قعدت 15 سنه

“قعدت 15 سنة بمسح أرضيات المكاتب وبغسل الحمامات عشان أبني بيت أحلام عيلتي… بس لما رجعت، قالولي إن ماليش حتى أوضة أنام فيها.”
​وما كانش حد فيهم يعرف إن الحقيقة القانونية كانت في صالحي… وأن كل حاجة هتتقلب رأسًا على عقب في خلال أيام.
​اسمِي خالد، وسبت بلدي الصغيرة في الارياف وأنا عندي عشرين سنة، معيش غير شنطة رياضية، و٥٠٠ جنيه، ووعد قطعته لأمي.
​قلتلها يومها:
“أنا هسافر القاهره، وهشتغل مهما كان التمن. هبني حياتنا من جديد، وهجيبلك البيت اللي حلمتي بيه طول عمرك.”
​حضنتني وهي بتعيط، وأقسمت إن كل جنيه هبعته هيتشال عشان نبني بيه بيت العيلة.
​ومن اليوم ده بدأت رحلتي.
​خمسة عشر سنة من التعب اللي ما بيبطلش.
​بالنهار كنت بشتغل طباخ عند عائلات أغنية، .
​وبالليل، كنت بنظف المكاتب والشركات بعد ما الموظفين يمشوا، أشم ريحة المنظفات لحد الفجر، وبعدها أبدأ يوم جديد وكأن مافيش حاجة حصلت.
​عشت في شقة صغيرة تحت الأرض (بدروم)، وكنت بشارك الحمام مع ناس غريبة، وحرمت نفسي

من كل حاجة.
​ما اشتريتش هدوم جديدة.
​ما سافرتش.
​ما حضرتش فرح صاحب عمري ولا حتى فرح اخويا.
​وما لحقتش حتى أودع جدتي قبل ما تموت، لأن خسران يوم شغل كان معناه خسران جزء من حلمي.
​أما فرحتي الوحيدة، فكانت أول كل شهر، أول ما أحول ال ١٠ الاف جنيه لحساب أمي.
​وكانت هي بتبعثلي صور للبيت وهو بيكبر.
​مرة للأساسات.
​ومرة للحيطان.
​وبعدها للبلكونة الواسعة.
​وبعدين للمطبخ الرخام اللي دفعت تمنه من شهور طويلة من السهر والتعب.
​وكانت بتقولي في كل رسالة:
“ده بيتك يا خالد… احنا مستنيينك ترجع بس.”
​ولما البناء خلص، قررت أرجع خلاص للبيت.
​كان عندي خمسة وتلاتين سنة، جسمي مهدود من التعب، بس قلبي كان مليان أمل.
​ما قلتلهمش على ميعاد وصولي.
​كنت عاوزه أفاجئهم.
​وصلت في يوم الصبح وكان في مطر.
​البيت كان أجمل بكتير من اللي تخيلته.
​وقفت قدامه وابتسمت، وأنا بقول بيني وبين نفسي:
“عملناها ونجحنا.”
​طلعت السلم، وحطيت المفتاح…
​بس ما فتحش الباب.
​افتكرت إنهم غيروا الكالون.
​ضربت الجرس.
​فتحتلي واحدة ما أعرفهاش شايلة عيل صغير على إيدها.
​بصلتي باستغراب وقالت:
“عايز حاجة؟”
​قلتلها وأنا ببتسم:
“أنا خالد… ابن البيت ده.”
​عينيها وسعت، وندهت لجوه بصوت عالي:
“يا سالم… أخوك جِيه!”
​خرج أخويا.
​ما حضنّيش.
​ما ابتسمش.
​قال بس:
“أمي ما كانتش متوقعة إنك تيجي دلوقتي مقولتش ليه.”
​دخلت البيت وأنا بحاول أطنش البرود ده.
​بس حسيت بالغربة من أول لحظة.
​العفش اتغير.
​اللُعب مالية المكان.
​وحاجاتي اللي اخترتها بنفسي ما بقاش ليها أثر.
​وبعدين نزلت أمي من الدور اللي فوق.
​كان شكلها شيك ومبسوطة، عكس آخر مرة شفتها فيها.
​حضنتني على السريع، وسألتني بتوتر:
“ليه ما قلتيلناش إنك جاي؟”
​ضحكت وقلت:
“عشان رجعت خلاص ومش ماشي تاني… عايز بس أرتاح في أوضتي.”
​ساد سكون تقيل ..
بعدها أمي قالت بصوت واطي:
“في الحقيقة… سالم ومراته قاعدين في اوضتك دلوقتي.”
​ابتسمت عشان ما أحرجهمش:
“مافيش مشكلة، هقعد مؤقتًا في أوضة الضيوف.”
​بس سالم قاطعني:
“مافيش أوضة ضيوف… حولناها لأوضة لاولادي .”
​وقفت لحظة:
“أمال… انا هنام فين؟”
​أمي ردت بارتباك:
“واحنا معقول ننساك جهزنالك أوضة صغيرة فوق السطح… كويسة ليك لحد ما تظبط أمورك.”
​بصلتها وأنا مش مصدق:
“أظبط أموري؟”
“أظبط أموري؟”
​الكلمة طلعت من بقّي زي السكينة اللي اتغرست في صدري. أبص لأمي، ألاقيها بتتهرب من عيني وبتعدّل في أساور الذهب اللي في إيدها — الذهب اللي أنا دافع ثمنه من عرق جبيلي. أبص لسالم أخويا، ألاقيه واقف حاطط إيده في جيبه ببرود، وكأنه صاحب الملك وأنا مجرد ضيف ثقيل جاي يشحت منهم!
​مسكت نفسي بالعافية، وقلت بصوت بيترعش من القهر:
“أنا اللي باني البيت ده جنيه بـ جنيه يا أمي! 15 سنة من عمري راحوا في المسح والغسيل والتعب عشان أسمع كلمة ‘أوضة فوق السطح لحد ما تظبط أمورك’؟!”
​سالم اتكلم بقلة أدب وبصوت عالي:
“جرى إيه يا خالد؟ هو إحنا هنذلّ بعض؟ ما كلنا تعبنا! وبعدين العيلة كبرت والبيت لازم يشيلنا، إنت جاي على تجهيز جاهز وعايز تأخد أحسن أوضة؟ ارضى باللي موجود أو اتصرف!”
​أمي ما دافعتش عني. وقفت ساكتة، وفي الآخر قالت بنبرة باردة كسرتا قلبي أكتر من كلام سالم:

لمحة نيوز

“خالد يا ابني، أخوك فتح بيت وعنده عيال، إنت لسه لوحدك ومش محتاج أكتر من السرير اللي فوق، مش مستاهلة تكبر الموضوع وتعمل مشكلة في أول يوم ترجع فيه!”
​في اللحظة دي، حسيت إن الـ 15 سنة اللي اتسرقوا من عمري يتردوا في وشي قلم. طلعت الشنطة الرياضية القديمة اللي جيت بيها، وطلعت فوق السطح. كانت الأوضة عبارة عن كراكيب ومكان يغم النفس، سقفها بيخر مية مطر وريحتها تراب. قعدت على السرير الصدي، وعيطت… عيطت زي العيل الصغير، مش عشان الفلوس ولا البيت، بس عشان الغدر لما بيجي من أقرب الناس، بيهدّ الروح.
​بس وهمّ قاعدين تحت فاكرين إنهم كسروني وأكلوا حقي، ما كانوش يعرفوا السر اللي أنا شايله!
​تاني يوم الصبح، نزلتلهم. كانوا قاعدين بيفطروا على السفرة الرخام اللي أنا اخترتها بنفسي من القاهرة. أول ما شافوني، اتكهربوا.
قعدت بكل هدوء، وبصيت لأمي ولأخويا ومراته وقلت:
“أنا مش هجادل، ولا هعمل مشاكل… إحنا نروح للشهر العقاري ونكتب الشقق بأسامينا زي ما اتفقنا زمان، عشان كل واحد يعرف حقه.”
​سالم ضحك بسخرية وقال:
“حق إيه يا معلم؟ البيت ده كله مكتوب باسم أمك ببيع وشراء رسمي، وأمي كتبت الدورين بتوع البيت باسمي أنا وعيالي بعقد بيع وشراء من سنتين! إنت مفيش اسمك في أي ورقة… إنت كنت بتبعث الفلوس محبة وهدايا لأمك، مالكش معانا جنيه واحد قانوناً!”
​أمي نزلت راسها في الأرض وقالت:
“يا خالد يا ابني، أخوك هو اللي شايلني ومراعينا، وحقه يؤمن عياله. إنت راجل وشغّال وتقدر تبدأ من جديد.”
​ابتسمت… ابتسامة كان فيها كل الوجع، وفي نفس الوقت كل القوة.
طلعت من جيبي تلفون محمول، ورقة صغيرة مطوية، وحطيتها على السفرة.
​”فاكرة يا أمي لما كنتي بتقوليلي كل شهر بتبعث الفلوس فيه: ‘يا خالد البيت بيتك وأنا بكتب كل قرش باسمك’؟ إنتي كنتي فاكرة إني ببعث الفلوس تحويل عادي أو عيني على نيتكم بس؟”
​سالم بص للورقة باستهزاء: “ورقة إيه دي كمان؟ بلا كلام فارغ!”
​قلتله وأنا بصالي في عينيه بثبات:
“دي مش ورقة… ده إيصال من توكيل عام رسمي وفي أيد محامي كبير في القاهرة. كل جنيه بعته على مدار 15 سنة—180 شهر بالتمام والكمال—كان بيتحول لحساب بنكي خاص باسم ‘بناء وتحفظ ملكية’، وكانت أمي ماضية معايا من أول يوم سفر على عقد إدارة أموال وتفويض مشروط بيثبت إن كل التحويلات دي هي أصل أثاث وعقار البيت ده، ومقترنة بإيصالات أمانة وعقود إثبات حق الملكية الحصرية ليا أنا!”
​وش سالم اصفر، وأمي إيديها بدأت اترعش.
​كملت كلامي بصوت زَي الحديد:
“أنا ما كنتش عبيط يا سالم. اللي بيغسل حمامات وبيمسح أرضيات عشان يعمل قرش، بيبقى عارف قيمة القرش أكتر من أي حد، وما بيفرطش في عرقه. المحامي بتاعي رفع دعوى تمكين وإثبات ملكية وحظر تصرف من أسبوعين، والنهارده الصبح حظر التصرف ده اترفع على العقار بالكامل.”
​سالم قام وقف وصرخ: “إنت بتضحك علينا! أمي هي المالكة وهي كتبتلي البيت!”
​في اللحظة دي، خبط باب البيت بقوة.
فتحت مراته الباب، وكانت المفاجأة: المحضر ومعاه اثنين من رجال الشرطة، ومحاميا الأستاذ سامح.
​المحامي دخل وبص للكل وقال بصرامة:
“مساء الخير. أستاذ خالد هو المالك الفعلي والمثبت قانوناً للعقار بالكامل، وجميع عقود البيع الناقلة للملكية اللي تمت بين الحاجة وبين أستاذ سالم تعتبر عقود باطلة وتزوير في إرادة صاحب المال الأصلي. ومعانا إعلام وتنفيذ بإخلاء العقار أو تعديل الوضع القانوني فوراً.”
​سالم رجله ما شالتهوش وقعد على الكرسي مش مصدق. مراته بدأت تصوت وتصرخ، وأمي جرت عليّ وهي بتعيط وتترجاني:
“سامحني يا خالد! سالم هو اللي ضغط عليّ وقال لي خالد معاك فلوس كتير ومش محتاج، وحلف عليّ أكتبله البيت عشان عياله!”
​بصيت لأمي بعين ملهاش أي أثر للدموع خلاص… الدموع خلصت إمبارح بالليل فوق السطح.
​قلتلها بكسرة نفس:
“أنا حرمت نفسي من الأكل والشرب، حرمت نفسي من الجواز، ومن الفرح، وحتى من أودع ناس بحبهم… عشان أضمنلك عيشة كريمة. بس إنتي بعتيني عشان ولد فضّلته عليّ.”
​بصيت لسالم وقلتله:
“قدامك 24 ساعة تفضي الدورين بتوعك وتلم حاجتك. والبيت ده هيتقفل… إنت مالكش مكان فيه.”
​سالم اترجاني وهو بيعيط: “يا خالد أنا أخوك! هروح فين بعيالي في الشارع؟”
​رديت عليه بثبات:
“الأوضة اللي فوق السطح فاضية يا سالم… كويسة ليك لحد ما ‘تظبط أمورك’.”
​سبتهم ونزلت الشارع، المطر كان لسه بينزل، بس المرة دي ما كنتش حاسس بالبرد. حست إن حق سنين الشقاء والذل رجعلي، وإن الشاب اللي سافر بـ 500 جنيه وشنطة رياضية، رجع راجل قدر يحمي نفسه ويحمي عرقه… حتى لو كان الثمن إنه يكتشف إن أقرب الناس ليه، كانوا أكبر خدعة في حياته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *