مراتي حكايات علي ابو الدهب 2

مرت تلات أيام على سفرهم. الشقة رجعت لهدوئها، بس الهدوء ده كان تقيل ومصحوب بقلق جوايا. ياسين كان هناك في البلد بيحاول يخلص ورق بيع الأرض عشان يسدد الـ 150 ألف جنيه ويقفل المحاضر اللي كانت شاهيناز هتروح فيها في داهية وتجرنا معاها.

كنت بكلمه في التليفون كل كام ساعة، صوته كان تعبان ومجهد، بس كان دايماً يطمني ويقولي: “أنا كويس يا مريم، خلي بالك أنتِ بس من نور ومتفتحيش الباب لأي حد.”

في اليوم الرابع، العصر، جالي اتصال من رقم غريب. قلبي انقبض، رديت بصوت مرعوش:

— ألو؟ مين معايا؟

جالي صوت راجل خشن وجاد جداً:

— مدام مريم؟ أنا الأستاذ رفعت المحامي، وكيل الحاج فرج صاحب شركة مستحضرات التجميل اللي شاهيناز أخت جوزك مديونة له.

اتسمرت في مكاني، ونور بدأت تزن في حِجري كأنها حاسة بخوفي:

— أيوة يا فندم.. بس جوزي وياسين مع الحاج في البلد وبيخلصوا الفلوس وهيدفعوها.

المحامي ضحك ضحكة قوية خلت ركبي تسيب:

— يدفعوا إيه يا مدام؟ أخت جوزك مكنتش مديونة بـ 150 ألف بس.. الهانم كانت سحبت بضاعة تانية قبل ما تهرب بـ 100 ألف كمان، والوصلات الجديدة معايا، وأنا عرفت إن جوزك بيبيع الأرض، وجيت بنفسي على الشقة عندكم عشان أحجز على العفش وأنفذ حكم المحكمة، وأنا واقف دلوقتي تحت بيتكم ومعايا القوة!

الدنيا لفت بيا. 100 ألف كمان؟! يعني شاهيناز كذبت تاني ومقالتش الحقيقة كاملة؟ وياسين بيبيع أرض جده عشان يسدد جزء، ويطلع فيه جزء تاني؟

بصيت من عين الباب السحرية برعب، لقيت فعلاً راجل ببدلة ومعاه اتنين شكلهم غريب وواقفين على السلم بيتكلموا بصوت واطي. قفلت الترباس والترباس الإضافي وأنا بجري على التليفون وبإيد بترتعش طلبت رقم ياسين.

— ياسين! الحقني يا ياسين! في محامي تحت البيت ومعاه ناس وبيقول شاهيناز عليها 100 ألف تانين وعاوزين يحجزوا على شقتنا!

صوت ياسين اتغير تماماً، وسمعت صوت خبطة قوية في الخلفية كأنه ضرب إيده في الحيطة:

— بتقولي إيه؟! 100 ألف كمان؟ بنت… كدبت عليا تاني؟! مريم، اقفلي الباب كويس وماتفتحيش لحد نهائي، أنا قاطع تذكرة القطر وفي السكة، ساعة بالظبط وأكون عندك، لو خبطوا مت رديش!

المشكلة إن الخبط بدأ فعلاً.. خبط قوي ومنتظم على الباب. نور بدأت تصرخ من الخوف، وأنا أخدتها في حضني وقعدت في أبعد ركن في الصالة وأنا بدمع وبدعي ربنا يسترها.

ساعة كاملة مرت كأنها دهر، لحد ما سمعت صوت زعيق عالي برة على السلم، وصوت ياسين وهو ينهج وبيصرخ:

— أنت بتعمل إيه هنا يا جدع أنت؟ بتخض مراتي وبنتي؟!

جريت على الباب وبصيت، لقيت ياسين واصل وهدومه متبهدلة وعينيه حمرا من الغضب، وواقف وش لوش مع المحامي. المحامي طلع الأوراق:

— يا أستاذ ياسين، إحنا مش بتوع مشاكل، أختك ماضية على وصلات جديدة بـ 100 ألف، والتاجر مش هيسكت، يا تدفع يا ننفذ على الشقة دي لأنها شقة أختك المسجلة في البطاقة كعنوان إقامة!

ياسين مسك الورق وبص فيه، وفجأة ضحك بسخرية، وطلع من جيبه المحفظة، وطلع منها وصل استلام رسمي مختوم ونموزج من المحكمة، ورماه في وش المحامي وقال بصوت زلزل العمارة:

— شاهيناز غيرت عنوان إقامتها من شهرين على بيت جوزها القديم اللي اطلقت منه عشان تهرب منكم! والشقة دي شقتي أنا، ومكتوبة باسمي وباسم مراتي مريم رسمي في الشهر العقاري، وادي عقد البيع النهائي وصورة منه.. مالكمش عندي قشاية! وأختي أنا سددت للتاجر بتاعك الـ 150 ألف الكبار كاش في المحافظة هناك قبل ما أركب القطر، وأهو التنازل الرسمي عن القضية الأساسية!

المحامي بص للورق بذهول، ولقى إن ياسين فعلاً قانونياً محمي تماماً، وشقتنا ملهاش أي علاقة بشاهيناز ومصايبها. المحامي لّم ورقه وبص لياسين باحترام وخوف:

— طب والـ 100 ألف التانية؟

ياسين قاله بحسم:

— روح ارفع قضية جديدة في بلدها، واحبسها! أنا مش دافع مليم زيادة، وأختي بنظري ماتت من اليوم ده! تروح تِشرب من البحر هي وأمي اللي دارت عليها!

المحامي والناس اللي معاه انسحبوا بسرعة. ياسين خبط على الباب بالراحة: “افتحي يا مريم.. أنا ياسين.”

فتحت الباب ورميت نفسي في حضنه وأنا بنهار. أخدني ودخلنا وقفل الباب وراه بالضبة والمفتاح. قعد على الكنبة ودفن وشه بين إيديه وهو بيتنهد تنهيدة حرقة.

قعدت جنبه وحطيت إيدي على كتفه:

— سددت الـ 150 ألف؟

هز راسه وقال:

— أيوة، بعت الأرض وخلصت القضية الكبيرة عشان أبويا ميموتش من قهرته وعشان اسم عيلتنا.. بس هناك عرفت إنها كانت مخبية قنابل تانية ومقالتش عليها. أمي كانت عارفاها وبتداري عليها وجايباها تقعد عندي عشان تشيلني الليلة وتحط مراتي في وش المدفع!

بص لي وعينيه كانت مدمعة:

— أنا قطعت علاقتي بيهم يا مريم.. بعت لأبويا رسالة وقلتله شاهيناز تشيل شيلتها، والقرش اللي كان حيلتي راح. أنا من بكرة هبدأ من الصفر عشانك أنتِ وبنتي.. سامحيني يا بنت الناس.

مسكت إيده وبستها وقلتله وعيني في عينيه:

— مسامحاك يا ياسين.. وأنا معاك في أي حاجة. الشغلانتين اللي بتشتغلهم، أنا هنزل أشتغل معاك، هفتح حضانة صغيرة أو هدي دروس خصوصية هنا في البيت ونشيل الشقة سوا.. المهم إننا قفلنا بابنا علينا، ومحدش هيقدر يكسرنا تاني.

ياسين ابتسم لأول مرة من أيام، وأخد “نور” في حضنه وباسها، وحسيت إن الشقة الـ 80 متر دي، رغم كل العواصف اللي مرت عليها، بقت أقوى وأمتن من أي قصر في الدنيا.. لأن أساسها كان راجل بيصون، وست بتصبر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *