سلفتي1
سلفتي بتنام بيني وبين جوزي كل ليلة.. ولما النور طفى، كشفت السر اللي جمد الدم في عروقنا!”😱
من ساعة ما أخويا الصغير اتجوز وسكن معانا في بيتنا الكبير، وحاجة غريبة بتحصل كل ليلة تخلي الواحد جسمه يقشعر.
مراته “لوسيا” ( “لؤلؤة”) كانت كل يوم وقت النوم، تشيل مخدتها واللحاف بتاعها، وتدخل أوضتي أنا وجوزي من غير استئذان، وتطلب تنام معانا.
لا على الكنبة..
ولا في الأرض..
ولا حتى على طرف السرير..
دي كانت بتتحشر في النص.. بيني وبين جوزي!
أول كام ليلة، كنت ببتسم بـ “غُل” وأقول معلش، عروسة جديدة ولسه مش متعودة، أو يمكن خايفة من البيت الكبير. كنت بحاول أبان “بنت أصول” وكريمـة.
“— نامي يا حبيبتي مطرح ما تحبي، البيت بيتك،” قلتها مرة بضحكة كدابة كانت طالعة بالعافية.
بس من جوايا، فيه نار كانت بتاكل فيا.
على الليلة الخامسة، مبقتش قادرة أسكت. بصيت لها في وشها وقلت لها:
“— هو أنتي ليه يا لؤلؤة لازم تنامي في النص بالظبط؟”
سكتت لحظة، وعينيها كانت حمراء كأنها كانت بتعيط من ساعة ما دخلت البيت. قالت بصوت واطي ومكسور:
“— في النص بيبقى “دفا” يا أبلة.. وأنا في بلدي بيقولوا إن العروسة لما تدخل بيت غريب، لازم تنام وسط أهل البيت عشان “الكوابيس” متجيش ناحيتها.”
رد غريب مكنتش عارفة أوديه فين ولا أجيبه منين.
الجيران بدأت تتوشوش، والحي كله بقى عارف إن فيه حاجة “غلط” في البيت ده. صوت مشيها على السلم الخشب كل ليلة وهي طالعة لنا بقى زي “النداهة” اللي بتعلن إن وقت الرعب جه.
قلت لها: “— طب ما تنامي جنب حماتك يا بنتي؟”
هزت راسها بسرعة: “— لا.. أنا بشخر في النوم ومش عايزة أقلقها.”
كنت عايزة أقول لها “ما أنتي قلقاني أنا وجوزي!” بس “مصطفى” جوزي بص لي بصه معناها “عدي الليلة”، وقال: “— سيبيها يا “هنية”، الضيق في القلب مش في السرير، خليها تنام مطمنة.”
كلامه بدل ما يريحني، خلاني أحس إني لوحدي.
لؤلؤة كانت طول النهار “نسمة”.. تكنس، وتمسح، وتطبخ، وتعمل كل حاجة قبل ما نطلبها. ست بيت بـ 100 راجل، بس في الليل.. كانت بتتحول لتمثال خشب، تنام في النص وتفضل مفتحة عينيها في الضلمة كأنها مستنية حاجة.. أو “حارسة” حاجة!
الليلة الـ 17.. هي اللي غيرت كل حاجة.
سمعت الصوت ده.. “تِك”.
فتحت عيني بسرعة. مكنش صوت شباك، ولا صوت قطة على البلكونة. السكوت اللي جه بعد الصوت ده كان مرعب، لدرجة إني كنت سامعة دقات ساعة الحائط وهي بتعد الثواني “تيك.. توك”.
قمت نص قومة من غير ما أنور النور.
لؤلؤة اتحركت جنبي.. وفجأة، مسكت إيدي وضغطت عليها بقوة.
لمستها مكنتش حنينة.. مكنتش خايفة.. دي كانت “تحذير”.
“— إياكي تتحركي.”
شعر جسمي كله وقف. كنت عايزة أصرخ، أصحى مصطفى، أنور اللمبة.. بس صوتي مات في زوري.
وشوفت “الخيط”:
خيط رفيع من النور جاي من تحت عقب الباب.. شريط نور حاد زي الموس، بيتحرك على الأرض ببطء، وبعدين بدأ يطلع على الحيطة اللي قدام السرير.. ووقف.
حبست نفسي لدرجة إن صدري وجعني.
وبعدين جه الصوت التاني.. “تـاك”.
صوت خبطة خفيفة بضفر إيد على حاجة بلاستيك.
بصيت لمصطفى، كان غرقان في النوم ولا حاسس بحاجة.
في اللحظة دي، لؤلؤة عملت حاجة جمدت الدم في عروقي.. سحبت اللحاف لغايت صدرها، واتعدلت في السرير كام بوصة لفوق.. عشان “راسها” تسد خيط النور اللي جاي من تحت الباب تماماً!
وقتها بس فهمت الحقيقة اللي كانت قدام عيني كل ليلة ومكنتش شايفاها.
لؤلؤة مكنتش بتنام في النص عشان خايفة.. دي كانت “درع بشري” بيحمينا من حاجة واقفة ورا الباب.
والحاجة دي.. النهاردة قررت تدخل!
تفتكروا مين اللي كان واقف ورا الباب بالكشاف؟ وهل أخويا الصغير له يد في اللي بيحصل؟ وإيه السر اللي مخبياه “لؤلؤة” عن عيلة جوزها ومخليها تضحي براحتها عشانهم؟
انقطع النَفس في صدري، ولم أعد أسمع سوى ضربات قلبي التي كانت تدق في أذني كطبول الحرب. لؤلؤة كانت متشنجة تماماً بجانبي، جسدها تيبس كالحجر، وقبضتها على يدي كانت تزداد قوة حتى شعرت أن عظامي ستتحطم. رأسها كان ثابتاً، يسد ذلك الشريط الضوئي الحاد الحارق القادم من أسفل عقب الباب.
في تلك الثواني المرعبة، تحول السرير إلى ساحة معركة صامتة. كنت ألتفت بمشقة أراقب مصطفى؛ كان مستغرقاً في نوم عميق بشكل غير طبيعي، أنفاسه ثقيلة وهادئة، وكأنه تخدّر برائحة غريبة بدأت أستنشقها في الأجواء.. رائحة تشبه البخور المحروق المخلوط بتراب قديم.
المواجهة المباشرة
فجأة، وبلا أي مقدمات، تحرك مقبض الباب لأسفل.. “تِك”.
انفتح الباب ببطء شديد يصدر صريراً خافتاً يكاد يمزق الأعصاب. انقشع الظلام قليلاً مع دخول ظلال ضخمة لشخصين وليس لشخص واحد! أحدهما كان يحمل كشافاً يدوياً صغيراً ذو إضاءة زرقاء خافتة، والآخر كان يتمتم بكلمات غير مفهومة، همسات سريعة ومتلاحقة تشبه فحيح الأفاعي.
لم أستطع تحمل الرعب أكثر، جف حلقي تماماً، لكن قبل أن تخرج مني صرخة واحدة، تحركت لؤلؤة بفدائية غير طبيعية.
فلتت يدي، وبحركة سريعة كالبرق قفزت من فوقي واندفعت نحو الباب بكل قوتها. ارتمت بكامل جسدها على الشخص الأول، ودفعت الآخر بيديها، لتخرج معهما إلى الصالة الخارجية، وأُغلق الباب خلفهم بعنف!
تحولت الغرفة مجدداً إلى ظلام دامس، لكن هذه المرة، انطلق في الخارج صوت عراك مكتوم، ضربات متتالية، وصوت تحطم شيء زجاجي، يليه صراخ لؤلؤة المخنوق: “مش هسيبكم.. مش هتمكّنوا من أذيتهم طول ما فيا النفس!”
اللحظة الحاسمة واكتشاف المؤامرة
الخوف الذي كان يشل حركتي تحول فجأة إلى طاقة غضب مرعبة. زحفت نحو كومودينو السرير وأضأت كشاف هاتفي، ثم التفتُّ إلى مصطفى وهززته بعنف شديد وأنا أصرخ: “مصطفى! اصحى! فيه دم بره! فيه مصيبة في البيت!”
استيقظ مصطفى فزعاً، يفرك عينيه وثقل النوم ما زال يسيطر عليه، لكن صوت الارتطام بالخارج جعله يقفز من السرير كالأسد الجريح. فتحنا الباب واندفعنا إلى الصالة.. وكان المشهد كفيلاً بتجميد الدماء في عروقنا.
الكشاف الأزرق كان ملقى على الأرض يضيء المكان بزاوية مرعبة. لؤلؤة كانت جاثية على ركبتيها، تسيل من جبهتها قطرات دم خفيفة إثر اصطدامها بالبغل الخشبي، لكنها كانت متمسكة بكل قوتها بملابس شخص يحاول الهرب من باب الشقة..
عندما وجهت كشاف هاتفي إلى وجهه، صرخت صرخة هزت أركان البيت: “كريم؟! أخويا؟!”
نعم.. كان أخويا الصغير، وعريس لؤلؤة! وفي نفس اللحظة، نجح شخص آخر يرتدي عباءة سوداء وسحنتُه مظلمة في الإفلات من قبضة لؤلؤة والهروب عبر السلم الخشبي.. ولم يكن هذا الشخص سوى “الدجال” المعروف في أطراف قريتنا بأعماله السفلية المؤذية.
كشف المستور وسر “الدرع البشري”
انهار كريم على الأرض يبكي بهستيريا، بينما تراجع مصطفى إلى الخلف وهو مصدوم لا يصدق أن شقيق زوجته الذي آواه في بيته يخطط لشيء كهذا. قمنا بإسناد لؤلؤة وتضميد جرحها، وجلسنا جميعاً في الصالة وسط ذهول تام. هناك، وتحت ضغط مصطفى، اعترف كريم ولؤلؤة بكل شيء:
طمع كريم والدوافع: كريم كان قد تورط في ديون ضخمة بسبب مصاريف زواجه وشراء أثاث فاخر، وكان مهدداً بالسجن. وسوس له شيطانه، وبمساعدة ذلك الدجال، أن هناك طريقة وحيدة للخروج من الأزمة: عمل “سحر رصد سفلي” لي ولجوزي مصطفى، يسلب إرادتنا تماماً ويجعلنا نوقع له على عقود تنازل عن “البيت الكبير” وكل الأراضي التي نملكها بيع وشراء دون أن نشعر!
شرط الرصد اللعن: الدجال اشترط على كريم أن يدخل غرفتنا في منتصف كل ليلة وهي مظلمة تماماً، ويسلط كشافاً برأس معين يعكس “نوراً مرصوداً” على موضع رؤوسنا ونحن ننام، ليرتبط السحر بالجسد والروح. ولكي يضمن عدم استيقاظنا، كان كريم يضع نوعاً من البخور المخدر عند عتبة الغرفة قبل الدخول.
موقف لؤلؤة البطولي: لؤلؤة، ابنة الأصول التي تربت على الخوف من الله، اكتشفت المخطط بالصدفة في أول ليلة لهما في البيت عندما وجدت كتاب السحر والأدوات في ملابس كريم. هددته بالفضيحة، لكنه توسل إليها وبكى مستعطفاً إياها ألا تخرب بيتها في أول أيامها.
الحيلة الذكية: لؤلؤة وجدت نفسها بين نارين: أن تفضح زوجها وتهدم بيتها، أو أن تتركنا نقع ضحية للسحر الأسود. فاختارت الحل الأصعب؛ قررت أن تكون “درعاً بشرياً”. كانت تتحمل نظراتي المليئة بالغل، وغيرة النساء، وكلام الجيران، وتأتي لتتحشر في المنتصف تماماً. وفي كل ليلة، عندما تسمع خطى كريم والدجال على السلم (“تِك”)، كانت تستيقظ وتسحب اللحاف وترفع رأسها لأعلى.. لتسد بجسدها خيط النور المرصود، فيفشل الرصد ويموت السحر قبل أن يصل إلينا!
أما في الليلة الـ 17، فقد ضاق الدجال ذرعاً بفشل السحر كل ليلة، فقرر الدخول بنفسه مع كريم ليرى ما الذي يعطل الرصد، وهنا حدثت المواجهة.
نهاية الكابوس ونقاء القلوب
بكينا جميعاً في تلك الليلة الطويلة حتى تبتلعت ملابسنا. ارتميت تحت أقدام لؤلؤة أطلب منها السماح.. كم كنت غبية وظالمة عندما ظننت أنها طامعة في زوجي أو أنها بلا حياء! لقد كانت ملاكاً حارساً أرسله الله لنا ليحمينا بجسدها من أقرب الناس إلينا.
مصطفى، وبكل حزم ورجولة، طرد كريم من البيت فوراً بعد أن جعله يوقع على وصولات تضمن سداد ديونه بعيداً عن أملاكنا، وتبرأنا منه حتى يعتدل ويتوب توبة نصوحاً ويرد لؤلؤة لبيتها كملكة متوجة بعد أن يشفى من طمعه. وأصررنا أن تبقى لؤلؤة معنا في غرفتها مكرمة معززة، وصارت أختي التي لم تلدها أمي.