حكايات اماني السيد ج 2

مراتي بقت تتعلق بيا بشكل يقطع القلب. كل ما تدخل في موجة بكاء، تيجي تحضنني وتستخبى في صدري وهي بتقول: “الحمد لله إنك معايا يا حبيبي.. لولا وجودك جنبي في المحنة دي أنا مكنتش عرفت أقف على رجلي.”

كل كلمة حنية منها كانت بتنزل على قلبي زي الزيت المغلي. كنت بضمها بإيدين مرعوبة، وعيني بتتردد على الفراغ، وأنا عارف إن الحقيقة لو ظهرت، الحضن ده هيتحول لخنجر يقتلها.

هدى بدأت تنفذ تهديدها بطريقة ألعن من الفضيحة المباشرة؛ الطريقة دي كانت الحرب النفسية الباردة.

رجعت تزور أختها في البيت عادي، بس كل حاجة اتغيرت. الضحكة العفوية، الدلع، الحركة اللي كانت بتملى البيت طاقة وحيوية.. كل ده اتبخر. بقت بتدخل البيت بوش حزين، ملامح جادة، وعيونها تتفادى تماماً إنها تلمح وجودي.

أول مرة جت فيها بعد العزاء، كنت قاعد في الصالة. دخلت سلمت على أختها بحرارة وشوق، ولما مراتي قالتلها: “هدى، جوزك أبيه واقف أهو سلمي عليه، ده تعب معانا أوي الفترة اللي فاتت.”

هدى وقفت مكانها، بصت للأرض، وقالت بصوت جاف خالٍ من أي مشاعر: “أه.. أهلاً يا أستاذ.”

كلمة “أستاذ” كانت زي القلم على وشي. مراتي استغربت أوي واستنكرت النبرة وقالت: “أستاذ إيه يا هدى؟! إنتِ بقيتِ غريبة كده ليه؟ ده أبيه اللي كنتِ بتجري عليه أول ما يدخل!”

هدى ردت بإبتسامة ميتة وهي عينها بتتحداها وتتحداني في نفس الوقت: “خلاص يا أبله.. كبرت وبقيت في الكلية، ولازم كل واحد يعرف حدوده ومقامه في الدنيا دي.”

مراتي عدت الموقف وافتكرت إن الحزن على باباها هو اللي مغيرها، لكن أنا كنت فاهم الرسالة كويس. هدى كانت بتجردني من كل صفة دافية في حياتها، وبتفكرني كل ثانية بإني نكرة وبأنانيتي وجريمتي.

الموضوع مكنش بس قسوة وكلام؛ هدى بدأت تستغل موقفها عشان تخليني أعيش في رعب دائم.

في يوم، مراتي كانت جوه المطبخ بتجهز الشاي، وكنت واقف في الصالة بتكلم في التليفون بخصوص شغل، وهدى كانت قاعدة على الكنبة بتقلب في تليفونها.

فجأة، من غير ما مراتي تلمح، هدى رفعت رأسها وبصتلي، وطلعت من شنطتها الشيكولاتة اللي كنت اشتريتهالها في العربية اليوم إياه.. الشيكولاتة اللي سابتها في العربية وهي بتجري مني يوم حادثة أبوها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *