انا وطليقي الجزء الاخير

بقلم اماني سيد

بعد فترة، جاتلي فرصة تانية أحسن في محل عطور (برفانات) كبير في نفس السوق. من أول يوم دخلت فيه المحل ده، حسيت إن الشغلانة دي شبهي. حبيت الشغل جداً؛ حبيت ريحة المكان، وبقيت أحفظ أنواع العطور، وأعرف إزاي أخلط النوتات الشرقية مع الفرنسية، والزباين بقوا ييجوا المحل بالاسم عشان أركب لهم العطور على ذوقي.

الشغلانة دي فتحت نفسي على الدنيا، وبدأت أحوش منها مبلغ محترم، وكل ما العلبة تتقل، طموحي يكبر معايا.

في يوم بالليل، كنت قاعدة مع أم أحمد بنشرب شاي، طلعت العلبة وحطيتها قدامها على الطبلية وقولتلها وعيني بتلمع:

— “بصي يا خالة.. دول القرشين اللي طلعت بيهم من شقايا الفترة اللي فاتت. نفسي أعمل بيهم حاجة تضمن مستقبلي، نفسي أفتح محل صغير بتاعي أنا.”

أم أحمد بصت للفلوس وبصتلي، ولقيتها بتبتسم ابتسامة غالية أوي، وقامت دخلت أوضتها ورجعت وفي إيدها قماش صرة قديمة ربطاها جامد. حطتها جنب علبتي وقالتلي:

— “ودول يا بنتي قرشين كنت شايلاهم للزمن.. وأنا زماني هو أنتي. أنتي دخلتي بيتي ونسيتيني الوحدة، وشوفت فيكي شطارة تفتح بلد. أنا هشاركك باللي معايا، ونكبر القرشين دول سوا.”

مبكيناش المرة دي من الكسرة، بكينا من الفرحة والأمل.

وتاني يوم، نزلنا ولفينا لحد ما لكينا محل صغير على قدنا في مول تجاري جديد. أجرناه، وبدأنا نوضبه خطوة بخطوة. وبالمبلغ اللي معانا، قدرت أشتري الخامات والزجاجات الزيتية النظيفة، وفتحت براند صغير خاص بيا لتركيب العطور. البراند ده مكنش مجرد محل.. ده كان عنوان كرامتي، والرد القاسي من الأيام على كل كلمة إهانة اتقالتلي في يوم من الأيام.

الذكريات دي كلها جرت في دماغي في ثواني، وأنا واقفة في المحل بتاعي.. “البراند الخاص بيا” اللي تعبت فيه مع أم أحمد.

هو دخل المحل وعينه لفت في المكان المعجب الشيك، ولما بص ناحية الكاونتر وشافني، ملامحه اتغيرت.. اتصدم للحظات، بس الصدمة دي بسرعة ما اتقلبت لضحكة صفرا ونظرة سخرية، وافتكر إن الأيام بهدلتني وخلتني مجرد بياعة واقفة في محل ملهاش حول ولا قوة.

قرب بخطوات فيها كبرياء مزيف، ومراته الجديدة متبغددة في إيده، ووقف قدامي وبصلي من فوق لتحت وقال بنبرة مليانة تريقة وتمنظر:

— “يا محاسن الصدف! مش معقول.. بتشتغلي هنا؟ سبحان الله، أهو الشغل مش عيب برضه.. المهم، أنا عايز لمدام مشيرة نوع برفان يكون قيم وغالي، مش أي حاجة وخلاص.. قوليلي إيه أغلى نوع عندك هنا؟”

أنا حافظت على هدوئي التام، وابتسمت ابتسامة هادية وراقية جداً وجاريته في الكلام بكل برود، وقولتله:

— “أهلاً وسهلاً يا فندم.. طبعاً تحت أمرك، عندنا كذا نوع غالي، بس في نوع معين لسه نازل ومخصوص لزبائن معينة.. ده أغلى وأفخم نوع في البراند كله.”

طلعت زجاجة العطر الفخمة اللي تركيبتها من زيوت نادرة، وبدأت أشممها لمراته اللي عيونها لمعت من جمال الريحة وقالت بدلع وشياكة:

— “واو يا حبيبي.. ده تحفة بجد! ريحته تجنن وفخمة أوي.. أنا عايزة من ده.”

طليقي بصلها وبصلي وهو حاسس إنه بينتصر عليا وبيتمنظر بفلوسه وبمراته قدام “الغلابة” اللي زيي، وطلع محفظته بكل تفاخر وقال:

— “تمام، اعمليلنا زجاجة منها.. مهما كان تمنها مش خسارة في مشيرة، احسبيلي الحساب كام عشان ندفع وتتبسط.”

أنا أخدت الزجاجة، وبكل هدوء غلفتها في العلبة الشيك وفوقيها الشنطة القطيفة بتاعة البراند، وحطيتها قدامه على الكاونتر، وبصيت في عينه مباشرة وقولتله بكل ثقة وكبرياء:

— “الحساب خمسة آلاف جنيه يا فندم.”

إيده اتجمدت على المحفظة، وملامحه اتهزت من الرقم، بس عشان برستيجوه قدام مراته وقدامي، طلع الفلوس وعدها وحطها على الكاونتر وهو بيبتسم بثقة مزيفة ويقول:

— “اتفضلي.. وشكراً على خدمتك لينا يا.. يا كابتن.”

أخدت الفلوس وحطيتها في الخزنة بكل برود، وطلعت من الدرج كارت المحل الفخم اللي مطبوع عليه اللوجو واسم البراند بشكل شيك جداً.

حطيت الكارت فوق شنطة البرفان وزقيتهم ناحيته بكل هدوء، وبصيت في عينه مباشرة وقولتله بنبرة صوت واثقة وهادية:

— “اتفضل يا فندم البرفان والكارت ده فيه عنوان الفرعين التانيين بتوعنا لو المدام حبت تغير أو تختار نوتة تانية.. نورتوا البراند بتاعي.”

الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. عينيه وسعت وبقت تروح وتيجي بين الكارت اللي مكتوب عليه اسمها كصاحبة ومؤسسة البراند، وبين اليافطة الكبيرة المضاءة اللي وراها.

ملامحه اتمحت تماماً، والصدمة والخرس صابوه وهو واقف مش عارف ينطق ولا يستوعب إن المحل الشيك ده في المول، والبراند الفخم ده اللي دفع فيه خمسة آلاف جنيه، هو ملك البنت اللي رماها في الشارع بالهدوم اللي عليها وهو بيضحك وفخور بكسرتها.

أخد الشنطة والكارت وإيده بتمشي ورا بعضها من كتر الصدمة، ملقاش كلمة واحدة يرد بيها ولا عرف يداري وشه اللي جاب مية لون. لف ضهره ومشي من سكات وهو باصص في الأرض، ومراته بتجر وراه وهي مش فاهمة إيه اللي حصل وفجأة غير حاله كده.

أول ما دخلوا من باب بيتهم، كان جواه بركان قايد، الكبرياء اللي اتمسح في المحل والوجع اللي حس بيه لما شاف نجاحها، خلاه عايز يثبت لنفسه وللدنيا إنه مخسرش، وإن حياته الجديدة أحسن.

بص لمراته “مشيرة” وهي بتحط شنطة البرفان على الترابيزة وبتقلع جزمتها، وقالها بنبرة آمرة وفيها غل مكتوم:

— “مشيرة.. بكره الصبح تطلبي الدكتورة وتحددي معاها ميعاد العملية عشان تعمليها وتحملي.. أنا خلاص مابقتش قادر أصبر، وعايز عيل يشيل اسمي ويبقى ليا عيلة وعزوة زي ما اتفقنا.”

مشيرة لفت وبصت له بكل برود، ولوت بوزها باستنكار وقالت له بنبرة كلها استعلاء:

— “عملية إيه اللي أعملها يا حبيبي؟ وأتعب نفسي ليه وأدخل غرف عمليات؟ العيب منك أنت مش مني أنا! التحاليل بتاعتك هي اللي قالت إن عندك مشكلة، يبقى تروح أنت تتعالج وتعمل عمليات، إنما أنا سليمة وزي الفل ومستحيل أبهدل جسمي وصحتي عشان حاجة تخصك.”

هو اتصدم من ردها، وحس بالكلمات بتخبط في دماغه وفي رجولته، قرب منها وقال بصوت عالي:

— “جرى إيه يا مشيرة؟! أنتي مش كنتي عارفة وموافقة، وقولتيلي هقف جنبك ونعمل حقن مجهري والعملية تنجح؟ أنتي نسيتي شرطك عشان تتجوزيني ولا إيه؟”

مشيرة حطت إيدها في وسطها، وبصت له بنظرة خلت عروقه تنشف، وقالت له بمنتهى القسوة:

— “جرى إيه أنت يا حبيبي؟ أنا اتجوزتك عشان أعيش لي يومين حلوين، وأنبسط، وأبقى حرة وأخرج وأتفسح.. مكنتش اتجوزتك عشان ألف على الدكاترة وأقعد في السرير تعبانة. من الآخر كده.. لو زنيت عليا في الموضوع ده تاني، أنا هطلق منك وأرميك.. وأنت عارف كويس أنا أهلي مين وأقدر أعمل إيه!”

سابته واقف في وسط الصالة زي الصنم، كلامها كان بينزل عليه زي السكاكين، وفي نفس اللحظة ودانه صفرت وهي بتعكس له صوته هو من كام سنة لما كان بيقول في نفس البيت: “عايز لما أخلف أخلف من مشيرة اللي ليها عيلة وعزوة.. وعزة جلال الله ما هسيبك تخرجي من هنا إلا بالهدوم اللي عليكي”.

الدنيا دارت، والكسرة اللي كسرها لغيره، رجعت له في نفس الليلة ومن أقرب الناس ليه.

بدأ يلف على الدكاترة في السر، وبقى يجري من عيادة لعيادة ومن مستشفى لمستشفى وهو مكسور، بيحاول بكل الطرق وبيدفع كل اللي وراه وقدامه عشان يعمل أي محاولة أو عملية تخليه يخلف، لكن في كل مرة كانت المحاولات كلها بتبوء بالفشل، والدكاترة بيأكدوا له إن مفيش أمل.

في نفس الوقت، مشيرة لما لقت السنين بتجري ومفيش فايدة، والأمل بيضيع، وبدأ نفسها هي كمان يبقى عندها عيل، قررت إنها مش هتضيع عمرها معاه أكتر من كده.

من غير ما تقوله ولا تحذره، راحت للمحامي وباعت الكل في لحظة. رفعت عليه ق*ضية خلع، ومكتفتش بكده؛ عشان تبرر موقفها قدام عيلتها وعزوتها وأصحابها، فضحت السر اللي كان بيموته كل يوم.. فضحت في المحاكم وبين الناس إنه مش بيخلف والعيب منه هو.

سيرته بقت على كل لسان، والكلام اللي كان بيعاير بطلتنا بيه زمان لما قالها “مافيش عيل تاخدي له نفقة.. وجودك كان وعاء لحد ما ألاقي اللي تملي عيني”، رجع له في وشه زي السهم المسموم، وبقى ماشي في الشارع مطأطأ رأسه، وخسر كل حاجة: مشيرة، والفلوس اللي دفعها على الدكاترة، والأهم من ده كله.. كرامته وسيرته اللي بقت في الأرض.

الدنيا دارت، والعدالة الإلهية اتكتبت بأقسى طريقة ممكنة للظالم.

ومرت السنين، والبراند بتاعي بقاله فروع في كل مكان، والاسم بقاله هيبة ووزن في السوق. في وسط رحلة النجاح والشغل دي، جمعتني الأيام بشريك حياتي الحقيقي.. راجل محترم، صاحب براند ملابس ناجح، عرف قيمتي من أول يوم، وشاف فيّا الست القوية الناجحة المكافحة اللي تستاهل تتشال على الراس.

اتجوزنا، وعشت معاه الأيام اللي كنت بتمناها طول عمري؛ لمتنا وعزوتنا اللي بجد، والبيت اللي مليان حب واحترام من غير ذل ولا إهانة.

وربنا مأخرش عوضه الجميل.. ربنا جبر بخاطري ورزقني منه بالخلفة، وبقى عندي طفل مالي عليا الدنيا، وبقيت بمسكه في حضني وأنا بفتكر الأيام اللي فاتت وبقول: “سبحانك يا رب.. يمهل ولا يهمل”.

وفي يوم، كنت واقفة في الفرع الرئيسي للمحل بتاعي، لمت اللوحة الكبيرة اللي عليها اسم البراند، وكان جوزي واقف جنبي وشايل ابننا على كتفه وبيضحك معايا ويناقشني في كوليكشن العطور الجديد اللي هننزله سوا ميكس بين براند الملابس وبراند العطور.

لمحت من وراء الزجاج بتاع المحل راجل ماشي في الممر بتاعه المول.. كان طليقي.

كان ماشي لوحده، ضهره محني، اللبس اللي عليه باهت، ووشه مليان هموم وعجز بعد ما فضحيته بقت على كل لسان وخسر كل حاجة. وقف للحظة وبص ناحية المحل، عينه جت عليا وأنا في قمة نجاحي وشياكتي، وجنبي جوزي وابني..

بصيت له بكل هدوء، ومكنش في قلبي حقد ولا غل، كان في قلبي بس حمد وشكر لربنا اللي بياخد الحقوق وبيرجعها تالت ومتلت. لفيت ضهري ليه بكل برود، وأخدت ابنني في حضني وكملت ضحكتي مع جوزي.. وأنا عارفة إن القصة اتقفلت بأجمل نهاية، وإن “النصيب المكسور” ربنا بدله بأحسن وأجمل نصيب في الدنيا كلها.

وأم أحمد، الست الأصيلة الطيبة، مكانتش مجرد فتر عابرة في حياتي؛ دي فضلت معايا خطوة بخطوة. يوم ولادتي كانت هي اللي شيلاني بدعاها، وأول ما ابني فتح عينه على الدنيا، كانت هي أول وش شافه بعدي أنا وجوزي.

مرت الأيام، وابني كبر وبقى يجري في الشقة ويزق باب أوضتها وهو بينادي بأعلى صوته وبفرحة الدنيا: “يا تيتا أم أحمد!”

الكلمة دي كانت بتخلي وشها ينور وتجاعيده تضحك من قلبها، تاخده في حضنها وتبوسه وتدعي له، وكأن ربنا بعت لها الحفيد ده يعوضها عن غربة ولادها ووحدتها.

أنا مكنتش بعتبرها ست استضافتني يومين؛ أنا كنت ببص لها وبقول بكل يقين إن دي أمي اللي ربنا حفظهالي وسخرها ليا في أصعب ليلة في عمري. كنا بنقعد سوا، أنا وهي وجوزي وابني، نضحك ونتكلم، وبيتنا كان دايماً عمران بحسها ودعاها اللي كان بيفتح لنا كل الأبواب المقفولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *