عيب جوزي 1
شيلت عيب جوزي وعشت كأنني أنا الست العاقر ٨ سنين عشان أحمي هيبته ورجولته قدام عيلته.. لحد ما جالي بـ يصرخ في طوارئ المستشفى وهو شايل عشيقته الحامل وبـ يبوس إيدي عشان أنقذ ‘عيلته الجديدة’ وميعرفش إن الست اللي بـ يترجاها بـ البالطو الأبيض هي مراته اللي داس عليها!”**
“أرجوكي يا دكتورة، الحقي مراتي وبنتي اللي في بطنها!”، الصرخة دي زلزلت أبواب الطوارئ لما جوزي “داوود” دخل بـ يجرى وهو شايل واحدة ست حامل بين إيديه كأنها أغلى ما يملك في الدنيا، أنا كنت واقفة على بعد خطوات بالبالطو الأبيض، والسماعة حولين رقبتي في أول نبطية ليا كـ دكتورة نسا وتوليد في مستشفى قصر العيني، داوود م لمحنيش، أو الألعن من كدة؛ بص في وشي كأنني حتة دكتورة غريبة م تفرقش معاه في اللحظة اللي مراته الجديدة بقت هي كل دنيته، الست اللي بين إيديه كانت بـ تعرق، وبـ تصرخ، وقافشة في بطنها اللي في الشهر الثامن، داوود كان بـ يمسح شعرها بـ حنية وحب أنا قعدت سنين أترجاه يديني ربعهم، قال للحكيمة بـ لهفة: “مراتي اسمها دينا.. أرجوكم بلاش تخلوها تسقط!”
مراتي! الكلمتين دول دخلوا في صدري زي الخنجر وم عملوش صوت، أنا “كامليا” مراته الشرعية بقالي ٨ سنين كاملة، الست اللي كانت بـ تقعد في العزومات وعز الأكل عشان أمه “إجلال” تلقح عليا كلام وتقولي يا “أرض بايرة” وبـ تعيرني بـ الخلفية، كنت بـ نزل عيني في الأرض لما حماتي تقول البيت اللي مفيش فيه عيال م يبقاش بيت، وأنا الدكتورة اللي مخبية السر الأسود في بطني عشان أحميه: داوود عاقر م بـ يخلفش! التحاليل كانت واضحة زي الشمس، بس أنا بلعت الإهانة والكسرة قدام أهله وسيبت الكل يفتكر إن العيب مني عشان هيبته كـ محامي كبير ومشهور م تتهدش برة وجوة.
“يا دكتورة، ندخلها العمليات؟”، الحكيمة سألتني، خدت نفسي بـ العافية ولبست الجوانتي: “على أوضة الملاحظة حالاً، ركبوا جهاز نبض الجنين، وقيسوا العلامات الحيوية، وسونار فوري!”، داوود مشى ورا الترولي في الممر وهو بـ يترعش ووشه أصفر: “أرجوكي يا دكتورة.. ده أول ضنا ليا!”، م عرفنيش! أو يمكن الرعب عماه، أنا ثبت صوتي لأن ذنب الجنين ملوش علاقة بـ ندالة وخيانة أبوه، دينا بصت لي وأنا بـ اكشف عليها، عينها كانت مليانة وجع، بس وراه حتة خبث ولمحة انتصار رخيصة، همست بـ تعب: “هو قال لي إن طليقته كانت عاقر وم بـ تجيبش عيال”، الحكيمة كانت خرجت تجيب شاش ومحاليل وسابتنا لوحدنا ثانية زيادة عن اللزوم، قولت لها بـ جمود: “م تتكلميش.. اتنفسي وبس”، دينا كملت بـ قهر كأنها م تعرفش إنني أنا الست دي: “مسكينة.. داوود ياما تعب وشاف المر معاها!”
ضغطت على سناني لـ حد ما فكي وجعني، السونار أظهر إن البنت مستقرة في بطنها، بنت! حجزت دينا في الأوضة بـ سبب شك في تسريب مية الجنين، وخرجت الممر ومعايا التقرير في إيدي، ووقتها سمعت داوود بـ يتكلم في التليفون: “يا ماما اهدي، أنا جبت دينا المستشفى، أيوا مراتي وبنتي زي الفل متقلقيش”، إيدي عسرت الملف لـ حد ما الورق اتطبق في إيدي، وعلى الضهر، دخلت أطمن على دينا تاني، الباب كان موارب حتة، وسمعت صوتها قبل ما أدخل: “أنت هتنزل تطلق كامليا إمتى؟ بنتي م ينفعش تتولد وتتسجل باسم واحدة عشيقة!”، داوود رد بـ نفس صوته الناعم المسموم اللي بـ يرافع بيه في المحاكم: “أمي هتروح لها بكرة البيت، هتقول لها الكلام المعتاد؛ إنها فشلت كـ زوجة، وإنها عمرها ما حبت الخلفية وخربت البيت، كامليا حيطتها واطية وبـ تحس بالذنب بسرعة، أنا هطبطب عليها الأول وبعدين أضغط عليها، هتمضي على ورق الطلاق من غير ما تطلب مليم واحد!”، دينا سألته: “والشقة؟”، قال لها: “أدبياً بتاعتي، أهو أهلها دفعوا المقدم صحيح، بس هي مش هتحاربني، دي بـ تحمي الكل وتنسى نفسها!”
غمضت عيني في الممر، دي مكنتش غلطة، ده كان فخ ومؤامرة مترتبة بـ المقاس! الليلة دي في شقتي، فتحت صندوق قديم م لمستهوش من سنين، جوة كان فيه تقرير داوود الطبي القديم: الحيوانات المنوية صفر، والحالة مفيهاش رجاء، بـ إمضاء أكبر دكتور متخصص، وطلعت معاهم وصولات بـ ٢ مليون جنيه أبويا وأمي اِدهومهاله عشان يفتح مكتب المحاماة بتاعه، سنين وأنا بقول ده دعم عائلي، ودلوقتي فهمت الحقيقة؛ أهلي ساعدوا في بنى بني آدم بـ يحاول يمحيني من الدنيا وأنا لسه بـ اتنفس! كلمت المحامي بتاعي: “أنا عاوزة أرفع قضية طلاق.. بس مش دلوقتي”، المحامي سكت: “أومال عوزة إيه الأول؟”، قولت له: “عوزاهم يقولوا بـ بوقهم وبـ أعلى صوت هما ناويين يدمـ روني إإزاي!”
تاني يوم الصبح، قبل نبطيتي، عديت من جنب أوضة دينا، لقيت شاب صغير قاعد جنب سريرها وماسك إيدها، وقال بـ صوت واطي: “أنتِ مش هينفع تتجوزي المحامي ده.. البت دي بنتي أنا!”، دينا برقت له بـ غل: “وطي صوتك يا إبراهيم! داوود لو عرف حاجة قبل ما يمضي على ورق الشقة والتنازل، كل حاجة هتطير من إيدينا ونخسر العز!”، وقفت في الممر والتلج جرى في عروقي، البنت مش بنته! طبعاً مش بنته، م ينفعش تكون بنته أصلاً! بس دلوقتي بقا معايا اسم، وشاهد، وعين عينك، سحبت تليفوني في جيب البالطو والتسجيل شغال، داوود افتكر سكوتي وطيبتي ضعف، ونسي حاجة واحدة بس؛ الدكتورة بـ تعرّف إمتى تستنى بـ الصبر.. وإمتى تمسك المشرط وتقطع!
يا ترى كامليا هتعمل إيه بـ تسجيل الصوت اللي بـ يثبت إن البنت مش بنت داوود؟ وإزاي هترد القلم لـ حماتها العقربة أول ما تروح لها البيت بـ ورق التنازل؟ وإيه الزلزال اللي هيحصل جوة المستشفى لما داوود يكتشف إن مراته الدكتورة هي اللي معاها حبل المشنقة لـ عيلته الجديدة؟
دخلت حماتي “إجلال” شقتي الساعة الثانية ظهراً، كانت خطواتها فوق البلاط لها رنين متعالٍ، وكأنها لا تدخل بيت زوجة ابنها، بل تدخل ساحة نصر. لم تبتسم، بل رمت حقيبتها على الطاولة ونظرت إليّ بنظرات تقطر شفقة مصطنعة وقالت: ” شوفي يا كامليا.. إحنا عشنا معاكي ٨ سنين صابرين، وأنا ابني محامي ملء السمع والبصر، وله حق يكون له حتة عيل يشيل اسمه.. البيوت اللي مفيهاش حس عيال بتبقى زي القبور، وداوود صبر عليكي كتير وجاء على نفسه وعيلته عشان مشاعرك، لكن لحد هنا وبس.. البنت لقت نفسها ومن حقها تعيش، وهو اتقدم لواحدة بنت بنوت وعمل بيت جديد.. ودي ورقة طلاقك المترتبة، والمطلوب منك توقيع هادي من غير شوشرة، وتنازل عن الشقة عشان ننهي الموضوع بالمعروف.”
كنت واقفة في المطبخ أصب لها القهوة بهدوء غريب أدهشها، لم ترَ في عيني الدموع التي اعتادت عليها، ولم يرتجف جسدي كما كانت تتوقع. اقتربت منها، وضعت فنجان القهوة ببطء شديد، ثم سحبت كرسياً وجلست في مواجهتها تماماً، ووضعت رجلاً فوق الأخرى ونظرت في عينيها مباشرة وقالت بابتسامة باردة: “تنور يا حماتي.. القهوة مظبوطة زي ما بتحبيها؟”
برقت عينا إجلال باستنكار وصاحت: “أنتِ اتجننتي يا بت؟ بقولك داوود اتجوز ومراته حامل في الثامن وهتخلف له ولي العهد، وجايبة لك ورقة التنازل والطلاق، وأنتِ بتقدمي قهوة؟!”
فتحت حقيبتي الهادئة وأخرجت منها هاتفاً، وضغطت على زر التشغيل. خرج صوت داوود من السماعة واضحاً كالشمس وهو يقول لعشيقته دينا: *”أمي هتروح لها بكرة البيت، هتقول لها الكلام المعتاد؛ إنها فشلت كـ زوجة.. كامليا حيطتها واطية وبـ تحس بالذنب بسرعة، أنا هطبطب عليها الأول وبعدين أضغط عليها، هتمضي على ورق الطلاق من غير ما تطلب مليم واحد!”*
أعقبه صوت دينا وهي تسأل عن الشقة، وصوت داوود وهو يقول: *”أهو أهلها دفعوا المقدم صحيح، بس هي مش هتحاربني، دي بـ تحمي الكل وتنسى نفسها!”*
ألوان وجه إجلال تبدلت في ثوانٍ بين الأصفر والأزرق، وحاولت سحب الهاتف من يدي، لكنني أعدته إلى حقيبتي ببرود وأخرجت بدلاً منه ملفاً أزرق اللون، ورميته في حجرها. قلت لها: “فتحي الملف ده يا حماتي.. ده التقرير الطبي لداوود ابنك المحامي الكبير من ٨ سنين.. ابنك عاقر بنسبة مئة في المئة، وحالته ميؤوس منها بـ إمضاء أكبر دكاترة مصر.. يعني ابنك عمره ما خلف ولا هيخلف، والست دينا اللي نايمة في مستشفى قصر العيني في قسمي وتحت إيدي، اللي ابنك بيتمحلس لها ويبيع مراته عشانها.. شايلة في بطنها بنت من واحد تاني خالص، واسمه إبراهيم، وعندي تسجيل صوته وهو بيعاتبها في الأوضة وبيقول لها البت دي بنتي!”
سقط الفنجان من يد إجلال فانكسر على الأرض ودلق السواد فوق السجاد، وبدت وكأن جلطة أوشكت أن تصيبها، تراجعت للخلف وهي تلهث: “أنتِ.. أنتِ كدابة! داوود ابني راجل، داوود…”
قاطعتها بوقفة حاسمة وعينين كالمرآة: “ابنك عاش ٨ سنين راجل في عيون الناس على حساب قهرتي وكسرتي وسكوتي.. كنتِ بتقولي عليا أرض بايرة وأنا أسكت عشان أحمي هيبته.. وكنتِ بتعيريني بالخلف وأنا اللي مخبية خيبته! ودلوقتي، الورقة دي مش ورقة طلاقي، دي ورقة حبل المشنقة اللي هلفها حولين رقبتكم.. الشقة دي باسمي، ومكتب المحاماة اللي اتفتح بفلوس أبويا هقفلهوله بالقانون، والـ ٢ مليون جنيه اللي خدهم بوصولات أمانة هحبسه بيهم.. اطلعي برة بيتي يا إجلال، وقولي لابنك المحامي يجهز نفسه.. عشان المحكمة المرة دي مش هتبقى مكان أكل عيشه، هتبقى مكان فضيحته!”
خرجت إجلال من الشقة تجر أذيال الخيبة والهلع، تكاد تسقط على السلالم وهي تتصل بابنها بهستيريا.
في المساء، عدت إلى المستشفى.. كانت نبطيتي قد بدأت، وكنت أرتدي بالطوي الأبيض وأسير في الممرات بثقة واعتزاز لم أشعر بهما من قبل. لم أكن كامليا المنكسرة، كنت الدكتورة كامليا التي بوعيها تمسك خيوط اللعبة كاملة.
توجهت إلى غرفة دينا، ودخلت بدون استئذان. كان داوود يجلس بجوارها، يمسك يدها بوجه شاحب وعينين متعبتين من قلة النوم. بمجرد دخولي، التفت إليّ وقال بلهفة: “أرجوكي يا دكتورة.. طمنيني، النبض مستقر؟ المية وقفت؟ دينا تعبانة أوي وصاحية طول الليل.”
وقفت عند طرف السرير، رفعت التقرير الطبي ونظرت إليهما ببرود شديد، ثم رفعت نظارتي الطبية ونظرت في وجه داوود مباشرة، وقلت بنبرة حادة وصوت مرتفع نسبياً: “النبض مستقر يا.. يا باشمحامي!”
تجمد داوود في مكانه.. ركز في ملامحي، جحظت عيناه، وسقطت يده من فوق يد دينا وكأن صعقة كهربائية أصابته. تراجع خطوة للخلف وهو يتمتم بغير تصديق: “كامليا؟! أنتِ.. أنتِ الدكتورة؟!”
ابتسمت ابتسامة خفيفة مليئة بالسم وقِلت: “أه يا داوود.. كامليا.. الست اللي حيطتها واطية وبتحس بالذنب بسرعة.. الست اللي بعت أمك النهاردة بـ ورق الطلاق والتنازل عشان تطردها من الشقة اللي اندفع مقدمها من دم أهلها.. مكنتش تعرف إن ‘الدكتورة الغريبة’ اللي بتترجاها في الطوارئ عشان تنقذ عيلتك الجديدة هي نفسها الست اللي دوست عليها؟”
دينا بدأت تتنفس بسرعة وخوف، وحاولت الاختباء تحت الغطاء، بينما داوود كان يتصبب عرقاً، تلعثم وقال: “كامليا.. أنا.. أنا كنت مجبر.. أمي ضغطت عليا.. وأنتِ عارفة إني نفسي في عيل.. دينا شايلة بنتي.. لحمي ودمي!”
وهنا ضحكت بصوت مسموع تردد في أرجاء الغرفة، وقِلت له بجمود هز كيانه: “بنتك؟ لحمك ودمك يا داوود؟ أنت مصدق كدبتك؟ طب والتقرير الطبي بتاعك اللي معايا في البيت اللي بيقول إنك عاقر؟ طب وإبراهيم الشاب الصغير اللي كان قاعد مكانك هنا الصبح وبيقول لـ دينا البت دي بنتي وهي بتقوله اسقط عشان داوود لو عرف مش هيمضي على ورق الشقة؟!”
انقلبت الغرفة في لحظة إلى ساحة من الجحيم؛ دينا صرخت ووجهها أصبح كالأموات، وداوود التفت إليها وعيناه تشعان بالجنون والشك، وصاح فيها: “إبراهيم مين؟! البت دي مش بنتي؟! انطقي!”
وقبل أن تجيب، خطوت خطوة نحو الباب وقلت لهما بكل برود: “حسابكم الشخصي صَفّوه برة المستشفى.. دينا حالتها مستقرة وهتخرج بكرة الصبح لعدم وجود خطورة.. ومن باب المستشفى ده، هتمشي يا داوود على النيابة.. المحامي بتاعي رفع القضية، وطلب الحجز الإداري على مكتبك وشقتك بموجب الوصولات والملكية.. والتحاليل الطبية وإثبات النسب هتبقى على عينك يا تاجر قدام عيلتك كلها اللي عيرتني ٨ سنين!”
التفتت لأغادر، فجرى داوود خلفي في الممر، وحاول الإمساك بطرف بالطوي الأبيض وهو يبكي وينتحب أمام الممرضات والأطباء ويقول: “كامليا ارجوكي.. بلاش الفضيحة.. أنا هطلقها وهكتب لك كل حاجة.. بلاش مستقبلي يضيع!”
سحبت بالطوي من يده بقوة ونظرت إليه باحتقار وقلت: “المشرط لما بيقطع يا داوود.. مبيسمعش صوت الصريخ.. اجهز للزلزال اللي هيهد حياتك!”

