بعد 3سنتين 3

تراجعتُ خطوات إلى الخلف حتى اصطدم ظهري بسور السطح الحديدي البارد. نظرتُ إلى أمي والذهول يشلّ عقلي… المرأة التي كانت مصدر أماني، تقف أمامي الآن بملامح مشوهة بالجشع، تمسك بحقيبة شيرين كأنها عثرت على كنز، غير مبالية بج*ثث تتمدد أسفل المبنى!

صرختُ بوجعٍ ومقت:

– “فلوس؟! سر؟! إنتي إيه يا شيخة؟ إنتي مستحيل تكوني أمي! إنتي بعتيني… بعتي بنتي وضحكتي عليا وقولتيلي ماتت في الحضانة عشان شوية فلوس؟! خلتيني أعيش ٣ سنين بموت في اليوم ألف مرة وأنا بعيط على ضنايا!”

أمي خطت نحوي ببرود مخيف، ولم تبرق في عينيها أي لمحة ندم، بل قالت بنبرة حادة وهمس وضيع:

– “افهمي يا غبية! أنا مبعتهاش عشان فلوس وبس… أنا بعتها عشان أحميكي وأحمي نفسي! عمر وأمه كانوا عارفين إن أختك ‘هنا’ ماتت وهي حامل، وشيرين كانت بتهددنا تفضحنا وتقول إن ‘هنا’ كانت مأجرة رحمها في السر برة مصر ودا ممنوع وهيدخلنا في قضايا ومصايب تشيل عيلتنا كلها! ولما إنتي ولدتي وبنتك نزلت تعبانة، حماتك وعمر عرضوا عليا الحل… ناخد بنتك نديها لشيرين على إنها البنت اللي ‘هنا’ ولدتها برة، وشيرين تسكت، وإنتي لسه صغيرة وتخلفي غيرها!”

– “وتخلفي غيرها؟! بالبساطة دي؟!” صرختُ والدموع تحرق وجهي: “دي بنتي! حتة مني! بعتوها واشتريتوها في سوق قذارتكم!”

أمي قاطعتني بغل وهي ترفع الحقيبة:

– “ودلوقتي شيرين وعمر ماتوا! يعني مفيش حد يقدر يثبت إن البنت دي مش بنت شيرين وعمر غير الورق اللي معايا في الشنطة دي… والوصية اللي سابتها أختك ‘هنا’ لسه سارية! الوصية بتقول إن أملاك أبو شيرين كلها تروح للبنت دي، وبما إن البنت قانوناً بنت عمر وشيرين، وإنتي خالتها والوصية عليكي… الفلوس دي كلها هتبقى في إيدينا! هنعيش في عز يا رحاب… بنتك هترجع لحضنك بس بصفتك خالتها ومربيتها، والمليونيرية هيبقوا إحنا!”

نظرتُ إليها بقرف واشمئزاز لم أشعر بهما قط تجاه بشر. كانت مستعدة أن تحرمني من لقب “أمي” أمام ابنتي طوال العمر، فقط من أجل المال.

تقدمتُ نحوها بخطوات ثابتة وعيني تطلق شراراً:

– “أنا مش هعيش في كدبة تاني يا أمي… ومش هاكل من فلوس حرام وعمدانها ج*ثث! البنت دي بنتي، وهتطلع من المستشفى دي باسمي، والعالم كله هيعرف الحقيقة… وإنتي أول واحدة هتتدخلي السجن على اللي عملتيه فيا وفي بنتي وفي أختي!”

ملامح أمي تغيرت فجأة من البرود إلى جنون خالص يماثل جنون شيرين قبل دقائق. ضغطت على الحقيبة بيدها الأخرى، وتقدمت نحوي بخطوات سريعة وهي تهمس:

– “سجن؟ إنتي عايزة تسجني أمك يا رحاب عشان حتة عيلة؟ مش هاسمحلك تضيعي شقا عمري والفرصة اللي جاتلي لحد عندي بعد ما كل اللي واقفين في طريقي ماتوا!”

وفجأة، اندفعت نحوي بكل قوتها، وحاولت دفعي من فوق السور لألحق بعمر وشيرين!

تلاحمت يداي بيديها وأنا أقاومها بكل ما بقي في جسدي من قوة بعد نقل الدم. كنا نتدافع على حافة السطح، والظلام يلفنا، وصوت إنذار الحريق ما زال يدوي في الأسفل. وفجأة، تعثرت قدم أمي بطرف السور، وقبل أن تسقط، تمسكت بياقة قميصي بكل غل، لتسحبني معها نحو الهاوية!

قاومتُ بكل جوارحي، وأمسكتُ بالسور الحديدي بيدي اليمنى بينما يدها تجرني لأسفل… وفي تلك اللحظة الحرجة، انفتحت ضلفة باب السطح بعنف، واندفعت قوة من رجال الشرطة والأمن للمستشفى الذين صعدوا بعد سماع صراخنا.

أمسك بي أحد الضباط وسحبني بقوة إلى الداخل، بينما أفلتت يد أمي لتسقط في الظلام وهي تصرخ صرخة انقطعت فجأة بصدى الارتطام المرعب في الأسفل.

ارتفعت أنفاسي الصامتة وأنا ملقاة على أرض السطح، جسدي يرتجف بالكامل، وعيني معلقة بالسماء. انتهى الكابوس… ماتوا جميعاً ودفنت أسرارهم معهم تحت أنقاض جشعهم.

التفتُّ نحو الضابط الذي كان ينظر إليّ بذهول وصدمة وهو يمسك بحقيبة شيرين السوداء التي سقطت من يد أمي على الأرض قبل سقوطها بثوانٍ.

أخذتُ الحقيبة من يده بضعف، وفتحتها… لم يكن بها ورق المستشفى فقط، بل كان هناك مغلف مغلق مكتوب عليه بخط يد أختي الراحلة “هنا”: **(إلى أختي رحاب… الحقيقة التي أخفوها عنكِ، والسر الذي سيق*تلكِ إن عرفتيه)**.

فتحتُ المغلف بملامح متصلبة، وقرأت السطور الأولى التي جعلتني أقف مكان كالمصعوقة، وأدرك أن كل ما قاله عمر، وما قالته شيرين، وما اعترفت به أمي قبل قليل… كان مجرد قشرة خارجية للمصيبة الحقيقية التي لم تخطر على بال إنس أو جان!

 

أمسكتُ بالورقة بيدين ترتجفان، بينما كان ضابط الشرطة يوجه رجاله لمعاينة الج*ثث في الأسفل، والكهرباء بدأت تعود تدريجيًا للمستشفى لتكشف عن بقع الدماء والرماد التي خلفتها ليلة الحريق.

قرأتُ أسطر الرسالة المكتوبة بخط أختي “هنا”، وكانت الكلمات تبدو وكأنها خارجة من مقبرة:

*(رحاب يا أختي… لو الورقة دي وقعت في إيدك، فغالباً أنا مش هكون في الدنيا، والكل هيكون كدب عليكي. عمر وشيرين وأمي… كلهم بيلعبوا لعبة قذرة، بس اللعبة مش زي ما إنتي فاكرة. شيرين مش عاقر يا رحاب، شيرين خلفت من عمر في السر قبل ما يتجوزك بسنتين!)*

توقفتُ عن التنفس، وشعرت برأسي يدور بعنف. أعدتُ قراءة السطور لأتأكد أنني لا أهلوس:

*(عمر كان متجوز شيرين عرفي من زمان، ولما خلفت بنت، حماتي خافت من الفضيحة لأن جوازهم كان من ورا أهل شيرين المليونيرية اللي كانوا هيرفضوهم. البنت دي اتسجلت باسم مستعار ووهمي في مستشفى برة مصر. ولما إنتي اتجوزتي عمر، هما كانوا محتاجين “غطاء قانوني وشرعي” عشان يرجعوا البنت دي لحضنهم في مصر من غير ما حد يشك في شرف شيرين!)*

شعرت بصاعقة تضرب كياني وأنا أتابع القراءة:

*(يوم ما إنتي ولدتي في السابع يا رحاب، بنتك منزلتش ميتة… بنتك الحقيقية عايشة، بس مش هي الطفلة اللي نايمة في العناية المركزة دلوقتي! البنت اللي في العناية دي هي بنت شيرين وعمر الحقيقية، هما بدلوها ببنتك في الحضانة بمساعدة أمي وحماتك، وأمي وافقت عشان تاخد تمن سكوتها وتشتري الشقة الجديدة. بنتك إنتي الحقيقية، عمر وشيرين باعوها لأسرة غنية تانية برة مصر عشان يغطوا مصاريف اللعبة ويقفلوا بؤ الكل!)*

سقطت الورقة من يدي على أرض السطح المبللة بماء الإطفاء.

يعني إيه؟ يعني الطفلة اللي جوة العناية، الطفلة اللي شبهي، واللي نقلت لها دمي، واللي حاربت عشانها… مش بنتي؟ دي بنت شيرين وعمر؟! والشبه اللي بيني وبينها كان مجرد وهم وخداع بصري بسبب ملامح عمر المشتركة، أو ربما تلاعب نفسي جعلني أرى نفسي فيها!

وبنتي أنا… بنتي الحقيقية من لحمي ودمي، تباع لأسرة تانية برا مصر؟ عايشة في مكان مجهول، مع ناس ميعرفوهاش؟

ركضتُ نحو درج الطوارئ كالمجنونة، ونزلت إلى الطابق السفلي حيث غرفة العناية المركزة. دموعي كانت تعمي عيني، وعقلي كان يصرخ برفض تام لكل ما يحدث.

دخلتُ غرفة العناية بعنف، كان الأطباء واقفين حول سرير الطفلة، والمؤشرات الحيوية على الشاشة بدأت تستقر تماماً بعد أن جرى دمي في عروقها.

نظرتُ إليها… لم أعد أرى ملامحي فيها، بل صرت أرى وجه شيرين وقسوتها، ووجه عمر وغدره. هذه الطفلة هي نتاج المؤامرة التي دمرت حياتي ٣ سنين!

تقدمتُ نحو السرير بجنون، وتملكتني رغبة عارمة في نزع أجهزة الأكسجين عنها، في الانتقام من شيرين وعمر في صورتها… رفعت يدي وأنا أرتجف، وعيني تتسع بدموع الغضب والغل.

لكن في تلك اللحظة الحرجة، فتحت الطفلة عينيها الصغيرتين ببطء… نظرت إليّ ببراءة مطلقة، وامتدت يدها الصغيرة المرتعشة لتمسك بطرف إصبعي، وأطلقت آهة صغيرة متألمة كأنها تستجير بي.

تسمّرت يدي في الهواء. طفلة بريئة لا ذنب لها في قذارة أبويها وأمي، طفلة يجري في عروقها دمي الآن بعد عملية النقل.

تراجعتُ للخلف وأنا أنتحب بصوت مكتوم، وخرجتُ من الغرفة أجر أذيال الهزيمة والصدمة. جلستُ على مقاعد الانتظار الخالية، ممسكة بالرسالة، وأنا أعلم أن كل من أذوني قد ماتوا وصاروا ج*ثثاً هامدة في مشرحة المستشفى… ولم يتبقَ لي في هذا العالم سوى خيط واحد رفيع ذكرته أختي “هنا” في نهاية الرسالة.

قلبتُ الورقة لأقرأ السطر الأخير الذي سيوجه خطوتي القادمة، والذي كان يحتوي على الاسم والعنوان الوحيد للأسرة التي اشترت ابنتي الحقيقية!

 

ثبّتُ عيني على السطر الأخير من رسالة أختي “هنا”، وكان مكتوباً بخط يد مرتعش كأنها كانت تسابق الزمن:

*(يا رحاب، الأسرة اللي خدت بنتك عايشة في الإسكندرية، في منطقة كفر عبده… الراجل اسمه “شريف السيوفي”، وبنتك متسجلة باسم “نور”. دي الورقة الوحيدة اللي بتثبت نسبها ليكي، خديها وانقذي بنتك).*

أغلقتُ المغلف ووضعته في جيب معطفي، وقفتُ على قدمين واهنتين لكنهما تحملان عزيمة لم أعرفها في حياتي من قبل. التفتُّ نظرة أخيرة نحو غرفة العناية المركزة، نحو الطفلة البريئة التي أنقذتُ حياتها بدمي رغم أنها ابنة أعدائي… تركتها لله وللقدر، فليست هي من سأحاسبها على ذنب أبويها.

خرجتُ من باب المستشفى الاستثماري مع شروق شمس يوم جديد. الهواء البارد صدم وجهي ليفيقني من كابوس الليل. طرقة المستشفى التي كانت تمتلئ بج*ثث عمر، وشيرين، وأمي، أصبحت خلف ظهري الآن. لقد ماتوا جميعاً بجشعهم، وانطوت صفحة انتقامهم وتبخرت أموال الوصية الملعونة التي دمرت عائلتي.

لم يعد يهمني المال، ولم تعد تهمني الخيانة.

ركبتُ أول سيارة أجرة متجهة إلى محطة القطار، وعيني معلقة بالطريق. ثلاثة سنوات عشتها وأنا أبكي فوق قبر فارغ، وثلاثة سنوات وبنتي تكبر في أحضان غرباء باسم مستعار.

بينما كان القطار يتحرك مشقاً طريقه نحو الإسكندرية، كنت أنظر إلى يدي التي ما زالت تحمل أثر إبرة نقل الدم… شعرت بغريزة الأمومة تشتعل في صدري من جديد، لكن هذه المرة نحو وجه لا أعرفه، نحو طفلة تنتظرني هناك لتكتشف الحقيقة.

أخرجتُ هاتف شيرين الذي كان بحوزتي، وقمت بمسح كل الفيديوهات والتهديدات التي كانت تخص أمي الراحلة… لقد انتهى زمن الخوف. وضعتُ الهاتف في حقيبتي، وأسندتُ رأسي على زجاج القطار وأنا أبتسم بدموع مليئة بالأمل والألم معاً.

سأصل إلى كفر عبده، وسأقف أمام باب “شريف السيوفي”، ولن أعود إلى القاهرة إلا وابنتي “نور” في أحضاني، لتبدأ حكايتي الحقيقية معها… حكاية أمٍّ عادت من الموت لتسترد ضناها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *