بقلم روماني مكرم 2

وقفنا كلنا ورفعنا إيدينا عشان نقرأ الفاتحة.. في اللحظة دي، إيدي كانت بترجف، بس المرة دي مش من الخوف ولا الانكسار، دي كانت رجفة قلب مش مصدق إن ربنا رحيم أوي كده.

بصيت على الخاتم الذهب اللي في صباعي، وبيلمع تحت النور، وبصيت لـ “ياسين” اللي كان بيقرأ الفاتحة بصوت هادي وخاشع، ولأمّه اللي كانت ماسكة إيدي بحنية مشوفتهاش حتى من أقرب الناس ليا. الدموع اتجمعت في عيني، ودمعة ورا دمعة بدأوا ينزلوا على خدي بهدوء.. دموع فرحة، دموع مسحت كل سنين الوجع والتريقة والكسرة اللي عيشتها في البيت ده.

أول ما خلصنا قراءة الفاتحة، أم ياسين قربت مني ومسحت دموعي بإيدها وقالتلي بتودد: “بتعيطي ليه يا حبيبتي؟ ده يوم فرحك يا قمر.”

أنا مسحت دموعي بالراحة، وبصيت لأبويا وأمي وعمامي اللي كانوا واقفين زي التماثيل، وجمعت كل قوتي ونطقت بصوت ثابت بس مليان شجن وامتنان:

“أنا بعيط من فرحتي بكرم ربنا.. بعيط عشان ربنا حنين أوي، وبيجبر الخاطر في الوقت المناسب. طول عمري كنت صابرة وراضية بكل كلمة كانت بتتقال في وشي أو من ورا ضهري، وكنت عارفة إن شكلي ولون بشرتي مش اختيار، ده خلق ربنا اللي مفيش أحسن منه. بس كان عندي يقين إن ربنا مش هيسيبني، وإن عوضه لما بيجي بيمحي كل طعم مر عيشناه.”

بصيت لياسين وقلت ونبرة صوتي فيها رجاء ووفاء: “أنا مش فرحانة بالشبكة ولا بالعربية ولا بالمظاهر، أنا فرحانة إن ربنا رزقني بإنسان شايف قلبي وشايف قيمتي، إنسان جالي عشان يشتري راحة بالي ويعوضني عن كل لحظة حسيت فيها إن وجودي تقيل على الدنيا.. شكراً يا ياسين، وشكراً لست الكل اللي نورت بيتنا وأدّتني قدر وعقّبت عليا كأنها أمي.”

ياسين بصلي وعينيه كانت بتلمع بتأثر شديد، وقال بثبات قدام الكل: “أنتي قيمتك كبيرة أوي يا بنت الأصول، واللي يقدرك يرفعك فوق رأسه، وده أقل حاجة تستحقيها.”

البيت كله كان ساكت، الكلمات كانت بتنزل على عمامي وأمي زي السياط لأنهم عرفوا إن الكسيرة اللي كانت قدامهم بقالها سنين، ربنا جاب لها حقها في لحظة وخلاها تتكلم بكل شموخ وأدب.

بس أول ما ياسين وأمه قاموا عشان يستأذنوا ويمشوا، وعمي خرج معاهم يوصلهم للبوابة، سمعت صوت همس ورا باب المطبخ بين أمي ومرات عمي.. كانت الملامح مش فاهمة، والغيرة في عينيهم بتزيد، وكان واضح إنهم ناويين على حاجة عشان يعطلوا كتب الكتاب اللي متفقين عليه…

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *