اخد الحق حرفه حكايات علي ابو الدهب 1
حسيت بنَفَسها في ودني لما خطيبت ابني قربت مني وهمست: “كل الناس هتفتكر إنك اتزحلقتي من على السلم”. وقبل ما ألحق حتى أصرخ، إيدها ضربت الكرسي المتحرك بتاعي بكل قوتها، ورمتني في ضلمة السلم تحت. الوجع شق جسمي نصين.. بس الصدمة الحقيقية حصلت بعد ثانية واحدة، لما سمعت صوت ابني عند باب الشارع. كان راجع البيت بدري.. واللي شافه غير كل حاجة!
الابتسامة الصفرا
حسيت بنَفَسها في ودني وهي بتقولي: “كل الناس هتفتكر إنك اتزحلقتي من على السلم”.
في اللحظة دي افتكرت نفسي بسمع غلط. كشيت إيدي وضغطت على البطانية الخفيفة اللي على رجلي، ولفيت دماغي بأخر عزم عندي لدرجة إن رقبتي الخشبية وجعتني.#حكايات_علي_ابوالدهب
بسمة كانت مبتسمة، بس مكنتش الابتسامة الدافية أو المصطنعة اللي بتبتسمها لابني حازم، أو للجيران، أو للستات في الجامع اللي دايماً بيقولوا لي: “يا بختك يا حجة هنا، ابنك لقى بنت حلال طيبة وملاك”. الابتسامة دي كانت باردة.. فيها غل وتخطيط.. وكأنها مستمتعة باللي بتعمله.
وقبل ما ألحق أنطق اسمها وأنزهر فيها، إيدها اتمدت وزقت ضهر الكرسي المتحرك بتاعي.
الدنيا اسودت في عيني..
السقوط في الضلمة
الخبطة الأولى كانت سريعة وعنيفة جداً. كتفي خبط في الحيطة، وبعدها الكرسي اتقلب بيا لقدام. أنا لسه فاكرة قسوة الحديد وهو بيخبط في ضلوعي، وإحساس العجز المرعب وأنا بقع ومش قادرة أتحكم في أي حاجة. حاولت أتشعلق في أي حاجة.. أي حاجة قدامي.. بس صوابعي كانت بتمسك الهوا. وقبل ما الكرسي يِصدم في أرضية السلم تحت، الوجع انفجر في جنبي الشمال وضهري لدرجة إن نفسي انقطع ومبقتش قادرة أتنفس.#حكايات_علي_ابوالدهب
وفي اللحظة دي، سمعت باب الشارع بيتفتح.
”أمي؟” .. صوت حازم وهو بينادي.
بسمة رمت نفسها عليا فوراً، وبدأت تمثل تمثيلية عمرها: “يا لهوي! يا حجة هنا! إيه اللي حصل؟!”
كنت عايزة أرد وأصرخ، بس مطلعش مني غير صوت تزييق مكتوم، حاجة بين الكحة والعياط. الرؤية غبشت في عيني. سمعت خطوات حازم السريعة وهي بتهز الأرض، وفجأة سكتت. شفت وشه فوقي.. كان وشه أصفر، ومصدوم، ومرعوب.
زعق وهو مش مستوعب: “إيه اللي حصل؟! في إيه؟!”
دموع التماسيح
بسمة نزلت تجري على السلم وهي حافية، وحاطة إيدها على بوقها وبتبكي: “هي اللي قالت لي هعرف أتحرك لوحدي”.. قالتها بصوت مرعوب ويرعش يِخِم أي حد مسمعش اللي همسته في ودني من دقيقة. وكملت: “أنا كنت في المطبخ وفجأة سمعت هبدة وصرخة…”#حكايات_علي_ابوالدهب
قلت بصوت مخنوق: “هي اللي زقتني”.
إحنا التلاتة اتسمرنا في مكاننا.
بسمة بصت لي وعيونها واسعة ومبرقة، وعملت نفسها مصدومة ومجروحة: “يا حجة هنا.. حرام عليكي، ليه بتقولي كده؟!”
حازم نزل على ركبه جمبي وقال وهو مرعوب: “أمي، متتحركيش.. أرجوكي خليكي ثابته، ماشي؟”
صدري كان بيولع نار مع كل نفس باخده. حسيت بورم في معصم إيدي، وفي دم دافي نازل من عند راسي. بس كل الوجع ده كفة، ووش ابني كفة تانية خالص.. كان أسوأ حاجة شفتها. مكنش مصدقني.. كان تايه، ومتردد، ومش واثق في كلامي.
مشتت..
لأن بسمة قعدت السنة اللي فاتت كلها تبني في صورة البنت المثالية اللي مفيش زيها. البنت الخدومة، الصبورة، المخلصة. وأنا قعدت السنة دي كلها أقول لـ حازم إن البنت دي حرباية وفيها حاجة غلط، وهو مش مصدقني.
صوت إسعاف بدأ يظهر من بعيد، وبسمة كانت قاعدة على السلم والدموع نازلة على خدودها زي المطر. قربت مني وكأنها بنتي اللي هتموت عليا من العياط..
وفي وسط الزحمة دي، مفيش حد سمعها غيري وهي بتميل عليا تاني وتهمس بـ خبث:
“محدش هيصدقك”….#حكايات_علي_ابوالدهب
الجملة الأخيرة وقعت عليا زي الميّة الساقعة. “محدش هيصدقك”.. الكلمتين دول خلوا الوجع اللي في جسمي كله يختفي ويحل محله غل ونار قايدة. بصيت لـ حازم وهو ملهوف، بيحاول يسند راسي بـ حنان، وعينه رايحة جاية بيني وبين دموع بسمة المزيفة. كان تايه، والشك عمال يأكل فيه.
الإسعاف وصلت، والبيت اتقلب في ثواني. الجيران اتجمعوا، وبسمة بدأت في “العرض المسرحي” بتاعها؛ تلطم على وشها، وتدعي لي بالشفاء، وتلم في حسنات ودعوات من الستات اللي واقفين: “يا حبيبتي يا بنتي، طول عمرك شايلاها في عينيكي، قدر الله وما شاء فعل”.
أنا مكنتش قادرة أتكلم، الدكاترة ركبوا لي ماسك الأكسجين ورفعوني على النقالة. حازم ركب معايا في الإسعاف وهو ماسك إيدي وبيعيط، وبسمة ركبت قدام جنب السواق وهي عامله نفسها منهارة. طول الطريق وأنا عيني في عين حازم، كنت بحاول أوجّه له رسالة صامتة بـ نظراتي: “صدقني يا بني.. صدق أمك”.
في المستشفى، الدكاترة جريوا بيا على العمليات والإشاعات. اتضح إن عندي كسر في الحوض، وشرح في الضلوع، وارتجاج بسيط في المخ. قعدت يومين كاملين في العناية المركزة تحت التأثير التخدير والمسكنات، وبسمة مكنتش بتفارق باب العناية.. مش حباً فيا، لأ.. دي كانت خايفة أفوأ وأتكلم!
في اليوم الثالث، اتنقلت أوضة عادية. حازم دخل عليا وكان لوحده، وشه كان دبلان وعينه منفوخة من قلة النوم. قعد جمبي ومسك إيدي، وبص في الأرض وقال بصوت مخنوق:
”أمي.. أنا عارف إنك تعبانة، بس الستات في المستشفى والنيابة سألوني.. إنتي فعلاً فاكرة إن بسمة اللي زقتك؟ ولا من الصدمة والوجع اتهيألك؟ بسمة منهارة يا أمي ومبتنامش.”
دموعي نزلت حارقة على خدي. سحبت إيدي منه براحة وقلت بصوت مبحوح ومكسور:
”يعني أنا بكدب يا حازم؟ أنا بتبلى على البنت اللي كنت هتموتني؟”
حازم اتنهد بقلة حيلة: “مش قصد يا أمي، بس بسمة مكنش في مصلحتها تعمل كده، دي كانت بتجهز لـ جهازها وفرحنا بعد شهر!”
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخلت بسمة وشايلة في إيدها كوباية عصير. وشها اتقلب لأول ما شافتني فايقة وبتكلم، بس بسرعة رسمت الضحكة وقربت: “حمد الله على سلامتك يا حجة هنا! خطوة عزيزة يا روحي، والبيت ضلم من غيرك”.
حازم قام وقف وقال لـ بسمة: “أنا هانزل يا بسمة أجيب العلاج ده من الصيدلية اللي تحت وأخلص ورق الخروج، خليكي معاها”.
بسمة هزت راسها بـ مسكنة: ” عيوني يا حازم، في الرقبة والله”.
أول ما باب الأوضة اتقفل وحازم نزل، ملامح بسمة اShiftت 180 درجة. حطت كوباية العصير على التربيزة، وقربت من السرير، وربعت إيدها وبصت لي بنظرة كلها شماتة وتحدي:
”شفتي بقى؟ مش قلت لك محدش هيصدقك؟ حازم ابنك لافاه تحت صباعي. وكمان كام يوم هانرجع البيت، وهتبقي تحت رحمتي بجد.. والمرة الجاية مش هتبقى سِلمة.. المرة الجاية هتبقى آخرتك يا حجة”.
أنا ميرمشتش. فضلت باصة في عينيها بثبات مكنتش هي تتوقعه، وابتسمت ابتسامة خفيفة جداً.. ابتسامة خلت الرعب يدب في قلبها فجأة.
بسمة اتوترت وقالت: “إنتي بتضحكي على إيه؟ إنتي اتهبلتي من الوقعة؟”
شاورت بـ صباعي اللي بيترعش ناحية الكومودينو اللي جنب السرير.. وتحديداً ناحية المفرش الدانتيل اللي كان مغطي جزء منه.
قلت لها بصوت هادي وثابت: “حازم نسى تليفونه التاني هنا وهو نازل.. تليفون الشغل.. وأنا خليته يفتحلي تسجيل الصوت من ساعة ما دخل عشان يسجل كلامي معاه.. والتسجيل لسه شغال يا بسمة.. وسامع كل كلمة قلتيها دلوقتي”.
بسمة وشها اتقلب أزرق، ولفت بسرعة زي المجنونة رفعت المفرش.. وفعلاً، التليفون كان موجود، وشاشة التسجيل عمالة تعد بالثواني!
قبل ما تمد إيدها وتقفله، الباب اتفتح بعنف.. ودخل حازم.
م كنش نازل الصيدلية ولا حاجة، حازم كان واقف ورا الباب، وسامع كل الاعتراف من أوله لآخره من تليفونه اللي متوصل بسماعة البلوتوث اللي في ودنه!
حازم كان بيبكي، بس المرة دي من الصدمة والقرف. بص لـ بسمة وكأنه بيشوف شيطان، وقال بصوت هز جدران الأوضة: “يا واطية!.. أنتي تعملي في أمي كده؟!”
بسمة وقعت على الأرض وبدأت تصرخ وتتمسح في رجليه: “حازم افهمني.. دي بتتبلى عليا.. التليفون ده ملعوب..”
حازم زقها برجليه بكل قوته لدرجة إنها خبطت في الحيطة، وزعق فيها: “اخرسي! مش عايز أسمع صوتك.. أنا اللي غبي ومصدقتش أمي.. غبي!”
في نفس اللحظة، دخل اتنين من أفراد أمن المستشفى ومعاهم أمين شرطة كان حازم مكلمه وهو واقف برة الأوضة. أمين الشرطة مسك بسمة من إيدها وكلبشها وهي بتصرخ وتعيط دموع حقيقية المرة دي.. دموع الخوف والفضائح.
حازم جِري عليا، ارتمى في حضني وقعد يعيط زي العيل الصغير ويقول: “سامحيني يا أمي.. سامحيني، أنا كنت هضيع نفسي وأضيعك معايا”.
طبطبت على راسه بإيدي السليمة وقلت له: “مسامحاك يا قلب أمك.. المهم إن ربنا كشفها ليك قبل ما تقفل عليكوا قفل باب واحد”.
خرجت من المستشفى بعد أسبوع، ورجعت بيتي وسط جيراني اللي عرفوا الحقيقة، وبسمة أخدت حكم رادع بتهمة الشروع في القتل.. وراحت المكان اللي تستاهله، وفضل البيت ليا أنا وابني، نضيف وبأمان.

