جوزي مسافر بقلم روماني مكرم 1

جوزي مسافر من فترة، وفجأة قالّي إن في واحدة هتيجي تقعد معايا شوية.

 

فهمني إنها مرات صديقه، وإنها مش مصرية ومفيش حد ليها هنا، وإنها هي وجوزها بينهم خلافات. الكلام كان مقنع فوافقت.

وبعدين طلعت مرات جوزي، ومتجوزها عليا. اكتشفت ده بالصدفه وهو ميعرفش انى عرفت لغايه

 

أول مرة شوفتها، كنت لابسة أسود بالكامل.

 

وقفت قدام باب شقتي شايلة شنطة سفر صغيرة، وعينيها مستخبية ورا نضارة كبيرة رغم إن الوقت كان ليل.

لما فتحت لها الباب، ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت بلهجة مكسّرة:

 

— “أنا آسفة جدًا على الإزعاج.”

 

ورغم إني كنت متضايقة من الفكرة أصلًا، لكني حاولت أكون ذوق. جوزي، حسام، كان مكلمني قبلها بساعتين من السفر وقال:

 

— “دي مرات صاحبي يا ندى… اسمها ليلى. مالهاش حد هنا، وصاحبها مسافر ومشاكلهم كبيرة. يومين تلاتة بالكتير لحد ما تدبر نفسها.”

 

كان صوته طبيعي جدًا… واثق… مطمّن.

 

وعشان أنا طول عمري بصدق حسام، وافقت.

 

دخلت البنت الشقة بهدوء غريب.

لا بتسأل… لا بتتكلم… لا حتى بتبص حواليها زي أي حد داخل بيت جديد.

 

وكأنها عارفة المكان أصلًا.

 

الحاجة الوحيدة اللي ضايقتني وقتها، إنها أول ما دخلت… بصت ناحية أوضة نومي بسرعة.

بصة طويلة… غريبة.

 

لكن عدّيتها.

 

قلت يمكن توتر.

 

في أول ليلة، حاولت أفتح معاها كلام. عملتلها أكل، وسألتها عن بلدها، وعن جوزها، لكنها كانت دايمًا ترد بإجابات قصيرة جدًا.

 

— “أيوه.”

— “لا.”

— “مش عارفة.”

 

وفي نص الكلام، سألتني فجأة:

 

— “إنتِ متجوزة حسام من قد إيه؟”

 

استغربت السؤال… لكن جاوبت:

 

— “داخلين على أربع سنين.”

 

سكتت.

 

وشفت إيديها بتترعش وهي ماسكة الكوباية.

 

بعدها قامت بسرعة وقالت إنها تعبانة وعايزة تنام.

 

في الليلة دي، ما نمتش مرتاحة.

 

كان في إحساس تقيل في البيت… حاجة مستخبية تحت الكلام العادي.

 

وفي اليوم التاني بدأت ألاحظ حاجات أغرب.

 

صحيت الصبح لقيتها واقفة في المطبخ بتعمل قهوة بالطريقة اللي حسام بيحبها بالظبط… نفس كمية السكر… نفس المج… حتى القرفة اللي بيحطها رشة صغيرة فوق الوش.

 

ضحكت وقتها وقلت:

 

— “واضح إن جوزك بيحب القهوة زي حسام.”

 

لكنها ما ضحكتش.

 

بصتلي للحظة… وقالت بصوت واطي:

 

— “أيوه… شبهه جدًا.”

 

الكلمة عدّت عليا وقتها عادي… لكن بعدين فضلت ترن في دماغي طول اليوم.

 

ليلتها، كنت بدوّر على شاحن قديم في الدولاب اللي فوق السرير.

 

وأنا بطلع الكراتين، لقيت ظرف أبيض واقع ورا الدولاب.

 

مقفول.

 

عليه اسم حسام بخط ست.

 

ما كنتش ناوية أفتحه… أقسم بالله ما كنتش ناوية.

 

لكن حاجة جوايا خلت صوابعي ترتعش وأنا بفتحه.

حكايات رومانى مكرم

وفي اللحظة اللي شفت فيها أول سطر… جسمي كله تلج.

 

“جوزي حبيبي حسام…”

 

وقفت.

 

حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.

 

قلبي بدأ يدق بعنف وأنا بكمل قراية.

 

الجواب كان قديم… من سنتين تقريبًا.

 

وفيه كلام بين اتنين متجوزين… مش اتنين بيحبوا بعض وبس.

 

“عارفة إنك مضطر تخبي جوازنا دلوقتي… بس أوعدني ما تسبنيش لو حملت.”

 

إيدي وقعت.

 

الورقة نزلت على الأرض.

 

وفي نفس اللحظة… سمعت صوت ورايا.

 

— “لقيتيه؟”

 

اتجمدت مكاني.

 

بصيت ببطء ناحية الباب…

 

كانت ليلى واقفة.

 

هادية جدًا.

 

لكن عنيها… كانت مليانة خوف.

 

خوف حقيقي.

 

حاولت أتكلم… أسأل… أصرخ… لكن صوتي ما خرجش.

 

هي اللي اتكلمت الأول.

 

— “هو ما قالكيش… صح؟”

 

بلعت ريقي بصعوبة.

 

— “قالّي إيه؟”

 

سكتت ثانيتين.

 

وبعدين شالت الدبلة اللي في إيدها ببطء… وحطتها قدامي على التسريحة.

 

نفس شكل دبلة حسام بالظبط.

 

وقالت:

 

— “أنا مراته.”

 

في اللحظة دي، حسيت إن صدري اتفتح بسكينة.

 

كل حاجة حواليا بقت مشوشة.

 

الكلام… الصور… السنين… كلهم اختلطوا ببعض.

 

لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش إنها مراته.

 

الصدمة… إنها فجأة بدأت تعيط وهي بتقول:

 

— “أنا ما كنتش أعرف إنه متجوز كمان… اكتشفت من شهر بس.”

 

رفعت عيني لها بذهول.

#الكاتب_رومانى_مكرم

— “إنتِى… ما كنتيش تعرفي عني؟”

 

هزت راسها بالنفي وهي منهارة.

 

وقبل ما أستوعب أي حاجة… سمعت إشعار على موبايلها.

 

رسالة.

 

اسم حسام ظهر على الشاشة.

 

لكن اللي خلاني الدم يهرب من وشي… صورة الرسالة اللي ظهرت تحت اسمه:

 

“خلي بالك ما تقوليش لندى أي حاجة لحد ما أرجع… وإلا هتبوظ الخطة كلها.”

 

## الجزء الثاني: شفرة الهاتف

الكلمات المكتوبة على شاشة الموبايل كانت أشبه بقطرات من الزيت المغلي فوق جرح مفتوح. “الخطة كلها”… كلمة واحدة حولت الخيانة من مجرد علاقة سرية إلى مؤامرة كاملة الأركان، مؤامرة أنا الضحية المستهدفة فيها داخل بيتي.

نظرت إلى ليلى التي كانت ما زالت تبكي، لكن دموعها الآن لم تعد تثير في نفسي سوى الريبة. هل هي ضحية مثلي حقًا؟ أم أنها جزء من هذه “الخطة” وجاءت لتمثل عليّ دور المخدوعة؟

خطفتُ الهاتف من يدها بسرعة لم تتوقعها. تراجعت هي خطوة إلى الوراء بذهول، وهتفت بصوت مرتجف:

— “ندى.. أرجوكي، أنا ماليش ذنب.. هو اللي لغب بكل حاجة!”

لم أرد عليها. كانت أصابعي تتحرك على الشاشة وعيني تبحث في تفاصيل المحادثة بينها وبين حسام. الرسائل بينهما لم تكن مجرد عتاب بين زوجين متخاصمين، بل كانت تحتوي على توجيهات صارمة منها: *(ادخلي الأوضة دي.. شوفي الورق ده.. اتصرفي طبيعي مع ندى).*

رفعت عيني إليها، وأنا أشعر بالبرود يكسو ملامحي تمامًا، البرود الذي يسبق العاصفة:

— “مالكيش ذنب؟ وجوزك حبيبي حسام اللي في الجواب من سنتين؟ والقهوة اللي بتتعمل بمزاجه؟ والرسالة دي؟ إنتِ جاية هنا ليه يا ليلى؟ حسام باعتك بيتي تنفذي إيه بالظبط؟”

سقطت ليلى على ركبتيها، وغطت وجهها بيديها وهي تنتحب بمرارة:

— “والله العظيم ما كنت أعرف إنه متجوزك من أربع سنين! هو فهمني لما اتجوزنا في بلدنا من سنتين إنه عازب وبيأسس حياته هنا.. ولما عرفت الحقيقة من شهر وواجهته، هددني.. هددني إنه هيحبسني هنا بتهمة تزوير ورق لو ما سمعتش كلامه.. هو اللي قالي قولي لندى إنك مرات صاحبه.. هو قالي لازم تدخلي البيت ده وتفضلي مراقباها!”

— “تراقبي إيه؟” صرخت فيها وأنا أقترب منها، والظرف الأبيض ما زال في يدي الأخرى.

ليلى رفعت رأسها، وعيناها حمراوان من البكاء، وقالت بلهجة مكسورة غريبة:

— “بيراقب الشقة.. حسام مش مسافر شغل يا ندى.. حسام هربان، وفي ناس بتدور عليه.. وهو كان خايف يجوا هنا، فباعني أنا ليكِ عشان لو حد جه.. نكون إحنا الضحية مكانُه!”

شعرت فجأة ببرودة غريبة تجتاح الغرفة، وكأن الهواء انسحب منها.

وقبل أن أنطق بحرف واحد، انطفأت أنوار الشقة بالكامل، وساد الظلام الدامس. وفي نفس اللحظة.. سمعنا صوت حركة خفيفة، وصوت قفل الباب الخارجي للشقة وهو يُفتح ببطء شديد من الخارج بالرغم من أن الساعة كانت قد تجاوزت الثالثة فجرًا!

توقفت أنفاسنا أنا وهي، ونظرنا باتجاه الممر المظلم المؤدي لباب الشقة.. وهناك، ظهر ظل طويل لرجل يدخل بخطوات حذرة.

**لمتابعة الأحداث.. انتظروا الجزء الثالث.**

**بقلم: حكايات رومانى مكرم**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *