الخيانه حكايات علي ابو الدهب 2

 

الشرطة وصلت تحت برج الزمالك، وصوت السارينة كان بيقطع سكون الفجر. الجيران بدأوا يفتحوا الشبابيك يبصوا على البوكس اللي واقف قدام مدخل العمارة الشيك. نزل رامي وكاميليا، والكلبشات في إيديهم، متداريين ببطاطين وملايات سحبوها وهم خارجين عشان يداروا فضيحتهم، وعينيهم في الأرض مش قادرين يرفعوها في عين البوابين ولا أفراد الأمن اللي كانوا بيبصولهم بقرف.

بسنت كانت واقفة بعيد، سانده على عربية شريف، ومكتفة إيديها. النظرة اللي في عينيها ماكنتش نظرة شمتانة، كانت نظرة ست بتغسل إيديها من قذارة عاشت فيها سنة ونص. آية كانت واقفة جنبها، ماسكة إيدها وضغط عليها جامد، كأنها بتقولها: “أنا هنا، ومستحيل هسيبك تاني.”

شريف قرب منهم بعد ما خلص كلام مع الضابط المسؤول وقفل المحضر المبدئي:

— “كده الليلة الأولى خلصت. رامي وكاميليا هيقضوا ليلتهم في الحجز، والصبح هيتعرضوا على النيابة بالتقرير الرقمي اللي معانا والدوسيه اللي آية جابته. بس متفتكروش إن الموضوع هيخلص بالبساطة دي.”

بسنت بصتله ورفعت حاجبها:

— “قصدك إيه يا شريف؟ هما متلبسين بالسرقة والخيانة والتزوير.”

آية هي اللي ردت ونبرة صوتها كان فيها قلق حقيقي:

— “شريف بيتكلم صح يا بسنت. رامي مش لوحده.. رامي طول السنة اللي فاتت كان بيقرب من (مجموعة الشرقاوي للاستثمار). الشرقاوي داخل بقوة في سوق الأجهزة الطبية، وعايز يشتري حصة في شركتنا بأي ثمن عشان يحتكر مناقصات المستشفيات الحكومية. رامي ماكانش بيسرق لنفسه بس، ده كان بيجهز الشركة على طبق من فضة عشان الشرقاوي يبلعها، وأكيد الشرقاوي هيدخل بكل تقله ومحامينه عشان يخرّج رامي، لإن رامي معاه مفاتيح السيستم والعملاء.”

ليلة التخطيط في بيت العيلة

الكل اتجه على بيت العيلة القديم في مصر الجديدة؛ البيت اللي الحاج أحمد بناه، واللي شهد على نجاح شركة “رضوان للهندسة الطبية” من أول ما كانت مكتب صغير. المكان كان مقفول بقاله شهور، بس أول ما فتحوا الباب ودخلوا، ريحة خشب المكتب والملفات القديمة رجعت لبسنت الأمان اللي افتقدته في شقة الزمالك.

قعدوا التلاتة حوالين ترابيزة السفرة الكبيرة، والدوسيهات مفتوحة قدامهم. آية بدأت تشرح الخريطة بالتفصيل:

— “بصي يا بسنت، رامي كان ذكي جداً. هو ماكانش بيحول مبالغ ضخمة مرة واحدة عشان حسابات الشركة ما تديش إنذار (Alert) في البنك. كان بيعمل حاجة اسمها ‘تفتيت العمليات’. يعني يطلب قطع غيار وأجهزة صيانة لعيادات وهمية في الصعيد بمبالغ صغيرة، 40 ألف هنا، 50 ألف هناك، والشركات دي كلها تابعة لـ كاميليا بعقود من الباطن. المجموع كله في الـ 18 شهر اللي فاتوا دخل في 22 مليون جنيه!”

شريف ضرب بيمينه على الترابيزة:

— “والفلوس دي دخلت حسابات وسيطة، والشرقاوي كان بيسهل خروجها برة مصر عشان تتغسل وترجع على شكل أسهم في شركة جديدة رامي وكاميليا شغالين عليها في دبي.”

بسنت سكتت شوية، وحطت إيدها على راسها وهي بتفتكر كل مرة رامي كان بيديها فيها عصير أو شاي بالليل، ويقولها: “أنتي مرهقة يا حبيبتي، خدي الحباية دي ونامي، الشغل أنا هخلص كشوفاته متقلقيش.”

دمعة نزلت من عينيها مسحتها بسرعة وقالت بنبرة حادة:

— “هو كان بيخدرني.. حرفياً ونفسياً. كان بيخليني أمضي وأنا مش في وعيي، ويقنعني الصبح إني نسيت إني مضيت! بس هو غبي.. لإن بابا الله يرحمه كان دايماً بيقولي: (يا بسنت، الشراكة ثقة، بس الحسابات ورق والأرقام مبتكدبش). أنا من 3 شهور لما حسيت إن تركيزي بيقل، روحت لمعمل تحاليل برة وعملت تحليل سموم، وطلعت النتيجة إن في جسمي نسب عالية من مهدئ قوي بيسبب ضعف مؤقت في الذاكرة قصيرة المدى. المحضر اللي عملته ساعتها شيلته في خزنتي الخاصة في البنك، ومحدش يعرف عنه حاجة.. ولا حتى رامي.”

آية عينيها لمعت بفخر:

— “يا بنت اللعيبة! يعني إحنا معانا دليل جنائي بمحاولة تسميم وإصابة عمد؟”

بسنت ابتسمت بثقة لأول مرة:

— “أيوة.. ودي الورقة اللي هنسجن بيها رامي مدى الحياة لو فكر الشرقاوي يتدخل.”

زلزال في الشركة

الساعة 9 الصبح، نزلت بسنت وآية ومعاهم شريف ومكتب المحاماة بالكامل على مقر الشركة الرئيسي في المهندسين. الموظفين كانوا واقفين مجموعات بيتوشوشوا، الإشاعات كانت مكسرة الدنيا، وبعضهم عرف بليلة القبض على المدير المالي ومستشارة العلاقات العامة.

بسنت دخلت قاعة الاجتماعات الكبرى، وطلبت اجتماع عاجل لكل رؤساء الأقسام. قعدت في مكان والدها، على رأس الترابيزة، وآية قعدت على يمينها.

— “صباح الخير يا جماعة. من غير مقدمات كتير، شركة رضوان بتمر بحملة تطهير. الأستاذ رامي رضوان والآنسة كاميليا منصور مبقوش جزء من المكان ده، وهما حالياً قيد التحقيق بتهم تمس أمانة الشركة وسمعتها. من اليوم، المهندسة آية أحمد رضوان هترجع لمنصبها كنائب رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي للشركة.”

تصفيق خفيف ساد القاعة، ومعظم الموظفين القدام اللي كانوا بيحبوا الحاج أحمد حسوا إن الروح رجعت للمكان، لإنهم كانوا عارفين نظافة إيد آية.

وقبل ما بسنت تكمل كلامها، الباب اتفتح ودخل سكرتير مكتبها وهو وشه أصفر:

— “بشمهندسة بسنت.. في برة المستشار القانوني لـ (مجموعة الشرقاوي)، ومعاه إخطار رسمي بطلب عقد اجتماع جمعية عمومية غير عادية لإنهم اشتروا صكوك مديونية من بنك (الائتمان) كانت على الشركة، وبيقدموا عرض استحواذ إجباري!”

بسنت بصت لآية ولشريف، وعرفت إن المعركة الحقيقية لسه بتبدأ حالا، وإن رامي كان مجرد عسكري في رقعة شطرنج أكبر بكتير.

 

نزل الخبر كالصاعقة على القاعة، لكن بسنت لم تهتز. نظرت إلى المستشار القانوني للشرقاوي الذي دخل ببدلته الأنيقة وابتسامته المستفزة، يحمل في يده حقيبة جلدية تحتوي على أوراق الاستحواذ الإجباري.

— “بشمهندسة بسنت، أعتقد الوقت مش في صالحك. رامي رضوان مضى لينا على تنازل بإعادة جدولة المديونيات مقابل حصة حاكمة للشرقاوي. الشركة تقريباً بقت تحت إيدنا، والرفض معناه إشهار إفلاسكم خلال 48 ساعة.”

شريف خطى خطوة للأمام وعينيه تطلق شراراً، لكن بسنت أشارت له بإن يهدأ. وقفت بكل ثقة، وسحبت الدوسيه الذي أحضرته آية، وأضافت فوقه حزمة أوراق أخرى أخرجتها من حقيبتها الخاصة.

— “أنت جاي متأخر قوي يا سيادة المستشار. رامي رضوان اللي مضى ليك على الأوراق دي، مضى بصفته المدير المالي، والصفة دي اتسحبت منه رسمياً الساعة 2 بالليل بموجب قرار مجلس الإدارة بعد ثبوت تلبسه بج*ريمة سرقة وتزوير. والأهم من ده…”

فتحت بسنت تقرير معمل السموم وتقرير الأمن السيبراني:

— “كل العقود والاتفاقيات اللي رامي عملها مع مجموعة الشرقاوي في الـ 6 شهور اللي فاتوا كانت بتتم تحت تأثير تخدير ومحاولة ق*تل بطيء ليا، والأدلة الطبية والرقمية هنا تثبت إن رامي كان بيستخدم الـ IP الخاص بالشركة من ورا ظهري وأنا غايبة عن الوعي. القانون بيقول إن أي عقد يثبت أنه تم بناءً على تدليس، أو ج*ريمة جنائية، أو انعدام أهلية بسبب جناية… يعتبر باطلاً كأن لم يكن. يعني أوراقكم دي، بلها واشرب ميتها.”

اصفرّ وجه المستشار القانوني، وبدأ يراجع الأوراق بارتباك وهو يرى تواريخ التقارير الطبية وتوقيتات الدخول على السيستم التي تفضح المؤامرة.

بسنت كملت بلهجة هزت القاعة:

— “ومش بس كده.. شريف منصور، بصفته الشريك المستثمر في شركات التوريد، قدم بلاغ رسمي للرقابة المالية يتهم فيه مجموعة الشرقاوي بالمشاركة في غسيل أموال مهربة من شركتنا. يعني لو اسم مجموعتكم نزل في المحضر ده، أسهمكم في البورصة هتقع للأرض قبل نهاية اليوم.”

أغلق المستشار حقيبته بسرعة، وتراجع للخلف وعلامات الرعب واضحة عليه:

— “إحنا.. إحنا مكنش عندنا علم بالتفاصيل دي. مجموعة الشرقاوي بريئة من تصرفات رامي رضوان الفردية.. عن إذنكم.”

خرج يجر أذيال الخيبة، لتتعالى صيحات الفرح والتصفيق من موظفي الشركة القدامى الذين أدركوا أن بنات الحاج أحمد رضوان استعدن عرش أبيهن.

في النيابة: الحساب الختامي

بعد مرور أسبوعين من التحقيقات المكثفة، كان المشهد في قاعة المحكمة كافياً ليشفي غليل كل سنوات الوجع.

رامي وكاميليا وقفوا خلف القضبان، بوجوه شاحبة وملابس الحبس الاحتياطي البيضاء. لم يعد هناك برفيوم كاميليا، ولا بدل رامي الأنيقة. كاميليا كانت تبكي بحرقة ووتوسل لشريف ليتنازل عن القضايا، ورامي كان ينظر للأرض بخزي بعد أن تخلى عنه الشرقاوي تماماً ورفض إرسال أي محامٍ للدفاع عنه لإنقاذ سمعة مجموعته.

ا

“حكمت المحكمة حضورياً على المتهم الأول رامي رضوان بالسجن المشدد 7 سنوات بتهمة التزوير، والاختلاس، والشروع في الإضرار العمدي بصحة المجني عليها. وعلى المتهمة الثانية كاميليا منصور بالسجن 5 سنوات بتهمة الاشتراك في التزوير وتأسيس شركات وهمية لغرض النصب، مع إلزامهم برد مبلغ 22 مليون جنيه بالتضامن لصالح شركة رضوان للهندسة الطبية.”

صرخت كاميليا وسقطت مغشياً عليها، بينما انهار رامي وجلس على ركبتيه يبكي، يدرك أنه خسر كل شيء: زوجته، ثروته، مستقبله، وشرفه.

عودة النور

بعد شهر من صدور الحكم، كانت الشمس تشرق على واجهة مبنى شركة “رضوان للهندسة الطبية”. تم تغيير اليافطة الرئيسية ليوضع تحت اسم الشركة: “تحت إدارة: بسنت وأية أحمد رضوان”.

في مكتب رئيس مجلس الإدارة، كانت بسنت تجلس وعلى وجهها ابتسامة صافية، ممسكة بفنجان القهوة الصباحي. دخلت آية ومعها ملف الصفقات الجديدة للمستشفيات، ووراها شريف الذي أصبح مستشاراً ومستثمراً أساسياً وحليفاً وفياً للشركتين بعد الانفصال الرسمي عن كاميليا.

آية حطت الملف وقالت بحماس:

— “كده المناقصة الجديدة رست علينا رسمي وبشكل قانوني 100%، والشركة رجعت تحقق أرباح تعوض كل اللي فات.”

شريف ابتسم وقال:

— “أنا قولت ليكم من الأول.. بنات الحاج أحمد رضوان لما بيقفوا إيد واحدة، مفيش حوت في السوق يقدر يقف قصادهم.”

بسنت بصت لصورة باباها اللي متعلقة على الحيطة ودمعت عينها، بس المرة دي كانت دموع انتصار وراحة. الخيانة كانت وجعها الكبير، لكنها كانت السبب اللي رجع لها أختها، وفوقها من الغيبوبة، وخلاها تبني نفسها من جديد كصياد مش كضحية.

تمت بحمد الله.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *