيطالي تفصيل، ساعة دهب بتبرق، وابتسامة رايقة.. كأن حياتي وعمري اللي ضاعوا مجرد صفقة تانية هيخلصها قوام قوام قبل ما يروح يتغدى في “الزمالك”.
جنبه كانت المحامية بتاعته، ست بنظارة رفيعة وصوت زي الموس. ووراهم في الصف التاني، كانت قاعدة سنية المحروسة ليلى، حتة عيلة عندها ٢٨ سنة، حاطة روج أحمر صارخ، وشايلة شنطة براند برقم وقدره، وبصة البصة بتاعة الست اللي فاكرة نفسها كسبت كنز لمجرد إن في راجل لقطها من السوق.
الست المستشارة راجعت كام ورقة ورفعت عينيها:
— “يا أستاذ رامي، اتفضل جاوب على السؤال.”
رامي تنهد بتمثيلية الصبر والنفس الطويل اللي حافظها وقال:
— “مع كل احترامي لسيادتك يا فندم، مريم عمرها ما حطت طوبة في الجوازة دي. أنا اللي بنيت شركتي دي من الصفر شقا عمري. أنا اللي دفعت تمن الشقة، والفسح، والعربيات، ومصاريف المدارس، وكل حاجة.. هي؟ هي كانت مجرد ضيفة شرف في البيت.”
الناس في القاعة بدأت توشوش، وليلى ضحكت بشماتة.
المحامية بتاعتي، بسنت، ميلت عليا وقالتلي في ودني:
— “خدي نفسك واهدي.. لسه مش دلوقتي.”
لسه مش دلوقتي.
قعدت أكرر الكلمتين دول في سري كأنهم ورد بقراه.
رامي كمل كلامه وبكل بجاحة:
— “أنا مش بقول إنها ست وحشة، هي بس مكنتش بتعمل حاجة. كانت بتسلي وقتها في ترويق البيت، وتقلي المحشي، وتعمل عزومات وشوبنج من على النت. كانت زوجة لزوم الوجاهة الاجتماعية، مش شريكة تشيل معايا.”
حسيت في اللحظة دي إن ١٥ سنة من عمري بيقعوا على الأرض ويتدغدغوا ميت مية حتة زي الصيني الغالي.
محدش في القاعة دي شاف الفجر اللي كنت بسهر فيه أصلح له شغل الـ Presentation بتاعه قبل ما يقابل المستثمرين الكبار. محدش شاف المكالمات اللي كنت بعملها من وراه عشان أهدي المقاولين والموردين لما كان بيتنرفز ويبوظ الاتفاقات بغباوته. محدش شاف الحسابات، والفواتير، وتوضيب المكاتب، وعزومات العشا اللي كنت بحفظ فيها أسامي الزباين وطلباتهم عشان يبان هو قدامهم إنه ذكي ومصحصح. محدش شاف المرات اللي رحت فيها الصاغة بعت شبكتي ودهبي عشان أطلع مرتبات الموظفين الغلابة في الوقت اللي كان بيطلع فيه في التلفزيون يتمنظر بنجاح الشركة!
بالنسبة للناس، أنا كنت الزوجة الشيك اللي بتطلع جنبه في الصور.
بالنسبة له، أنا كنت مجرد فازة شكلها حلو في الصالون.
الست المستشارة بصتلي للحظة.. مكنتش بصة عطف، كانت بصة تركيز وبتوزن الكلام.
— “يا مدام مريم، هيبقى ليكي حق الرد وتقولي كل اللي عندك.”
رامي ضحك ضحكة صفرا وقال:
— “أهو ده اللي هي فلوطة فيه.. تموت في كلام السهوكة والمشاعر.”
المرمطة مابتدأتش في المحكمة، دي بدأت من سنين فاتت.. في وسط العزومات لما كان بيقول قدام أصحابه:
— “مريم يا دوب بتشرف على نضافة البيت.. أهو أي حاجة تسلي بيها وقتها بدل الفراغ.”
والكل كان بيظيط ويضحك، وأنا كمان كنت بضحك معاهم.. لأن الست لما بتضحك على وجعها، الناس بتقول عليها “ست فرفوشة وبنت ناس”.
أصعب مرة كسرتني، كانت في حفلة السنوية الـ ١٢ للشركة. كنت أنا اللي عاصرة نفسي وعاملة كل حاجة: الأكل، المعازيم، الديكور، وحتى ترتيب الترابيزات عشان أمنع اتنين شركاء متخانقين يقعدوا في وش بعض. رامي طلع على المسرح وشكر فريقه، وشطارته، ومجهوده.. وبعدها شاور عليا بكاس العصير وقال:
— “وبشكر مراتي العزيزة، اللي مابتفهمش ألف كاف في البيزنس بس بتعرف تنقي ورد الحفلات.”
الناس صقفت وزيطت، وأنا فضلت مبتسمة ومثبتة الوش الخشب لحد ما عضلات وشي كانت هتموتني من الوجع.
ليلتها، وهو نايم بيشخر، فتحت أول كشكول مذكرات ليا وكتبت: “النهارده عرفت إن لو مكتبتش حكايتي بإيدي، البني آدم ده هيمسح تاريخي كله من الوجود.”
من ساعتها وأنا بحوش كل الهوا. الإيميلات، الفواتير، الأجندات، العقود اللي راجعتها وعدلتها، رسايل الواتساب، والتسجيلات، وكشوف الحسابات. وشيلت حاجة تانية كمان تحت البلاطة: حساب استثماري فتحته باسم والدتي من غير ما مخلوق يعرف. بدأ بملاليم.. تحويش من وراه.. فلوس كان فاكر إني بضيعها على الفشخرة واللبس. بس أنا كنت بذاكر بالليل، أخدت كورسات، اتعلمت إزاي أقرأ الميزانيات وبدأت أُشغّل الفلوس دي.
ولما شركته كانت هتفلس وتجيب ضَرفها مرتين، دخلت شركة مجهولة وضخت سيولة وأنقذتها من الحجز.
الشركة المجهولة دي بقى.. كانت شركتي أنا!
ورامي المغفل عمره ما شم خبر.
في المحكمة، المحامية بتاعته عرضت صور ليا في مطاعم وساحل ومحلات:
— “شايفة يا فندم؟ ده مستوى المعيشة اللي الهانم كانت متمتعة بيه من غير ما تدفع مليم أبيض من جيبها.”
ليلى ميلت على صاحبتها وهمستلها بكلمة وماتوا من الضحك.
ساعتها رامي طلب يتكلم تاني. وقف بكل ثقة، وظبط جاكت البدلة، وبصلي بصه قرف كأنه بيبص لشغالة مروحة:
— “مريم عايزة تاخد نص شقايا اللي محطتش فيه إيدها. عايزة تاخد مكافأة لمجرد إنها كانت عايشة وبتاكل تشرب في بيتي. الحقيقة واضحة زي الشمس: كانت حمل تقيل عليا.. ست مالهاش عازة ولا لازمة.”
الكلمة هزت القاعة.
مالهاش عازة.
الست المستشارة وقفت كتابة بالقلم.
المحامية بتاعتي قفشت على إيدي جامد من تحت الترابيزة.
أنا بقى.. رفعت راسي ووشي في عينه.
لأن في اللحظة دي عرفت إني مجيتش المحكمة دي عشان أترجى رامي يحترمني.. أنا جيت عشان الستارة تنزل والحقيقة الميت غطا تطلع للنور.
الست المستشارة بصتلي وقالت بوضوح:
— “يا مدام مريم، اتفضلي قولي كلمتك الأخيرة.”
وقفت على حيلى..
وأول ما فتحت الدوسيه الأسود اللي بقالي ١٥ سنة بجمّع فيه.. رامي الضحكة اتمسحت من على وشه والدم هرب من عروقه.

