كاميرا المراقبه حكايات علي ابو الدهب 1

“.كـاميرا الـمراقبة.” في وحـدة الرعـاية المركزة للأطفال “جابت مشهد غريب .. لراجل ضخم طول بعرض جسمه مليان تاتوهات،” داخل شايل بيبي صغير لسه مولود ومطلعه بدري عن وقته،” والبيبي نايم على صدره بحنية مش طبيعية.”

كل الممرضات في الأوضة كانوا بيسألوا

نفس السؤال: “مين الراجل ده وجاي لوحده ليه؟”.

 

أنا كنت واحدة من الممرضات دول.

 

اسمي “نادية”، بشتغل في مستشفى “أبو الريش” للأطفال بقالي 11 سنة. المدة دي كانت كفاية أوي عشان أعرف إن وحدة الرعاية المركزة دي ممكن تخلي أقوى راجل في الدنيا يحس إنه قليل ومغلوب على أمره. شفت أبهات بيعيطوا هما ولابسين الكمامات، وأمهات نايمين جنب الحضانات وإيدهم ثابتة على إزاز الحضانة، وجدات بيصلوا بصوت واطي لدرجة إن صوت الأجهزة اللي حوالينا كان أعلى من أي صوت تاني.

 

بس عمري ما شفت حد زي “عم صابر”، اللي الناس بتسميه “الوحش” بسبب منظره.

 

راجل في الأربعينات، طوله يملأ العين، وجسمه زي الحيطة، حليق الرأس وله دقن رمادية طويلة، وعيونه زرقاء حادة، وإيديه كلها رسومات ووشم، ولابس لبس الموتوسيكلات الثقيل بتاعه. كان داخل بقميص المستشفى الأزرق، وشكل الحبر اللي على رقبته وإيديه كان مناقض تماماً لهدوء الغرفة.

 

كان منظره غريب ومرعب جداً على جو الرعاية المركزة.

 

القسم عندنا كله إضاءة هادية، أصوات أجهزة خفيفة، بطاطين صغيرة، وحضانات بلاستيك، وريحة مطهرات. العيال الصغيرة دي صرخاتهم كانت بتبان ضعيفة جداً ومحتاجة معجزة عشان يكملوا.

 

وعم صابر كان باين وسطهم كأنه .

 

في الصباح ده، سمعنا صوت عياط جاي من السرير رقم 7.

 

الطفلة مكنش ليها اسم لسه. في الملف مكتوب “الطفلة حبييه”، لأن أمها سابت المستشفى ومشيوا قبل ما يكملوا بياناتهم. الطفلة اتولدت قبل أوانها، ووزنها ضعيف، وأمها كانت بتمر بظروف صعبة ومحدش من أهلها ظهر. لا أب، لا جدة، ولا حتى عمة تسأل عليها.

كانت بتعيط كأنها عارفة إنها “لوحدها” في الدنيا.

.

إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه طبياً.. محاليل، تدفئة، لمس حنين، أدوية.. مفيش فايدة. الطفلة كانت بتعيط لدرجة إن جسمها الصغير بيتصلب من كتر الوجع.

 

“وفجأة”عم صابر سمع صوتها.

 

لف ناحية الصوت بسرعة كأنه كان مستني اللحظة دي

بصيت على كارنيه “المتطوعين” بتاعه، اتأكدت إنه مخلص كل التدريبات ومصرح ليه بحضن الأطفال اللي أهلهم مش موجودين.

 

قلتله بتردد: “هي بتمر بوقت صعب النهاردة يا عم صابر

 

بصلي بنظرة حزينة وقال: “ممكن أشيلها؟”.

ممرضة زميلتي همست في ودني: “ده؟ هيشيلها ده؟”

 

عملت نفسي مش سامعة، وهو غسل إيده زي ما اتعلم، واستنى التعليمات. قعد على الكرسي، ظهره مفرود، وفتح دراعاته بحذر شديد، كأنه خايف يكسرها من كتر ما هي صغيرة.

أول ما حطيت “حبيبة” على صدره، زاد عياطها أكتر.

 

دكتور القسم وقف يراقب من بعيد، والممرضات وقفوا مكتفين إيديهم.. مستنيين يشوفوا إيه اللي هيحصل.

صابر نزل بدقنه قريباً من ودنها وهمس: “خلاص يا عصفوره صغيرة.. أ جنبك، متخافيش.”

 

فضلت تعيط 5 دقايق.. ثم 10.. ثم 20 دقيقة.

 

صابر مبيتحركش، بيتنفس بهدوء كأنه بيحاول يديها نبض قلبه. إيده الكبيرة بدأت تطبطب على ضهرها بحنية خلتني أتكسف من شكي فيه. بعد 40 دقيقة، عياطها هدي. بعد ساعة، كانت نايمة بعمق، وإيدها الصغيرة متمسكة بوشم على صدره

#الكاتب_علي_ابوالدهب

الغرفة كلها خدت نَفَس طويل كأنها كانت مكتومة.

قربت منه وقلت: “تقدر ترجعها الحضانة لو محتاج تستريح يا عم صابر”.

 

بص لوجهها الصغير وقال: “لأ يا بنتي”.

 

قلتله: “مش لازم تشيلها طول اليوم”.

عنيه اتملت دموع وقال بصوت مخنوق: “أنا عارف إني كبير ومخيف.. بس الطفلة دي محتاجة حضن بس، وأنا عندي اليوم كله عشان أشيلها”.

.

الراجل ده فضل شايل الطفلة 12 ساعة كاملة.

 

محدش فينا كان يعرف وقتها إن سبب إصراره على شيل الأطفال المهجورة ، بدأ من 26 سنة.. جنب سرير تاني في نفس الوحدة، مع طفل تاني خالص، كان اسمه محفور تاتو على معصمه هو شخصياً.

 

عايز تعرف ليه الراجل العملاق ده بيطوع بحياته عشان الأطفال دي؟ وإيه السر اللي ورا اسم الطفل الموشوم على إيده؟ اضغط لايك، واكتب “الله” في التعليقات، وهنزلكم الجزء اللي يقطع القلب.

#الكاتب_علي_ابوالدهب

مرت الساعات في الغرفة الدافئة، والهدوء اللي لف المكان كان غريب ومريح في نفس الوقت. “حبيبة” نايمة على صدر عم صابر كأنها لقت أخيراً شط الأمان بعد عاصفة مرعبة، ونبضات قلبه المنتظمة كانت بمثابة الموسيقى اللي هدت روعها.

أنا والممرضات كنا بنراقب المشهد ده وعيوننا مشقادرة تتحرك من عليهم. الراجل اللي كنا بنخاف من ضخامته ومنظر التاتوهات اللي مغطية جسمه، بقا هو المصدر الوحيد للدفا في الأوضة.

لما الساعة جت 8 بالليل، شفت دموع صامتة نازلة من عيون عم صابر، بتمشي بالراحة وسط دقنه الرمادية الطويلة وتدوب. في اللحظة دي، الفضول الإنساني والمهني جوايا مخلانيش قادرة أسكت. قربت منه بخطوات بطيئة، ومعايا كوباية شاي دافية، وقعدت على الكرسي الفاضي اللي جنبه.

قلتله بصوت واطي جداً عشان مصحيش البنت: “شاي يدفي جسمك يا عم صابر.. بقالك 12 ساعة على نفس الوضع، ضهرك أكيد اتدمر”.

بصلي وابتسم ابتسامة باهتة، وهز رأسه بالرفض: “تسلمي يا بنتي.. الشغلانة دي بالذات، الوجع فيها بيداوي وجع أكبر منه بكتير”.

حركت عيني بالصدفة على معصم إيده اليمين، تحت كم قميص المستشفى الأزرق، ولمحت “التاتو” اللي مكتوب فيه اسم بخط عربي قديم ومتداخل.. الاسم كان **”يوسف”**، وتحته تاريخ قديم من 26 سنة.

لمح نظرتي، فا تنهد تنهيدة طويلة كأنها طالعة من جروح سنين، وقال بصوت حزين:

“شايفة الاسم ده؟ ده ‘يوسف’.. ابني الوحيد اللي مشفتش منه غير 4 أيام بس في الدنيا دي”.

سكت شوية، وبلع ريقه وصوته بدأ يتغير ويتحشرج بالدموع:

“من 26 سنة، كنت شاب طايع، شكلي وجسمي هما رأس مالي، وكنت فاكر إن القوة بالدراع. مراتي ولدت يوسف بدري في الشهر السابع، وجينا بيه هنا.. نفس المستشفى، ‘أبو الريش’، وفي نفس الوحدة دي. يوسف كان ضعيف جداً، أصغر من حبيبة دي بكتير”.

“الدكاترة قالوا لي وقتها إن الولد محتاج يحس بأمان، محتاج حضن دافي يظبط ضربات قلبه. بس أنا من جهلي وخوفي، كنت ببص لإيديا الكبيرة دي وأقول: أنا لو لمسته هكسره.. أنا وحش ومينفعش أدخل المكان الطاهر ده. كنت بخاف أشيله، وبخاف أقرب منه. سيبته في الحضانة، وكنت بكتفي إني أبص عليه من ورا الإزاز وأنا عضلاتي وجسمي ملهمش أي لازمة”.

صابر نزلت دموعه بغزارة وبدأ جسمه يترعش خفيف وهو متبت في “حبيبة” أكتر:

“في اليوم الرابع، يوسف مات.. مات ومحسش بحضن أبوه. مات وهو لوحده جوه الصندوق الإزاز. الدكتور قالي وقتها كلمة عمرها ما فارقت ودني: ‘الأطفال دول يا صابر بيموتوا من الوحدة قبل المرض.. الحضن بيحييهم’. الدنيا اسودت في عيني، وكتبت اسمه على إيدي عشان أفضل فاكر ذنبي.. ذنب الخوف اللي حرمني من إني أكون أب”.

“ومن يومها، قررت إني مش هسيب طفل في المستشفى دي يمر باللي يوسف مر بيه. غيرت حياتي، وبقيت بشتغل في البيع والشراء وموتوسيكلات عشان أهidentity نفسي، بس حياتي الحقيقية بتبدأ لما بدخل من باب الرعاية دي. أنا باجي هنا عشان أطبطب على نفسي قبل ما أطبطب عليهم. الطفل المهجور أو اللي أهله مش معاه، أنا ببقى أبوه وأمه لحد ما ربنا يكتبله الشفا.. أنا بحميهم من الوحدة اللي موتت ابني”.

كلام عم صابر نزل عليا وعلي زميلاتي زي الصاعقة. الراجل “الوحش” اللي الكاميرات جابته في الأول وهي مخضوضة من شكله، طلع هو الملاك الحارس للوحدة دي.

بصيت لـ “حبيبة” اللي كانت نايمة ومبتسمة ابتسامة خفيفة، وإيدها الصغيرة لسه متمسكة بـ “التاتو” اللي فيه اسم “يوسف”.. كأن روح يوسف كانت حاضرة وبتطمنها إنها مش لوحدها في الدنيا، وإن الأب اللي خاف زمان، بقا اليوم أقوى وأحن أب لكل طفل ملوش حد.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *