جبروت حماتي حكايات علي ابو الدهب 2
رماهم الرجالة بره البوابة الحديد الكبيرة بكل قسوة، نفس البوابة اللي اتقفلت في وشي من ساعتين. فتحية كانت بتصرخ وتلطم في الشارع، والجلابية بتاعتها اتبهدلت من طين المطر، وإبراهيم قاعد على الرصيف حاطط راسه بين إيديه، مش مستوعب إن الـ 3 سنين تمثيل، والملايين اللي كان بيحلم بيها، اتبخرت في أقل من ساعة زمن.
أبويا مسك إيدي بحنان، وأخد ياسين من حضني براحة، وبص في وشه الصغير والدموع مالية عينيه:
* “شبهك وأنتي صغيرة يا هدى.. متخافيش يا بنتي، طول ما فيا نفس، مفيش مخلوق هيقدر يمس شعرة منكم.”
دخلنا جوه الفيلا. البيت اللي كنت حاسة فيه بالخوف بقالي شهور، فجأة رجعتله هيبته بوجود عاصم بيه. المحامي “متر حامد” قعد على السفرة وفتح اللاب توب، وبدأ يراجع التسجيلات اللي تليفوني لقطها. صوت إبراهيم وهو بيقول: *”مش هتعدي الليلة دي غير وهو ميت”* وصوت فتحية وهي بتقول: *”البرد هيكون حل لنا المشكلة”*.. كل ده كان واضح ونقي جداً.
متر حامد بص لأبويا وقال:
* “عاصم بيه، التسجيلات دي مع تقرير دكتور الأطفال اللي هيعاين ياسين دلوقتي، كفيلة تودي إبراهيم وأمه في داهية.. تهمة شروع في ق*تل مع سبق الإصرار والترصد، ومحاولة إكراه على توقيع مستندات تحت التهديد.”
في الوقت ده، صوت سرينات بوليس النجدة بدأ يظهر من بعيد، ويقرب لحد ما وقف قدام الفيلا.
إبراهيم وأمه افتكروا إن البوليس جاي ينجدهم، فجروا على الظابط وهما بيصرخوا. فتحية قالت:
* “الحقنا يا باشا! عاصم بيه اللي بيقولوا عليه مات رجع وتهجم على بيتنا وطردنا في البرد!”
الظابط بصلهم ببرود، وطلع أمر ضبط وإحضار ونطق بكل حزم:
* “إبراهيم الدمنهوري؟ وفتحية عبد المعطي؟ أنتوا مطلوب القبض عليكم بتهمة الشروع في قت*ل هدى عاصم وابنها الرضيع، والبلطجة وسرقة مستندات.”
إبراهيم صرخ: “دي مراتي وده بيتي!”
الظابط رد عليه وهو بيقيد إيديه بالحديد: “البيت ده مسجل باسم مدام هدى، وبلاغ النيابة نزل بوقف أي أرصدة أو تعاملات ليك. اتفضلوا معانا من غير شوشرة.”
شفتهم وهما بيتركبوا عربية البوكس، متبهدلين، بردانين، والذل مالي عنيهم. الليلة اللي خططوا ليها عشان يخلصوا مني ومن ابني ويورثوا كل حاجة، بقت هي الليلة اللي هتقضي على مستقبلهم تماماً.
أبويا قفل الستارة وبصلي:
* “ارتاحي يا هدى، وجهزي نفسك.. بكرة الصبح هنمشي من هنا، هنرجع لبيتنا القديم، وسط ناسنا وأهلك اللي بجد. والحساب في المحاكم أنا اللي هيديره بنفسي.. مش هسيبهم غير وهما بياكلوا في قضبان السجن.”
حضنت ابني “ياسين” اللي بدأ يتدفى ويهدا، وبصيت للسما من ورا القزاز.. الشمس بدأت تشقشق بنورها الضعيف، وابتسمت وأنا بفتكر جملة إبراهيم: *”مش هيطلع عليكي صبح يا حلوة”*.
الصبح طلع يا إبراهيم.. بس طلع بنورك يا أبويا، وكتبلنا أنا وابني عمر جديد.
حملتُ “ياسين” بين ذراعيّ، وجسده الصغير بدأ يسترخي تماماً بعد أن تسلل الدفء إليه من معطف أبي الفرو. كان ينظر إليّ بعينيه الصغيرتين كأنه يستشعر براءة الطفولة التي كادت أن تُسلب منه في ليلة باردة غاب فيها ضمير البشر.
أبي التفت إليّ، وعيناه المحمرتان من فرط التأثر لم تفارقاني:
* “هدى يا بنتي، اطلعي ارتاحي فوق، وغيّري هدومك وهدوم الواد. الرجالة بره مأمنين المكان، ومفيش صرصار هيقدر يخطّي عتبة البيت ده.”
صعدتُ إلى غرفتي، تلك الغرفة التي شهدت في الأيام الأخيرة دموعي وخوفي وسجني. وضعتُ ياسين على السرير، ودثرته بالأغطية الثقيلة، وجلستُ بجانبه أستمع إلى أنفاسه المنتظمة التي كانت بمثابة أعظم موسيقى أسمعها في حياتي. نظرتُ إلى يديّ اللتين توقفتا عن الارتعاش، وتذكرتُ كل لحظة ذل عشتها مع إبراهيم ووالدته؛ كيف كانوا يتعمدون التقليل مني، كيف حرموني من الاتصال بأي شخص، وكيف كانوا يتهامسون في الصالة عن خطتهم للتخلص مني بمجرد أن أوقع على التنازل. كل ذلك انتهى الآن.. انتهى للأبد.
### في الصباح التالي.. شمس العدالة تشرق
مع أول خيوط للشمس وهي تخترق زجاج النافذة، كانت الأجواء قد تغيرت تماماً. نزلتُ إلى الطابق السفلي لأجد أبي ومعه “متر حامد” والمساعدون يملأون الصالة بالملفات والأوراق. رائحة القهوة الدافئة كانت تملأ المكان، وهو الخيط الأول للحياة الطبيعية التي حُرمت منها.
أبي نظر إليّ وابتسم ابتسامة هادئة حملت وقار السنين:
* “صباح الخير يا قلب أبوكي. نمتي كويس؟”
* “الحمد لله يا بابا.. أول مرة أنام وأنا مش خايفة من بكرة.”
متر حامد وقف احتراماً، وفتح ملفاً كبيراً وقال بنبرة واثقة:
* “مدام هدى، أحب أطمنك. النيابة باشرت التحقيق من الفجر. التسجيلات اللي تليفونك سجلها كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. إبراهيم وأمه انهاروا في التحقيقات. إبراهيم حاول يرمي التهمة كلها على أمه، ويقول إنها هي اللي وزّته وهي اللي طردتك، وفتحية صرخت وشتمته في وسط سرايا النيابة وقالت إنه هو اللي خطط لكل حاجة عشان يتجوز واحدة تانية بفلوسك!”
ابتسمتُ بسخرية وقلت:
* “كنت متوقعة.. هما الاتنين ميعرفوش غير لغة الفلوس، وأول ما الفلوس غارت، نهشوا في بعض.”
أبي وضع فنجان القهوة وقام، وربت على كتفي:
سبيكة ذهب عيار 24 من بي تي سي BTC
جنيه ذهب عيار 21 من بي تي سي BTC
* “مش بس كده يا هدى. التحقيقات كشفت إن إبراهيم كان مديون لشركات تانية، وكان مهدد بالحبس، وعشان كده كان مستعجل على التنازل. والنهاردة صدر قرار رسمي بحبسهم 4 أيام على ذمة التحقيق بتهمة الشروع في ق*تل طفل وأمه، والابتزاز، وتزوير أوراق رسمية.”
### المواجهة الأخيرة.. في المحكمة
مرت الأسابيع سريعة، وتحولت الأيام إلى جلسات محاكمة عاصفة. صممتُ أن أحضر الجلسة الأخيرة بنفسي، متسلحة بوجود أبي بجانبي، وحاملة ابني “ياسين” الذي بدأ يكبر وتظهر ملامحه الجميلة.
حين دخل إبراهيم وأمه إلى قفص الاتهام، لم أصدق أن هذين هما الشخصان اللذان كانا يرقصان خلف الستارة احتفالاً بموتي. إبراهيم كان يرتدي ملابس الحبس البيضاء، وجهه شاحب، وشعره غير مصفف، وجسده الهزيل يرتعش. أما فتحية، فكانت تبدو كعجوز شمطاء كسرها الذل، تحاول إخفاء وجهها بطرف شالها الشعبي.
حين وقعت عينا إبراهيم عليّ، ونظر إلى أبي الواقف كالجبل، انهمرت دموعه وبدأ يصرخ من وراء القضبان:
* “هدى! سامحيني يا هدى! أنا بحبك.. الواد ابني ملوش ذنب يتربى وأبوه في السجن! قولي لعاصم بيه يتنازل وأنا هعيش خدام تحت رجليكي!”
لم تهتز فيّ شعرة واحدة. نظرتُ إليه ببرود تام، ولم أرد بكلمة. رفعتُ رأسي ونظرتُ إلى منصة القضاء.
نطق القاضي بالحكم الذي أثلج صدري وعوّضني عن كل ليلة برد وخوف:
> “حكمت المحكمة حضورياً على المتهم الأول إبراهيم الدمنهوري، والمتهمة الثانية فتحية عبد المعطي، بالسجن المشدد لمدة 7 سنوات، مع الشغل والنفاذ، وإلزامهم بالمصاريف الجنائية، وإحالة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة.”
>
علت صرخات فتحية بالويل والملامة لابنها، وسقط إبراهيم على الأرض يندب حظه والشرطة تسحبه إلى الداخل.
### الخاتمة.. بداية جديدة
خرجنا من قاعة المحكمة إلى ساحة الشمس المشرقة. الهواء كان نقيّاً، ولم أعد أشعر بالبرد الذي كان يعض في عظامي؛ بل كنت أشعر بالدفء يملأ كياني كله.
أبي نظر إليّ وقال:
* “جاهزة يا هدى؟ رجالتنا نقلوا كل حاجتك لبيتنا الجديد.. بيت عاصم بيه اللي اتقفل من 11 سنة هيتفتح تاني بيكي وبابنك ياسين.”
نظرتُ إلى “ياسين” النائم في حضني، وبوسته على جبهته الصغيرة، وقلت لأبي:
* “جاهزة يا بابا. الليلة ديك كانت أصعب ليلة في حياتي، بس لولاها عمرنا ما كنا هنتجمع تاني، وعمري ما كنت هعرف قوتي الحقيقية.”
ركبنا السيارة الفخمة، وتحركت بنا وسط حراسة مشددة، تاركين خلفنا قصة غدر انتهت بالعدالة، ومقبلين على حياة جديدة عنوانها الأمان، والكرامة، وحضن الأب الذي لا يعوضه أي شيء في الدنيا.
**تمت بحمد الله.**

