حماتي رمت بتتي حكايات علي ابو الدهب 2
فجأة.. الهوا وقف، والصوت اتمسح من الدنيا.. مفيش غير صوت الـ “تششْ” بتاعة الكوفرتة الزرقا وهي بتسقط وتلمس وش المية الجارية.
البت سقطت.. فريدة سقطت في قلب النهر!
المية بلعتها في ثانية، والتيار السريع سحبها لبعيد زي ما بيسحب قشة. في اللحظة دي، عقلي مأداش أي أمر.. جسمي هو اللي اتمرد واتحرك من نفسه. صرخت صرخة مكتومة طلعت من جوة روحي، ورميت نفسي من فوق السور الحجري علطول وراها.
المية الساقعة خبطت في وشي وجسمي زي السكاكين. هدومي تقلت وبقت بتشدني لتحت، والدوامات كانت بتلف بيا وتعميني. فتحت عيني وسط المية العكرة، وبقيت بجدف بكل قوتي.. مش شايفة حاجة.. مفيش غير ضلمة وخوف.. وفجأة، لقطت طرف القماش الأزرق بيتحرك بسرعة مع التيار على بعد كام متر.
عفرت.. شربت مية.. اتخبطت في صخرة تحت.. بس مكنتش حاسة بوجع. الحاجة الوحيدة اللي كانت بتدوزن في دماغي هي تكتكة الساعة القديمة في صالون سعاد.. “لازم ألحقها.. لازم ألحقها”.
مديت إيدي بأقصى عزم عندي، وضوافري لمعت تحت المية وهي بتمسك في طرف الكوفرتة. شدتها عليا، ورفعت فريدة فوق المية وأنا بنهج وبموت. البت مكنتش بتعيط.. وشها كان أزرق، وعينيها مقفولة.
”لأ.. لأ يا فريدة!! متعمليش فيا كده!”
سندت بدراعي الواحد على صخرة قريبة، وبالإيد التانية قعدت أضغط على صدرها الصغير بصباعين بس.. زي ما اتعلمت في الطوارئ ميت مرة.. بس المرة دي المريض هو حتة من قلبي. ضغطة.. التانية.. التالتة..
وفجأة، فريدة شرقت.. رمت مية من بؤها، وصرخت! صرخة عالية هزت المكان ورجعتلي الروح.
حسيت بإيدين قوية بتشدني أنا والبت لفوق. كان مدحت. عينيه كانت مليانة دموع ورعب، وجسمه كله بيترعش وهو بيسحبنا على البر. أول ما رجلي لمست الأرض، أخدت فريدة في حضني وفضلت أعيط بهستيريا وأنا بضمها لصدري.. كنت بترعش من السقعة ومن الصدمة.
مدحت قعد على ركبه وهو بيعيط وبيقرب مننا: “مريم.. أنا.. أنا أسف.. أنا مش عارف هي عملت كده ازاي..”
رفعت عيني وبصيت له.. النظرة دي كانت كفيلة تنهي كل حاجة بيننا. قسوة الست دي كوم، وسلبيته وخوفه منها اللي كاد ينهي حياة بنتنا كوم تاني.
”الموضوع انتهى يا مدحت،” صوته طلع واطي وميت. “ابعد عننا.”
التفتنا ورا لما سمعنا صوت خطوات سريعة. سعاد كانت واقفة على حرف الجنينة، وشها باهت زي الأموات، وجسمها كله بيترعش بعد ما استوعبت المصيبة اللي عملتها. أول ما شافت فريدة عايشة وبتعيط، حاولت ترسم قناع البرود تاني على وشها وقالت بصوت مهزوز: “أهو.. أهو طلعت عايشة أهو.. مكنش قصدي.. أنا بس كنت بختبرك..”
مرديتش عليها. وقفت على رجلي وأنا ساندة على مدحت بالعافية، ودخلت البيت. سعاد ومدحت حصلوني وهم مش فاهمين أنا بعمل إيه.
دخلت الصالون.. روحت علطول على الكرسي اللي عليه شنطة البيبي. مديت إيدي في الجيب الجانبي، وطلعت الكاميرا الصغيرة.
اللمبة الحمراء كانت لسه بتنور وتطفي.
لفيت وشي لـ سعاد، ورفعت الكاميرا قدام عينيها. الست وشها اتقلب ألوان، والبرود اللي في عينيها اتحول لرعب حقيقي. هي كانت عارفة كويس إن الڤيديو ده مش بس هيوديها ورا الشمس بتهمة شروع في قتل.. ده هيمسح تاريخها وبرستيجها اللي عاشت طول عمرها بتعبد فيهم قدام الناس.
قلت لها بكل ثبات، والدموع لسه على خدي: “الفيديو ده فيه كل حاجة.. من أول اتهامك ليا بالخيانة، لحد ما رميتي بنتي في النيل.. الفيديو ده دلوقتي حالا هيتبعت لأكبر صفحة على السوشيال ميديا، وهيتبعت للنيابة.”
سعاد اترمت على رجلي وهي بتعيط وتصرخ: “لأ يا مريم! بوس إيدك لأ! بلاش فضايح.. ابني مستقبله هيضيع.. أنا هعملك كل اللي أنتي عايزاه!”
ومدحت واقف وراها، عاجز ومكسور، مش عارف يدافع عن أمه ولا يواجه مراته.
بصيت لهم هما الاتنين بقرف، وأخدت فريدة في حضني، وخرجت برة البيت ده وأنا بحلف إني مش هرجع له تاني أبدًا.
بعد شهرين..
الجو كان دافي، والشمس منورة برة شبابيك شقتي الجديدة. شقتي أنا وفريدة بس.
قضية الطلاق كانت شغالة، وقضية الشروع في القتل كانت واخدة مجراها وسعاد حالياً بتقضي عقوبتها ورا القضبان، بعد ما الفيديو بقى قضية رأي عام ومحدش رحمها. مدحت حاول يكلمني مية مرة، بس أنا غيرت رقمي وقصته اتقفلت تماماً من حياتي.
قعدت على الكنبة، وفريدة كانت نايمة في حضني.. وشها بقى مليان صحة وضحكتها بقت تملى المكان.
أنا كبرت وأنا فاكرة إن ماليش ضهر ولا عيلة.. بس وأنا ببص ل بنتي دلوقتي، عرفت إن أنا الضهر والسند.. وإن فريدة هي عيلتي الحقيقية اللي مستعدة أحارب الدنيا كلها عشانها ونعيش مع بعض في أمان
بعد مرور خمس سنين…
الشمس كانت مغرقة بلكونة شقتنا الجديدة، وريحة كيكة الفانيليا مالية المكان. مكنش فيه ريحة ليمون خانقة، ولا صالون مبروق يخاف حد يلمسه. بيتنا كان دافي، مليان لعب متبعترة في كل حتة، ورسومات بألوان الخشب لزقاها فريدة على التلاجة.
”ماما! بصي لونت الفستان ده إزاي!”
التفتّ وشفت فريدة وهي بتجري عليا، شعرها الكيرلي بيتحرك معاها، وعينيها السمرة – اللي شبه عيوني بالملي – بتلمع بفرحة. عندها دلوقتي خمس سنين، بتكبر قدام عيني قوية، فصيحة، ومش خايفة من الدنيا.
أخدتها في حضني وشميت ريحتها.. الـ “تششْ” وصوت المية العكرة اللي كانوا بيطاردوني في كوابيسي زمان، اختفوا تماماً، وحل مكانهم صوت ضحكتها اللي بيرد الروح.
تلفوني رن.. كان رقم محامي قضية النفقة.
رديت: “أيوة يا أستاذ عصام، فيه جديد؟”
المحامي قال بلهجة هادية: “أيوة يا مدام مريم. مدحت جه المكتب النهاردة. دفع كل المتأخرات اللي عليه، وكان سايب جواب وعايزني أسلمه لِك.. بيقول إنه مش هيضايقك تاني.”
سكتّ لثانية.. مدحت.. الراجل اللي وقف عاجز ومختارش بنته في أهم ثانية في حياتها. بعد ما سعاد أخدت حكمها وبقت تقضي عقوبتها، مدحت انكسر تماماً، وحاول مية مرة يرجع أو حتى يشوف فريدة، بس أنا كنت حاسمة. اللي يتخلّى مرة، يتخلّى ألف مرة.
قلت للمحامي: “قطع الجواب يا أستاذ عصام.. ملوش لزمة. المهم الورق يخلص.”
قفلت السكة وأنا حاسة براحة مفيش بعد كده.
بصيت لفريدة وهي قاعدة على الأرض بتركب مكعبات، واقتربت منها وقعدت جنبها. زمان، كنت دايماً بحس إني “بنت جاية من الشارع” ماليش أصل ولا ضهر يحميني، وكان الخوف ده منيم بوجعي. بس الموقف المرعب ده علمني إن الضهر مش اسم عيلة ولا حيطان بيت فخم.. الضهر هو الشجاعة اللي جواكي لما تدافعي عن اللي بتحبيهم.
أنا مكنتش مجرد ناجية من ملجأ.. أنا بقيت أم، ومستعدة أهد الدنيا عشان خاطر بنتي.
لفت فريدة وشها ليا وناولتني مكعب أحمر: “خدي يا ماما، ابني معايا البيت ده.”
ابتسمت ودموعي لمعت في عيني، أخدت منها المكعب وقلت لها: “هنبنيه يا قلب ماما.. وهيكون أقوى بيت في الدنيا.”

