وصيه امي1
زهره الربيع
أمي قبل ما تموت، وصتني آخد ال 350 ألف جنيه تحويشة عمرها وأشيلهم في البنك ..بس المحروس جوزي اخد أمه في إيديه وراحوا ورايا البنك عشان يخلوني أسحب الفلوس.
الفلوس دي ما كانتش كل حاجة؛ أمي سابتلي كمان غويشتين دهب لازوردي. الغويشتين دول ورثاهم عن جدتي، موديلهم قديم وتقال، ومحفور عليهم من جوه نقشة وردة بلدي صغيرة خالص.
قبل ما تطلع روحها وهي على فراش الموت، مسكت إيدي جامد وفضلت تعيد وتزيد
يا بنتي الفلوس دي تربطيها شهادة وماتتمدش إيدك عليها لحد .. لا إنتي ولا غيرك يلمسها. دول قرشين للزمن محلتيش غيرهم اسبهم لك .
صوتها كان ضعيف وخارج بالعافية، سرطان الرئة في المرحلة الأخيرة كان هادد حيلها ومخلي وشها دبلان ووجعها باين، بس عينيها كانت حادة وفيها نظرة حسم ماتسمحش لأي حد يجادلها.
كنت بنزل دموعي وأنا بهز راسي وبطمنها، وأخدت الفلوس وشلتهم جوه علبة قطيفة حمراء من بتوع زمان
أحمد جوزي
كان مدرس لغة عربية في مدرسة إعدادي. بيلبس نظارة سوداء بطار ب بيفكرني بمدرسين زمان، وكلامه دايماً هادي، وموزون، وبيطلع بالهداوة.
عرفنا بعض صالونات، وفضلنا مخطوبين سنة ونصف. في الشتا، لما الدنيا كانت تمطر، كان يلف بيا شوارع أطول بس عشان يوصلني لحد باب البيت ومتبهدلش. كان بيهتم بكل حاجه تخصني ، وحتى تقارير أمي الطبية وأشعتها كان شايل منها نسخة على تليفونه عشان يتابع معايا.
يوم ما جه يتقدم لي، جاب بوكيه ورد بلدي بسيط، وفضل واقف بيه تحت عمارة الإيجار اللي كنت ساكنة فيها ساعتين كاملين في البرد. لحد ما عم مصطفى البواب صعبت عليه، وطلع خبط عليا وقال لي
يا بنتي، الأستاذ اللي بنظارة تحت ده مش هيمشي؟ ده تلج من البرد يا ضنايا.
فتحت الشباك وبصيت عليه، لقيته واقف في هواء طوبة، ومناخيره حمراء من كتر الساقعة.
أول صباحية لينا بعد الجواز، كنت واقفة في المطبخ بعمل فطار، دخل أحمد من ورايا وحضنّي من ضهري. نفس السخونية بتاعة أنفاسه كانت قريبة من ودني، وريحة معجون السنان بالنعناع مالية المكان. كانت حلة اللبن على البوتجاز بتغلي، وبخار المية مغطي قزاز الشباك.
اللحظة كانت عادية جداً، بس حركت حتة حنينة جوه قلبي. افتكرت كلمة أمي ليا زمان يا بنتي الجواز مش فستان وفرح، الجواز لقمة حلوة وعشرة بتهون الأيام.
أمي خلاص مشت.. وكان لازم أكمل حياتي وأدَوّر على الدفا ده بنفسي.
لحد ما جات حماتي وقعدت معانا في الأوضة الصغيرة. يوم ما جت من البلد، كانت شايلة في إيديها شنطة خوص كبيرة، ماليها برطمانات لفت ومخلل بيتي من اللي قلبك يحبه، وشوية فاصوليا ناشفة، وبلوفر صوف كانت غازلاه لأحمد بإيديها.
عندها اتنين وستين سنة، صابغة شعرها أسود ومهندماه، بس جدور شعرها البيضاء كانت باينة ومفضحة سنها. كلامها كان لسه واخد طابع بحرواي تقيل، ساعات كنت بضطر أركز في مخارج ألفاظها عشان أفهم هي تقصد إيه بالظبط.
كانت بتصمم تقوم هي تعمل الفطار، من الساعة خمسة ونص الصبح تلاقيها قايمة تخبط في المطبخ، وصوت الهون والحلل يصحيني من عز نومي المتقطع.
في أول عطلة نهاية أسبوع بعد فرحنا، جت شيماء أخت أحمد ومعاها بنتها الصغيرة تتغدا معانا. البنت عندها يجي أربع سنين، ، وأول ما دخلت جريت على حجر جدتها.
شيماء أكبر مني ب تلات سنين، شغالة في محل مكياج في مول شهير. كلامها رصاص وسريع، وحاطة روج كشمير من الموضة اليومين دول. وهي بتفصص الاستفندي، بصت لي وضحكت
يا بختك يا عروستنا بأخويا.. أحمد ده طيب وعلى نياته، واللي تعيش معاه عمرها ما تظلم.
وهي بتتكلم، عينيها نزلت على معصم إيدي..
أنا بالوعي كده، سحبت كم العباية لورا وخبيت الغوايش الدهب اللي أمي سابهالي.
بعد العشا، حماتي وقفت في المطبخ تغسل المواعين، وصوت المية شغال ما بيفصلش.
لقيت احمد واقف في المطبخ بيتودودو هما التلاته واخته بتدفعه لبره ناحيتي جيه وقعد قدامي
وفضل ساكت شويه وبعدها قال بهدوء، بقولك يا حببتي واحد زميلنا اتفصل من شغله امبارح ..اصل المدير اللي جيه الاداره ده غريب جدا ومش بيفوت لحد حاجه
انا استغربت جدا ايه لزوم الكلام ده .
معلش يا حبيبي ربنا يعوضه بشغل احسن ان شاء الله متزعلش نفسك
بصلي ددقيقه او اتنين وقال..لا انا مش زعلان عليه هو كان مأمن نفسه وعياله وعامل مشروع صغير على قده باللي معاه ..ومراته كمان ساعدته ..الدور والباقي علينا لو حصلت حاجه زي كده مش هيبقى معانا ولا شغله ولا مشغله
ابتسمت وانا فاهمه تلميحه كويس وقولت …النغمه دي نغمة حماتي دايما تفتح السيره دي وعينها على فلوس امي
احنا كمان ان شاء الله هنحوش ونعمل مشروعنا يا حبيبي قول يا رب
قولت له الجمله دي وطلعت انام
تاني يوم الصبح كنت في البنك بكمل اوراق كانت ناقصه
اتفاجأت باحمد وامه جايين ورايا
احمد بتعملو ايه هنا ؟؟
احمد ابتسملي وبص للموظف بتاع البنك وقال ..متكملش الاوراق
مراتي قررت تسحب الفلوس خلاص !!!!!
الدم جمد في عروقي، وحسيت إن البنك كله بيلف بيا. الموظف اللي قاعد ورا المكتب نزل نضارته الطبية على أرنبة مناخيره، وبصلي بفضول مستني كلمة مني، والورق اللي كنت لسه ماليّاه بإيدي ومستنية موظف الحسابات يختمه كان لسه بين إيديا.
بصيت لأحمد بذهول، كان واقف بوشه الهادي، الموزون، ونضارته السودا اللي ب إطار ماليّة ملامحه، بس النظرة اللي ورا القزاز ما كانتش النظرة الحنينة بتاعة زمان؛ كانت نظرة باردة، نظرة حد مرتب كل حاجة ومقرر بالنيابة عني. وجنبه حماتي، واقفة لافة طرحتها السمرة ومتبتة في شنطتها الخوص، وعينيها بتلمع بانتصار غريب، وكأنها بتقول لي مفيش حاجة هتستخبى علينا يا بنت بندق.
أحمد! إنت بتقول إيه؟ تسحب إيه؟ الفلوس دي تمن شقا أمي، وأنا جاية أربطها شهادة زي ما وصتني وهي بتموت! صوتي طلع مخنوق، طالع بالعافية من صدمتي فيه.
حماتي خطت خطوة لقدام، ولزقت في كتف ابنها، وقالت بصوتها البحراوي التقيل اللي كانت بتفخم فيه الحروف عشان تبان واصية عليا
جرى إيه يا عروستنا؟ هو الأستاذ غريب ولا إيه؟ ده جوزك وسندك، والقرشين دول لو قعدوا في البنك الحكومة هتاكل نصهم بالفوائد والضرائب. أحمد أولى بيهم يفتح بيهم مكتبة محترمة جنب المدرسة، ولا يعمل بيهم مشروع يضمن بيه مستقبله ومستقبل عيالكم اللي جايين. الشقا مش عيب يا بنتي، العيب إنك تخبي على جوزك وتعملي من وراه.
أنا مخبيتش! صرخت واكتشفت إن صوتي عِلي في صالة البنك، والناس بدأت تبص علينا. الموظف اتنحنح وقال ببرود محترفين يا جماعة، لو سمحتوا، مفيش داعي للصوت العالي. يا مدام، الحساب باسمك إنتي، وحضرتك الوحيدة اللي ليكي حق السحب أو الربط، شوفي إنتي عايزة إيه وعرفيني عشان ورايا عملاء تانيين.
أحمد قرب مني، وحط إيده على كتفي بنفس الحنية القديمة اللي خلتني في يوم من الأيام أوافق عليه. نفس ريحة معجون السنان بالنعناع، ونفس النبرة الهادية اللي بتطلع بالهداوة
يا حبيبتي، امسحي دموعك وصلي على النبي. أمك الله يرحمها كانت ست دقة قديمة، ما تعرفش في التجارة ولا السوق. ال 350 ألف جنيه دول لو اتحطوا في شهادة، السنين هتاكل قيمتهم. أنا لقيت حتة أرض صغيرة على أول الداير، صاحبها مزنوق وهيبيعها بتراب الفلوس. هنشتريها ونبني عليها مخزن ونجره لشركة شحن. في ظرف سنة، الفلوس دي هترجعلك الضعف. أنا مش طمعان في حاجتك يا زهرة، أنا بس خايف على مصلحتنا. شيماء أختي جوزها لسه عامل الحركة دي وما شاء الله، بقوا في حتة تانية.
كلامه كان عامل زي البنج، بيبج المخ، بس قلبي كان رافض. افتكرت علبة القطيفة الحمرا اللي نايمة في دولابي، وافتكرت نظرة عيون أمي الحادة وهي بتقول لي ماتتمدش إيدك عليها لحد.. لا إنتي ولا غيرك يلمسها.
مش هسحب يا أحمد. قلتها وأنا بنشف دموعي بطرف طرحتي، وبصيت للموظف كمل الإجراءات يا أستاذ، اربط الفلوس شهادة تلات سنين والعائد ينزل في الحساب.
وش أحمد اتقلب في ثانية. المدرس الهادي، الرزين، اختفى، وظهر مكانه راشد تاني خالص
