السلفه الوسطانيه 3

بقلم اماني سيد

وقفوا إخواته الاثنين مذهولين، اللسان عاجز عن الكلام والعرق نازل من وشهم من هول الصدمة. مش مصدقين إن أخوهم اللي طول عمره طيب وساكت، واقف قدامهم بالقوه والقسوة دي كلها.
قرب منه أخوه الكبير وهو بيترعش من الغضب والذهول وقال: “أنت اتجننت يا ياسر؟! عايز تفضحنا في المنطقة وتجرنا أقسام ونيابات عشان خاطر حتة ست؟ وتبيع نصيبك في البيت للغرباء وتخرب بيت العيلة؟!”.
رد عليه ياسر بنبرة صوت أبرد من التلج وأقسى من الصخر، وعينيه مثبتة في عيونهم من غير ما يرمش: “ست؟ الست دي صانتني وصانتكم سنين وأنتم جاحدين، والست دي هي شرفي وكرامتي اللي سحلتوها تحت رجليكم! وأما عن البيت.. أيوة، أنا ماشي ومش راجع تاني، ونازِل الصبح أبيع نصيبي وحصتي في بيت العيلة ده لأي حد غريب، ومش هبيعه لواحد فيكم ولو دفعلي فيه مال القارون!”.
اتنطر أخوه الصغير وصرخ: “تبيع للغرب يا ياسر؟! تبيع حق أبونا للغريب وتدخل علينا ناس غريبة تضايقنا؟ فين صلة الدم والأخوة اللي بينا؟!”.
ضحك ياسر ضحكة مكسورة مليانة غل ووجع، وقالهم: “صلة الدم؟! أنتم تفتكروا صلة الدم لما تعوزوا تكسروني وتدوسوا على مراتي وعيالي؟ أنتم اللي قطعتوا صلة الدم من زمان لما شوفتوا مراتي بتتضرب وتتهان وكنتوا فرحانين وساكتين! طالما أنتم ما عملتوش حساب لصلة الدم ولا احترامتم إني أخوكم، أنا كمان مش هعمل حساب لأي حاجة بعد النهاردة!”.
وبصلي أنا، وبعدين لف وشّه لإخواته ومسك إيد مراته وعياله وقال الكلمة الأخيرة اللي قطعت كل عرق في البيت: “والمحضر ده مش هتنازل عنه لو السماء انطبقت على الأرض.. لأن الطيب في البيت ده والناس المحترمة أنتم بتدوسوا عليها وبتفتكروا طيبتها ضعف وكسرة نفس! للقانون كلمة.. وحق مراتي صفا هآخده بالقوة وبالقانون!”.
شد مراته وعياله ونزل على السلم، وساب البيت وراه بيموج في نار الغضب والفضايح، وهدير والصغيرة بيصرخوا من الخوف من اللي جاي في النيابة، وإخواته الاثنين واقفين يضربوا كف بكف من الصدمة، وأنا قاعدة على الكنبة مش قادرة أرفع راسي، وشايفة بيتي وعيلتي بانهاروا قدام عيني بسبب الظلم والافترا على بنت الناس.
ثاني يوم الصبح، كانت المنطقة كلها واقفة تتفرج، وعربيات النقل واقفة قدام باب العمارة. ياسر جاب عمال ونزلوا عفش شقته حتة حتة، نقل كل حاجته وحاجة مراته وعياله لشقة ثانية جديدة كان شاريها من فترة وراكنها للزمن، شقة محدش مننا كان يعرف عنها حاجة ولا يدري بوجودها.
إخواته الاثنين نزلوا يجروا على الشارع، وشهم أسود من الخزي والكسرة، وحاولوا يقفوا قدام عربيات النقل ويمنعوه. قرب منه أخوه الكبير وهو بيتحايل عليه بصوت مكسور: “يا ياسر يا خوي استهدى بالله.. بلاش الفضايح دي قدام الغريب والريب، تعالى نقعد ونحلها ودي، والاعتبار اللي تطلبه لمراتك هيتوصلها لحد عندها!”.
رد عليه ياسر وهو بيرمي آخر شنطة في العربة ومابيبصلهمش حتى: “الاعتبار والحل الودي كان زمان.. لما كانت مراتي بتخدمكم بعنيها وأصلها وأنتم بتدوسوا عليها، دلوقتي الكلام بقى للقانون”.
وما عدتش أسبوع واحد، وكان ياسر جايب مشتري غريب للبيت. راجل غريب عن المنطقة خالص، جابه ياسر وفرجه على الشقة وعلى حصته في البيت والعمارة، وباعله نصيبه وشقته كاش وفي ساعتها.
إخواته لما عرفوا إن المشتري واقف وبيكتب العقد، اتجننوا وجريوا عليه، ورفعوا صوتهم وقالوله: “إحنا أولى بنصيب أخونا! بيع النا إحنا الشقة وإحنا ندفعلك اللي تطلبه وزيادة، بس ما تدخِّلش علينا غريب يشاركنا في بيت أبونا!”.
وقف ياسر بين المشتري وبين إخواته، وابتسم ابتسامة باهتة مليانة قسوة وقالهم: “أنا قولتكلم من الأول.. صلة الدم أنتم اللي قطعتوها بأيديكم، والغريب اللي مش عاجبكم ده أرحم عليا وعلى عيالي منكم كلكم! مش هبيع لكم، ولو دفعتوا لي دهب الأرض”.
حاولوا معاه بكل الطرق، جابوا كبار العيلة والمنطقة عشان يترجوه يتنازل عن محضر النيابة وعن الاستدعاء اللي وصل للهانم الكبيرة والصغيرة، بس ياسر كان زي الجبل، قفل كل الأبواب في وشهم وقال كلمته الأخيرة قبل ما يركب عربيته ويمشي: “المحضر ماشي في طريقه، والجلسة تحددت، وكل واحدة مدت إيدها أو لسانها على صفا هتقف قدام القاضي وتاخد جزاها بالقانون.. عشان تتعلموا كلكم إن كرامة بنت الناس مش لعبة في إيديكم”.
وسابهم ورفع رأسه ومشِي، وساب البيت وراه خرابة.. الشقة اتقفلت واتباعت للغريب، والهيبة اتكسرت، والفضايح طالت الكل، وأنا قعدت في شقتي أندب حظي على اليوم اللي استقويت فيه على المظلومة وخسرت فيه ابني وعيلتي للأبد.
ومرت الأيام، والبيت اللي كان دايماً ملموم ومستور، بقى أضحوكة الشارع كله. أولادي الاثنين بقوا كل يوم في خناق ومسك في الزوامير مع حريمهم.
أخوه الكبير بقى ينزل من شقته يصرخ في هدير: “أنتِ السبب! أنتِ ونقصكِ وشركِ اللي وداكم الأقسام وفضحنا قدام يسار ويمين وخليتي أخويا يبيع نصيبه لواحد غريب ويقف قصادنا!”. وهدير تصرخ وترد عليه، والشارع كله يسمع صوتهم وصوت الدب والرقع، والصغيرة نفس الكلام مع جوزها.. البيت المليان خير وبركة بقى عبارة عن نار تقيد كل يوم، وصوت الشتائم والفضايح بقى هو النغمة اليومية اللي المنطقة كلها بتصحى وتنام عليها. وأنا قاعدة في النص، لا قادرة أسكتهم ولا قادرة أرفع راسي قدام الجيران اللي بقوا يبصولنا بعين الاحتقار.
وجاء يوم الجلسة.. وقفت هدير والصغيرة قدام القاضي في المحكمة وهما مكسورين وشهم في الأرض، بعد ما النيابة أحالت المحضر للجنايات/الجنح بتهمة “التعدي بالضرب، والإهانة، وإحداث إصابات عمدية مثبتة بتقرير طبي رسمي”.
وقاف ياسر ومعه المحامي، وقدم التقرير الطبي ومحضر الشرطة واشهود، وقرأ القاضي الحكم اللي نزل عليهم زي الصاعقة:
“حكمت المحكمة حضورياً:
أولاً: بحبس كلٍّ من المتهمة الأولى (هدير…) والمتهمة الثانية (منى ) لمدة ثلاثة أشهُر مع الشغل، عن تهمة التعدي بالضرب وإحداث الإصابات المُثبتة بالتقرير الطبي، مع إيقاف التنفيذ بكفالة مالية.
ثانياً: إلزام المتهمتين بدفع تعويض مدني مؤقت قدره عشرة آلاف جنيه لصالح المجني عليها (صفا)، عن الأضرار المادية والمعنوية والأدبية التي لحقت بها وبأطفالها من جراء الاعتداء والإهانة.
ثالثاً: إلزام المتهمتين بالمصاريف الجنائية وأتعاب المحاماة.”
خرجوا من المحكمة وهما مش قادرين يمشوا على رجليهم، الفضيحة كملت بالحكم والتعويض، والبيت اللي ظنوا إنه حصن استقووا بيه على بنت الناس، بقى هو السجن والخرابة اللي عايشين فيها.
أما صفا.. فخرجت من باب المحكمة جنب جوزها، راسها مرفوعة، وعيالها حولين منها حاسين إن ليهم ضهر وأب ما فرطش في كرامتهم. وأنا قعدت أتحسر على عمر عدى، وعلى عيلة اتفككت بسبب الظلم.. وعرفت إن دعوة المظلوم مالهاش حجاب، وأن ربنا ما بيسيبش حق حد أبداً.
من وقتها وكل واحد من أولادي قفل على نفسه باب شقته مع مراته وعياله، المشاكل والغل أكلوا النخوة من قلوبهم وبقت كل شقة عبارة عن جزيرة مقطوعة. بقيت قاعدة في شقتي لوحدي طول النهار والليل، السكوت يصرخ في أركان البيت، وما حدش فيهم بقى يفكر ينزل يطل عليا أو يسألني: “عاملة إيه يا أمي؟”.
الصبح يجي والليل يمر، وأنا مش قادرة أقف على رجلي أعمل كباية شاي ولا أناول نفسي لقمة ناشفة أبل بيها ريقي. هدير اللي كنت بأجاملها على حساب بنت الناس، بقت لما تعدي من قدام بابي تتجاهلني وكأني مش موجودة، وسلفتها الصغيرة قفلت بابها ولا حتى بتفكر تبعتلي طبق أكل.
في اللحظات دي بالذات، وسط التعب والوحدة والكسرة، عرفت القيمة الحقيقية لصفا.. افتكرت أيام ما كانت تنزل من صباحية ربنا، تتسحب بالراحة عشان ما تقلقنيش، تنضف وتطبخ وتحط الأكل قدامي سخن، وتفضل واقفة على رجليها تخدمني بابتسامة وصبر من غير ما تشتكي ولا تمن عليا بكلمة.
عرفت إن اللي كانت بتعمله صفا معايا ما كانش ضعف ولا فرض عليها زي ما أقنعت نفسي وأقنعتهم، ده كان أصل ونظافة قلب وتربية غالية أنا بجهلي وقسوتي رفستها برجلي.
بقيت أقعد قدام شباكي، وأشوف ياسر وهو راجع من شغله ومسك إيد صفا وعياله ايديهم ملمومة حوليه ومبسوطين في حياتهم الجديدة بعيد عن سمّنا.. أبص عليهم ودموعي تنزل بنار، أقول لنفسي: “تستاهلي يا حجة.. خسرتي الابن البار والكنز اللي كان في بيتك، وقعدتي بين أربعة حيطان تشربي من نفس الكأس اللي سقيتيه لبنت الناس”.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *