حكايات اماني السيد ج 2

كان الصوت الصادر من أجهزة العناية المركزة أشبه بإنذار النهاية. أطباء بيجروا في كل اتجاه، وأبواب الزجاج بتتفتح وتتقفل بسرعة، وصوت الصدمات الكهربائية وصيحهم جوه الأوضة كان بيرن في أذني زي الصاعقة. مراتي مسكت في ذراعي بأطراف صوابعها لدرجة إن أظافرها غرزت في جلدي، وهي بتصرخ بصوت مكتوم ومش قادرة تأخد نفسها: “بابا لا.. يا رب عشان خاطري، يا رب متحرمنيش منه!”
هدى كانت قاعدة على الأرض مسندة ظهرها للحيطة، دافنة وشها بين ركبتها وجسمها كله بيتنفض ببكاء هستيري. كل ما عينها كانت تترفع بالصدفة وتيجي في عيني، كنت بشوف محاكمة كاملة بتتنفذ فيا من غير ولا كلمة. محاكمة أنا فيها الجاني والجلاد، ومفيش فيها أي مساحة لرحمة.
بعد نص ساعة من الرعب الشديد والمحاولات المستميتة، خرج الطبيب وهو بيقلع القفازات من إيده. الملامح كانت مجهدة، ونظراته للأرض كانت كفيلة إنها تقول كل حاجة قبل ما ينطق.
“شدي حيلك يا مدام.. البقاء لله. القلب ما استحملش الصدمة والجلطة كانت كاسحة.”
الكلمة نزلت على الممر زي قنبلة اتفجرت في صمت. مراتي أغمى عليها في ساعتها ووقعت في حضني كأنها جث\ة هامدة، بينما هدى طلعت منها صرخة هزت أركان المستشفى كلها: “لااااااا! يا بابا لااااا!”
في اللحظات دي، حسيت إن السقف بيقع عليا. أنا مش بس خنت مراتي في تفكيري ومواقفها، أنا قتلت أبوها. الصدمة النفسية اللي هدى دخلت بيها البيت وهي بتصرخ من اللي عملته معاه في العربية، كانت هي الرصاصة اللي اتوجهت لقلب الراجل العجوز.
المشرحة، إجراءات الدفن، التصاريح، وتفاصيل الموت المرعبة مرت عليا وكأني في كابوس مش قادر أصحى منه. كنت بشيل وأحط، وأتحرك زي الآلة، بس عقلي كان مشلول. مراتي كانت غايبة عن الوعي تقريباً، محتاجة مهدئات كل ساعة عشان تقدر تقف على رجليها في العزاء، وكانت طول الوقت ماسكة في إيدي وبتقول بين دموعها: “أنا ماليش غيرك يا حبيبي.. لو إنت كمان سبتني أنا أروح أتموت ورا بابا.”
الكلمات دي كانت بتقطع في أحشائي بالسكاكين. كانت بتستند على الحيطة المايلة اللي على وشك إنها تقع فوق رأسها وتهدم حياتها بالكامل.
انتهى العزاء بعد تلت أيام ثقال زي الجبال. رجعنا الشقة، البيت كان أظلم وأبرد من أي وقت فات. أم مراتي فضلت في بيتها مع قرايبها، وهدى رفضت تماماً إنها تيجي معانا أو تقعد في أي مكان أنا موجود فيه.

