دخلت في علاقة 2
الكلمة نزلت عليا زي السكين.. “يبيعه”؟
بصيت لمروان اللي كان لسه نايم في حضني بملامحه الهادية البريئة، وحسيت بنفضة في ضلوعي أقوى من نفضة بلاط الحمام الساقع. الدموية هربت من وشي تماماً، وسارة مسكتني من كتفي قبل ما أقع على الأرض.
“يعني إيه يبيعه يا سارة؟ إنتِ بتقولي إيه؟ ده ابنه! لحمه ودمه!” صرخت بصوت مكتوم وأنا بنهج.
سارة قعدتني على الكنبة وأخدت الفولدر، طلعت منه ورقة مطبوعة من إيميل رسمي. “مدحت والدكتور شريف كانوا متفقين مع شبكة بتسفر أطفال لبرة.. تحديداً لدول معينة تحت غطاء ‘تبني دولي’ أو ‘رعاية طبية خاصة لل حالات الحرجة’. متلازمة داون برة ليها مراكز رعاية متطورة، وفيه عائلات بتدفع مبالغ ضخمة بالدولار عشان تتبنى الحالات دي وتصرف عليها.. مدحت كان شايف مروان مش ابن.. كان شايفه صفقة بـ 50 ألف دولار هتأمن له حياته الجديدة برة مصر بعد ما يهرب بفلوس الشركة.”
مسحت دموعي فجأة، والضعف اللي كان فيا اتحول لطاقة غضب رهيبة. “عشان كده مكنش بيرد على رسايلي! كان مستني اللحظة اللي أولد فيها عشان يظهر وياخد الولد بحجة إنه أبوه وهيصلح غلطته.. ويسافر بيه!”
سارة هزت راسها: “بالظبط.. كان مستني الولادة، ولما أنتِ ولدتي ومروان دخل الحضّانة أول يومين، شريف بلغ مدحت.. بس اللي بوظ خطتهم إن المحامي ابن عمي بدأ يتحرك في نفس اليوم بناءً على شكوكي القديمة في حسابات مدحت، فمدحت ارتبك وخاف يظهر في المستشفى عشان المحامي ميربطش بينه وبين اختفاء الفلوس.. فقرر يستنى لما الأمور تهدى.”
قمت وقفت في وسط الصالة وأنا حاسة إن روحي بترجعلي، بس بشكل تاني.. شكل أم مستعدة تنهش أي حد يقرب من ابنها. “سارة.. إحنا مش هنقعد نعيط.. مدحت لازم يدفع التمن، هو وابن خالته الدكتور.”
سارة ابتسمت ابتسامة مرار، وطلعت موبايلها. “أنا كلمت ابن عمي ‘خالد’ المحامي، وهو زمانه على وصول هنا.. إحنا لازم نتحرك بسرعة وقبل ما مدحت يحس إننا كشفنا ورق الخطف والبيع.. هو كل اللي يعرفه لغاية دلوقتي إني طردته عشان الخيانة وبس.”
بعد نص ساعة، الباب خبط. دخل خالد، محامي تلاتيني ملامحه جادة وحاسمة. أول ما دخل وبص للورق اللي على التربيزة، وعاين إيصالات تحويل الفلوس اللي باسمي المزورة، وبص لمروان، قال بصوت جهوري:
“منى.. سارة.. إحنا قدام قضيتين.. قضية أموال عامة وتزوير واختلاس من الشركة، ودي لوحدها تشيل مدحت كذا سنة.. وقضية ‘اتجار بالبشر’ وتآمر، ودي جناية تودي مدحت والدكتور شريف ورا الشمس.”
أنا سألته وإيدي على قلبي: “طب ومروان؟ مدحت ممكن يستغل إنه الأب الشرعي ويحاول ياخده بأي طريقة قانونية؟”
خالد بص لي بثقة: “مستحيل.. أولاً هو مسجلش الولد لسه ومفيش شهادة ميلاد باسمه لغاية دلوقتي حسب كلامك، ثانياً والأهم.. إحنا اللي هنسحبه لرجلينا.. مدحت فاكر إنه أذكى مننا، وإحنا هنخليه ييجي بنفسه للمصيدة.”
“إزاي؟” سألته أنا وسارة في نفس الوقت.
خالد بصلنا وقال: “منى.. إنتِ هتبعتي لمدحت مسدج حالا.. هتقولي له إنك تعبانة جداً في المستشفى، وإنك مش قادرة تصرفي على الولد، وموافقة تتنازلي له عنه مقابل مبلغ مالي يخليكي تبدأي حياتك من جديد برة مصر.. هتقولي له الجملة اللي هو مستنيها عشان يسيل لعابه.”
قلبي انقبض: “ولو وافق وجاء؟”
خالد ابتسم: “لو وافق وجاء يستلم الولد بالورق اللي هنجهزه، هيبقى متلبس بجريمة الاتجار بالبشر بالصوت والصورة.. والشرطة هتبقى مستنياه جوة الأوضة.”
مسكت الموبايل وإيدي بتترعش.. فتحت الشات بتاع مدحت، الشات اللي بقالي شهور بترجاه فيه يرد عليا.. وكتبت:
> “مدحت.. أنا تعبت ومروان حمل تقيل عليا وأنا لوحدي.. أنا عرفت إنك متجوز ومستعدة أختفي من حياتك تماماً وأسيب لك الولد تاخده تعيشه مع عيلتك.. بس أنا محتاجة 200 ألف جنيه عشان أسافر وأبدأ حياتي برة.. لو موافق، تعال بكرا في العنوان اللي هبعته لك.. وخد ابنك.”
>
دُست “إرسال”.. وفضلنا التلاتة باصيين للشاشة..
دقيقة.. دقيقتين.. تلاتة..
وفجأة.. العلامتين بقوا أزرق.. والـ “Typing” ظهرت لأول مرة من 6 شهور!
رد مدحت بكلمتين اتنين بس:
> “أنا جاي.. جهزي الورق والولد.”
>
بصيت لسارة، لقيت عينيها بتلمع بانتقام، وبصيت لخالد اللي بدأ يرفع سماعة التليفون عشان يكلم جهات التحقيق..
المواجهة الكبيرة هتبدأ بكرا.. بس مدحت ميعرفش إن اللي مستنياه مش منى الضعيفة اللي سابها على البلاط الساقع.. اللي مستنياه هما الستات الاتنين اللي كسر قلوبهم، وقرروا يكسروا حياته.ليصلكم القصص الكامله تابعو صفحه رومانى مكرم
الليل ممرش علينا.. فضلنا صاحيين، أنا وسارة وخالد المحامي، بنرتب لكل خطوة كأننا بنرسم خريطة لعملية عسكرية. خالد اتصل بجهات التحقيق وبضباط من مباحث الأموال العامة والاتجار بالبشر، وقدم لهم صور المستندات والإيميلات اللي سارة لقتها في مكتب مدحت. الترتيب كان حاسم: الكمين هيتعمل في شقتي هنا في مصر الجديدة، الشقة اللي شهدت على كل دموعي وكسرتي.
الساعة بقت 11 الصبح.. مروان كان نايم في الأوضة الجواانية بعد ما سارة أصرت تأكله بنفسها وتهديه.
الباب خبط.. خبطات قوية، فيها نفس الرعونة والغرور بتوع مدحت.
خالد وضابط المباحث اللي كان لابس هدوم مدنية استخبوا في المطبخ، وسارة دخلت مع مروان الأوضة وقفلت الباب موارب عشان تسمع وتراقب.
فتحت الباب.. كان واقف ولابس نضارته الشمس، وبدلة شيك كأنه رايح اجتماع مجلس إدارة، مش جاي يبيع ابنه. أول ما شافني، ابتسم ابتسامته الصفرا ودخل من غير ما يستأذن.
“أهلاً يا منى.. عاش من شافك.” قالها وهو بيبص في الشقة بقرف ويقعد على الكنبة.
وقفت قدامه وبكل ثبات قلت له: “جبت الفلوس يا مدحت؟”
طلع من جيب جاكتته كيس أسود حطه على التربيزة: “دول 200 ألف جنيه كاش.. زي ما طلبتر في الرسالة. فين بقى الولد وفين التنازل اللي هتمضي عليه؟”
“مستعجل أوي على ابنك؟” قلتها بمرارة حاولت أداريها.
مدحت ضحك بسخرية وهو بيقلع النضارة: “بقولك إيه يا منى، بلاش نعيش في دور الأمومة والدراما.. إنتِ مش قادرة على مصاريف طفل داون، وأنا هأمن له عيشة برة مصر في مركز متخصص.. إمضي على الورقة دي إنك متنازلة عن حضانته ورعايته ليا بصفتي الأب، وسيبيني آخده وأمشي من هنا ومن حياتك للأبد.”
في اللحظة دي، باب الأوضة الجوانية اتفتح.. وخرجت منه سارة.
مدحت أول ما شافها، وشه اتقلب ألوان، وقام وقف مكانه كأن حياية لقرته: “سارة؟! إنتِ.. إنتِ إيه اللي جابك هنا؟”
سارة قربت منه وخطواتها كانت بتهز الأرض، وبصت له بعينين كلها احتقار: “جيت أشوف جوزي المحترم.. السند.. اللي بقالي 10 سنين معيشني في وهم.. وهو بيبيع لحمه ودمه بـ 50 ألف دولار عشان يهرب بفلوس شركتنا!”
مدحت بدأ يعرق، وبص لي وبص لها وهو بيتلعثم: “سارة.. إنتِ فاهمة غلط.. منى دي هي اللي بتتبلى عليا.. أنا كنت جاي آخد الو…”
“كنت جاي تاخد الولد تبيعه يا مدحت!” صرخت أنا في وشه. “الدكتور شريف ابن خالتك اعترف بكل حاجة حالا في النيابة بعد ما اتنصب له كمين في عيادته من ساعتين!”
مدحت رجع لورا خطوتين، وعينيه بقت تترعش من الرعب وهو شايف كل خيوطه بتتقطع.. وفجأة، خرج خالد وضابط المباحث من المطبخ.
الضابط طلع الكارنيه بتاعه: “مدحت عبد الرحمن.. إنت مقبوض عليك بتهمة التزوير، واختلاس أموال الشركة، والاتجار بالبشر.”
مدحت بص حوليه كالمجنون، وحاول يزق الضابط عشان يهرب ناحية الباب، بس الضابط كان أسرع ولمحه والكلابشات حددت إيده في ثانية.
وهو بيتسحب لبرة والشقة مقلوبة بصوت زعيقه وتوسلاته لسارة: “سارة باسي إيدك ارحميني.. أنا عملت كل ده عشاننا.. عشان أأمن مستقبلنا!”
سارة بكت من الوجع، بس تفّت في الأرض وقالت له: “مستقبلنا المبني على دم طفل ملوش ذنب؟ طلقني يا مدحت.. طلقني حالا قبل ما تتدفن في السجن.”
الباب اتقفل.. والسكوت رجع للشقة تاني.. بس المرة دي مكنش سكوت خوف، كان سكوت انتصار.
سارة قعدت على الأرض وهي بتعيط بهستيريا من الصدمة، رحت قعدت جنبها وأخدتها في حضني.. الست اللي كانت من 24 ساعة المفروض تكون عدوتي، بقت هي الإنسانة الوحيدة اللي حمتني وحمت ابني.
قالت لي وهي بتشهق: “خلصنا منه يا منى.. خلصنا من الشيطان.”
هزيت راسي وأنا بضمها.. بس فجأة، تليفون مدحت اللي كان سابه على التربيزة في الزيطة رن..
شاشة التليفون كان مكتوب عليها “الجهة الألمانية – مستر هانز”..
بصيت لسارة، وخالد المحامي قرب بسرعة وأخد التليفون وفتح الإسبيركر.. وجاء صوت من الطرف التاني بلغة عربية مكسرة:
“مدحت.. أين أنت؟ الطبيب شريف لا يرد.. السيارة المنتظرة عند المطار ستتحرك خلال ساعة.. هل الطفل معك؟”
خالد بصلي وعينيه برقت.. الحكاية لسه مخلصتش، والشبكة الدولية اللي ورا مدحت لسه برة.. وفي إيدنا الخيط الوحيد اللي هيوقعهم.

