التؤام حكايات 2 علي ابو الدهب
الجزء الثاني
حازم وقف وقفة رجالة وقالهم بنبرة حاسمة: “الذهب ده حقنا وأنتوا مرجعتوهوش جدعنة، ده عشان هيفضل حرز في القضية لو مجاش. أما بخصوص التنازل.. فـ أمي هي صاحبة الحق، والقرار ليها”.
الكلمة الأخيرة
كلهم بصوا لي.. بسمة نفسها مكنتش معاهم، كانت بايتة في الحجز، البنت اللي كانت من كام يوم بتميل على ودني وتقولي “محدش هيصدقك”، دلوقتي مصيرها كله تحت رحمة صباعي ده لو شاور بالتنازل أو الرفض.
بصيت لأمها اللي كانت بتعيط بجد، واهتديت لقول الله تعالى: «وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ».
قلت لهم: “أنا هتنازل عن قضية الشروع في القتل.. عشان خاطر شيبتك يا أم بسمة، وعشان أخوكي الراجل المحترم اللي ملوش ذنب في قلة رباية أخته. بس قضية السرقة هتفضل شغالّة، ولازم تاخد حكم وتتسجن ولو كام شهر.. عشان تتعلم إن الله حق، وإن الكرسي المتحرك اللي زقته بقلة أصل، كان ممكن يوديها المشنقة”.
نهاية البداية
أهلها وافقوا وهم بيبوسوا على راسي من كتر الفرحة إن بنتها نجت من حكم مؤبد. وبسمة اتأدبت، وأخدت حكم مخفف بالحبس سنة مع إيقاف التنفيذ في السرقة بعد تنازلنا عن الباقي، بس الفضيحة اللي عاشت فيها هي وأهلها كانت أكبر من أي سجن. اتطردت من شغلها، والمنطقة كلها بقت تشاور عليها بـ “الحرباية”.
بعد كام شهر.. الجبس اتفك من عليا، ورجعت أمشي على رجلي تاني بفضل ربنا ودعواتي. وحازم؟ حازم اتعلم الدرس الأكبر في حياته: إن مش كل وش بيضحك بيكون نضيف، وإن قلب الأم دايماً دليله.. ومبيكدبش أبداً.مرت سنة كاملة على الحادثة دي.. سنة غيرت فينا حاجات كتير.
الحمد لله، قمت من على الكرسي المتحرك ووقفت على رجلي تاني، صحيح بِمشية تقيلة شوية وفيها زكة بسيطة بتفكرني باللي حصل، بس النصرة اللي ربنا نصرني بيها كانت مخلياني حاسة بخفة في قلبي وكأني بطير. حازم اتغير تماماً، مابقاش يسيبني لحظة، وبقى يسابقني في الخدمة، وكأنه بيعوضني عن كل ثانية شك فيها في كلامي.
وفي يوم جمعة، كنا قاعدين بنفطر سوا، ولقيت حازم باصص في طبقه ومتردد، وعمال يلف ويدور في الكلام.
بصيت له وابتسمت: “قول يا حازم.. في إيه يا بني؟ شكلك وراه حكاية”.
حازم رفع عينه وبصلي بخجل: “أمي.. في بنت معايا في الإدارة في الشغل، بقالنا كذا شهر بنتعامل، ومحترمة جداً.. بس أنا.. أنا بقيت بخاف يا أمي، بقيت بحس إن كل الوشوش بتخدع، وخايف أكرر نفس الغلطة”.
ضحكت من قلبي وطبطبت على إيده: “يا حبيبي، أصابعك مش زي بعضها. وبعدين، إنت نسيت إن معاك رادار؟ المرة دي أنا اللي هاجي معاك وأشوفها، وقلب الأم مبيخيبش”.
المقابلة.. ونظرة “الرادار”
فعلاً، رتبنا ميعاد ورحنا نزور أهل البنت، واسمها “أمل”. من أول خطوة دخلت فيها بيتها، عيني كانت بتراقب كل تفصيلة.. طريقة كلامها مع أمها، ضحكتها، حتى نظرات عينيها وهي بتقدم لنا الشربات.
أمل كانت واضحة، مكنش فيها المصنعة ولا الخبث بتاع بسمة. كانت بتتكلم ببساطة، ولما عرفت بظروف رجلي وصعوبة حركتي، من غير ما تتكلم كتير، لقيتها بتعدل لي المخدة ورا ضهري بحنان حقيقي، مش عشان لقطة قدام حازم، لأن حازم أصلاً كان بيتكلم مع باباها ومكنش باصص علينا.
لما رجعنا البيت، حازم قعد جمبي على أعصابه: “إيه يا أمي؟ طمنيني.. الرادار قال إيه؟”
قلت له وأنا مرتاحة: “اتكل على الله يا بني.. البنت دي وشها فيه رضا، وإيدها خفيفة ورحيمة. دي بنت أصول بجد”.
ليلة الفرح.. والدرس الأخير
الشهور جرت بسرعة، وجيه يوم فرح حازم وأمل. القاعة كانت منورة، والكل فرحان. وأنا قاعدة في وسط الفرح لابس فستاني الجديد وفرحانة بابني، لقيت أمل سابت الكوشة، وجتلي لحد عندي.. نزلت بفستانها الأبيض على الأرض تحت رجلي، وباست إيدي وقالتلي: “نورتي دنيتنا يا ماما هنا.. حازم ده في عيني، وإنتي قبل منه”.
في اللحظة دي، شريط ذكريات السلم والضلمة والوجع والابتسامة الصفرا عدا قدام عيني في ثانية واحدة.. بس المرادي، الشريط اتقطع بضحكة حازم وهو جاي علينا وبيحضننا إحنا الاتنين.
بصيت للسما وقلت: “الحمد لله”.. ربنا بياخد وبيرجع، بيوجع بس بيجبر بالخاطر. وبسمة؟ بسمة بقت مجرد ذكرى رمادية في كتاب حياتنا، درس قاسي اتعلمنا منه إن الحقيقة ممكن تتأخر، وممكن تقع من على السلم.. بس في الآخر، دايماً بتقف على رجليها
وبعد سنتين من ليلة الفرح دي، كانت الشقة مليانة بحركة وصوت “هنا الصغيرة”، حفيدتي اللي حازم وأمل سموها على اسمي.
كنت قاعدة في البلكونة في شمس العصاري، وأمل خارجة شايلة صينية الشاي وبتضحك وهي بتزعق لـ حازم عشان يلحق بنته قبل ما توقع المكعبات. بصيت لحازم وهو بيجري ورا بنته بلهفة وحب، وافتكرت اللحظة اللي كنت فيها عاجزة على الكرسي ده.. وكيف ربنا بدل الخوف بأمان، والوجع بضحكة مالية البيت.
عرفت وقتها إن ربنا مبيسبش حد مظلوم، وإن السقوط اللي افتكرته زمان نهاية عمري، كان هو الدافع اللي نضّف حياتنا من الخبث وفتح لنا باب للبداية الحقيقية.
التفتّ لـ حازم وأمل وقلت لهم بابتسامة صافية من كل قلبي: “ربنا يديمكم ليا سند، ويديم بيتنا عمران بالرضا والنية الطيبة”.
تمت.

