ابني اتجوز 2
وقفتُ مكاني مذهولاً، والكلمات تتردد في أذني كأنها صدى في وادٍ سحيق. تراجعتُ خطوة إلى الخلف، أنظر إلى هذه الفتاة التي تحولت في دقائق من لغز محير إلى ضحية لمؤامرة لا أفهم أبعادها بعد.
نظرتُ إليها وسألتها بصوت مخنوق:
“أوراق؟ أوراق ماذا التي يريدني أن أوقع عليها؟ ولماذا أنا تحديداً؟”
مسحت دموعها بطرف كمها، وحاولت الوقوف مستندة إلى حافة الفراش. بدت في تلك اللحظة واهنة، لكن عينيها كانتا تنبضان برعب حقيقي وهي تقول:
“أبي لا يثق بأحد، وفي نفس الوقت، هو رجل أعمال لديه خصوم كثيرون وأملاك ضخمة تحوم حولها الشبهات القانونية. أخي الراحل كان هو الواجهة لكل شيء، وبعد وفاته، أصبح أبي بحاجة إلى اسم جديد.. اسم شخص ليس لديه ما يخسره، شخص يدفعه الفقر والاحتياج للموافقة على أي شيء مقابل إنقاذ عائلته.”
استجمعت أنفاسها وتابعت:
“سمعته يقول للمحامي إنه سينقل الجزء الأكبر من الشركات والمصانع المدونة باسمي، إلى اسمك أنت.. لكنها لن تكون أملاكاً حقيقية. ستكون مجرد واجهة قانونية تحمل كل الديون والضرائب المتراكمة والقضايا المعلقة التي تهدده بالسجن. يريد أن يجعلك (كبش فداء)؛ إذا انهار كل شيء، تسقط المسؤولية عليك وتدخل أنت السجن، ويبقى هو وابنته في أمان.”
شعرتُ برعشة باردة تسري في جسدي. فجأة، رأيتُ صورة أمي وهي نائمة على سريرها، موصولة بجهاز الأكسجين الجديد الذي اشتريته بمال هذا الرجل. تذكرتُ الراتب الشقة، وبطاقة التأمين الصحي التي أنقذت حياتها قبل أيام. كل هذا لم يكن كرماً.. كان الثمن المدفوع مسبقاً لحريتي، وربما لحياتي.
ضحكتُ بسخرية مريرة، وقلت وأنا ألتفت حول نفسي في الغرفة:
“يعني.. باعكِ لي جسداً مريضاً، واشتراني أنا ليرمي بي في السجن؟ أهذه هي الصفقة؟”
نظرتْ إليّ بعينين مليئتين بالانكسار وقالت:
“أنا لم أكن أعلم بنيته كاملة إلا البارحة. حاولتُ أن ألمّح لك خلال الخطبة، هل تتذكر؟ كنتُ أريدك أن ترفض.. كنتُ أخاف أن أظلمك معي. لكنني كنتُ أعلم أيضاً أن رفضك يعني موت والدتك، فبقيتُ عاجزة بين ناريْن.”
ساد الصمت الغرفة، صمت ثقيل لا يقطعه إلا صوت أنفاسنا المتسارعة. تطلعتُ إليها، ولم أعد أرى تلك الفتاة “السمينة” التي يسخر منها المجتمع، بل رأيت إنساناً حطّمته قسوة أقرب الناس إليه. وجد نفسي مدفوعاً بشعور غريب بالمسؤولية تجاهها، رغم أنني لم أكن أحبها.
اقتربتُ منها ببطء، وجلستُ على المقعد المقابل لها، وقلت بهدوء حاولتُ اصطناعه:
“والآن.. ماذا سيحدث؟ أبيكِ ينتظر الصباح ليرى نتيجة هذا الزواج، والمحامي بالتأكيد سيتصل بي خلال أيام ليتذرع بإجراءات نقل الشقة أو الراتب ليجعلني أوقع.”
رفعت رأسها ونظرت إليّ، وكان الخوف في عينيها قد تحول إلى ترقب شديد، وقالت:
“أبي يظن أنه يتحكم في كل خيوط اللعبة.. لكنه لا يعلم أن المحامي الذي يثق به، يخفي سراً آخر. سراً يتعلق بوالدتي المتوفاة، وبالميراث الحقيقي الذي حُرِمتُ منه لسنوات.. إذا استطعنا الوصول إلى ذلك الملف قبل أن يكتشف أبي أننا عرفنا الحقيقة، سينعكس كل شيء ضده.”
وقبل أن أنطق بكلمة واحدة، اهتز هاتفي في جيبي بعنف.
أخرجته والتوتر يملأني، ليتجمد الدم في عروقي وأنا أرى اسم المتصل على الشاشة.
كان “والدها”.
نظرتُ إلى شاشة الهاتف والاسم يلمع في الظلام بتهديد صامت: “عمّي أبو راشد”.
أشرتُ إليها بيدي كي تصمت تماماً. ابتلعتُ ريقي، وحاولتُ أن أستجمع كل ذرة ثبات في صوتي قبل أن أضغط على زر الرد.
“أهلاً عمي، أنور معك.”
جاءني صوته عبر الهاتف، بارداً، هادئاً، ونبرته تحمل ذلك الكبرياء المخيف الذي يجعلك تشعر بالصغر أمامه:
“مبروك يا أنور. أتمنى أن تكون الأمور لديكم بخير.. أعتذر على الاتصال في هذا الوقت المتأخر، لكنني أردتُ فقط الاطمئنان على ابنتي، والتأكيد عليك في أمر مهم.”
نظرتُ نحوها، كانت تتابع الشاشة وعيناها تتسعان رعباً. أجبته:
“الله يبارك فيك يا عمي.. نعم، كل شيء بخير، والحمد لله.”
قال بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:
“ممتاز. غداً في الساعة الحادية عشرة صباحاً، سيمر عليك السائق ليأخذك إلى مكتب المحامي الخاص بي، الأستاذ عادل. هناك بعض الأوراق الروتينية المتعلقة بنقل ملكية الشقة باسمك، وإجراءات التعيين في الشركة وتأمين والدتك الصحي.. أريد إنهاء هذه الأمور بسرعة حتى تتفرغ لبيتك وزوجتك.”
شاشات عقلي كانت تعرض صورتين في نفس اللحظة: صورة أمي وهي تتنفس براحة بفضل ماله، وصورة القيود الحديدية وباب السجن الذي يفتحه لي بابتسامة.
“حاضر يا عمي، سأكون على الموعد إن شاء الله،” أجبته والجملة تكاد تخنقني.
“في أمان الله،” قالها وأغلق الخط فوراً دون أن ينتظر ردّاً آخر.
أنزلتُ الهاتف، وشعرتُ بثقل الغرفة يطبق على صدري. التفتُّ إليها وقلت بصوت منخفض:
“لقد بدأ اللعب على المكشوف. غداً يريدني أن أوقع على الأوراق.”
وقفت ببطء، واقتربت مني خطوة، والدموع قد جفت في عينيها ليحل محلها نوع من الإصرار الانتحاري. قالت:
“الأستاذ عادل.. المحامي الذي تحدث عنه.. هو نفسه الشخص الذي يملك مفتاح النجاة.”

