حماتي طباخه ج 2

بقلم اماني سيد

— شوفتي يا أختي الأكل؟ قولت لأمها تعملنا شوية حاجات على قدها، الستات دي لما تطلب منها حاجة بتصدق تلاقي حد ياكل من إيدها، أهو بياكلوا عيش برضوا.. بس الحق يقال، أنا اللي مظبطالها المقادير ومفهماها ذوقنا إيه في الأكل، أصلهم مش واخدين على الحاجات الفخمة دي!

 

 

 

 

الدم غلي في عروقي، وضوافري غرزت في كف إيدي من كتر الغيظ.. الستات كانت عيونهم هتاكل الأكل من جماله، وكل شوية واحدة تمد إيدها تدوق وتشهق من الحلاوة وتقول: “تسلم إيد اللي عملت، ده أكل ملوكي!” وحماتي تنسب الفضل لنفسها وتقول: “ده بركتي وتوجيهاتي يا حبيبتي!”.

 

وقبل ما أفتح بقي وأنسى كل وعودي لسمير وأفجر القنبلة في وشها، كان سمير داخل من باب الشقة، شيك ولابس قميصه الجديد، وشاف نظرة القهر اللي في عيني وهو سامع أمه بتتباها وتدوس على كرامة أمي قدام المعازيم كلهم.

 

قرب سمير من السفرة، وابتسم ابتسامة هادية جداً، لكن كان وراها لمعة غريبة في عينيه، ووقف في نص الصالة بصوته الجهوري اللي سكّت كل الستات اللي بياكلوا، وقال:

 

— نورتوا يا جماعة، ألف هنا وشفا على قلوبكم.. بس قبل ما تبدأوا أكل، فيه حاجة مهمة لازم الكل يعرفها عشان الحق يرجع لأصحابه!

 

الصمت نزل فجأة على الصالة، والكل ساب المعالق والشوك وبصوا لسمير باستغراب. حماتي اتوترت، وعينيها راحت عليه بحدة وهي بتقول بضحكة مرتبكة:

 

— خير يا سمير يا ابني؟ حاجة إيه دي اللي توقف الأكل عشانها، الأكل هيبرد والناس جيعانة!

 

سمير متأثرش، فضل واقف مكانه وابتسامته الهادية على وشه، ومد إيده على كتفي وشدني جنبه بالراحة، وبص لكل الموجودين وقال بصوت واضح ومسموع:

 

— السفرة اللي قدامكم دي، من أصغر صباع محشي فيها لأكبر صينية بط ورقاق، معمولة بإيد ست الكل، حماتي الغالية، أم نورهان.. الست دي بتشتغل بعرق جبينها وشقاها بالحلال بعد وفاة جوزها، وقايمة على شغلها بكرامة وشرف يشرفوا أي حد.

 

حماتي وشها بهت والدم هرب من خدودها، وحاولت تقاطعه وهي بتكز على سنانها:

 

— ما إحنا عارفين يا ابني إنها هي اللي طابخة، ما أنا قايلالهم إنها…

— لا يا أمي، مش مفروض! الست دي جوزها مات وشقيانة على لقمة عيشها، مش ملزمة تصرف عليا ولا تطبخ لبيتي.. إحنا حياتنا هنمشيها عادي زي أي بيت طبيعي، نورهان تطبخ في بيتها على قدنا، هناكل اللي ربنا يقسمه. حماتي حبت تهادي بنتها بحاجة من نفسها في يوم من الأيام، أهلاً وسهلاً وعلى راسنا، محبتش هي حرة ومحدش يلوم عليها بنص كلمة.. ولو بعتت بعد كده أي أكل من شغلها، أقسم بالله أنا اللي هحاسبها عليه مليم بمليم، لأنها مش ملزمة تصرف علينا ولا تشيل ليلتنا، وأنا لحم كتافي مش هيبقى من شقى ست بتجري على أكل عيشها.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *