حكايات اماني السيد ج 2

في اليوم الرابع، كانت مراتي نايمة من كثرة التعب والمهدئات. كنت قاعد في الصالة في الضلمة، سارح في السر الرهيب اللي شايله جوه صدري، سر لو اتكشف سقف البيت ده هيطربق على الجميع. وفجأة، تليفوني رن في ظلام الصالة.

بصيت على الشاشة.. كان رقم هدى.

إيدي اترعشت وأنا بمسك التليفون. فتحت الخط بصوت واطي ومظلم: “ألو.. هدى؟”

جاءني صوتها من الناحية الثانية، بس ما كانش صوت البنت الوديعة الدلوعة اللي عرفتها، ولا حتى صوت البنت المرعوبة اللي كانت في المستشفى. كان صوت هادي، بس أبرد من الثلج، وفيه قسوة تجمد الدم في العروق:

“أختك نايمة؟”

بلعت ريقي بصعوبة وقلت: “اه.. نايمة بمطارد مهدئ. هدى أرجوكي.. أنا-”

قاطعتني بنبرة حادة وصارمة زي السيف:

“اسكت. متقولش ولا كلمة. أنا مش متصلة عشان أسمع قرفك ولا أسمع مبرراتك الحقيرة. أنا متصلة أقولك حاجة واحدة بس.”

أخذت نفس عميق وكملت بصوت مفيش فيه أي تردد:

“أنا كنت هفضحك يوم المستشفى.. كنت هقول لأختي ولأمي ولكل الناس إنت عملت إيه ورخيص قد إيه. بس لما بابا مات، استوعبت إن أختي مش هتقدر تستحمل صدمتين في يوم واحد. لو عرفت إن جوزها وسندها هو اللي موت أبوها بخيانته ودناءته، أختي هتتجنن أو تموت وراه.”

أنا فضلت ساكت، مش قادر أتنفس، ومستني بقية الحكم.

هدى كملت بنفس النبرة الباردة:

“عشان كده أنا مش هقولها حاجة دلوقتي.. بس ده مش عشان خاطرك، ده عشان أحمي أختي. إنت من النهاردة بالنسبة لي مجرد ج\ثة متحركة. هتفضل عايش في البيت ده تحت رحمتي، عيونك متترفعش في عين أختي، وكل لحظة تبص فيها في وشها تفكر نفسك إنك قاتل. وأي حركة غبية منك، أو أي محاولة إنك تقربلي أو تحاول تلطف الجو، هكون أنا اللي بكسر رغبتك بنفسي وبكشفك قدام الدنيا كلها. إنت فاهم؟”

قبل ما أرد أو أقول أي كلمة، قفلت الخط في وشي.

قعدت مكان في الضلمة، التليفون في إيدي، وشايف مسار حياتي الجديد: مش هطرد، ومش هتعاقب بالقانون، بس هعيش سجين لجريمتي، في بيت مفيش فيه غير الخوف والذنب، ووتيرة انتقام هدى يلا ياداب بدأت تتنسج حوالين رقبتي.

مرت الأيام بعد مكالمة هدى وأنا عايش في بيت شبه المقبرة. النظرة اللي كنت بشوف بيها نفسي في المراية اتغيرت تماماً؛ بقيت بشوف بني آدم مسلوب الإرادة، ميت من الجوا ومجرد هيكل بيتحرك عشان يمثل دور الزوج الحنون أمام مراتي اللي كانت بتدبل يوم بعد يوم من حزنها على أبوها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *