رودي خالد 3

انقضت ليلة الفضيحة وكأنها كابوس ثقيل حبس الأنفاس في أرجاء البيت. كانت الدماء تتجمد في العروق كلما تذكرت منظر سارة وهي تصرخ والشوربة الساخنة تقطر من شعرها ووجهها، بينما كريم يجلس ببرود الأباطرة يُطالب بتعويضه المالي المبتكر عن دوره البطولي. لكن السكون الذي يخيم على البيت في الصباح التالي لم يكن سكون سلام، بل كان الهدوء الذي يسبق عاصفة عاتية.

في الساعة الثامنة صباحاً، سمعنا صوت حافلة تتوقف أمام الباب، يليها طرقات قوية ومتسارعة لم نعتد عليها. ركضت أمي لتفتح الباب وهي مرعوبة، لتفاجأ بوالد سارة — عمي كمال — الذي لم نره منذ سنوات طويلة، ومعه اثنان من أقارب العائلة الذين انقطعت أخبارهم منذ زمن.

دخل عمي كمال بملامح حادة كالسيف، ووجه يقطر غضباً. استقبلته جدتي بلهفة وهي تسأله عن سبب هذه الزيارة المفاجئة، لكنه لم يرُد عليها، بل وجه نظراته فوراً نحوي ونحو سارة التي كانت تجلس في الزاوية وضمادة صغيرة تغطي جزءاً من جبهتها.

قال عمي كمال بصوت جهوري هز أركان الصالون:

— أنا جيت أخد بنتي… وجيت عشان أفتح الملفات القديمة اللي اتسفلت واتغطت بالسكات لسنوات!

سادت حالة من الذهول. أمي تتلعثم وتسأله:

— كمال؟ إيه اللي جابك دلوقتي؟ وسارة بنتك في حضننا وفي بيتنا من سنين، إيه اللي حصل؟

أخرج عمي كمال من جيبه ملفاً أوراقاً أصفر قديماً، ورماه على الطاولة بين الجميع. ثم التفت إلى سارة وقال بنبرة مليئة بالحقد والشماتة:

— البنت دي… اللي طول عمركم فاكرين إنها مريضة ويتيمة غلبانة، وسارقين حقوق نورا ودينا عشان خاطرها… البنت دي مكنتش مريضة اصلاً! دي كانت تمثيلية متخططة بينها وبين أمها الله يرحمها عشان تستنزفوا فلوسكم وترثوا نصيب نورا وأختها في البيت والأملاك!

شهقت أمي وسقطت على الكرسي خلفها، بينما وقفت جدتي مذهولة، تسأل بصوت يرتجف:

— أنت بتقول إيه يا كمال؟ التقارير الطبية والدكاترة…

سخر عمي كمال وضحك بمرارة:

— التقارير دي كلها مزورة! أوراق مضروبة كانت بتبعتها أمها لدكاترة مشبوهين عشان تأخدوا منها إعفاءات وتلموا تبرعات ومساعدات من العيلة. والسبب اللي خلاني أمتنع عن الكلام السنين دي كلها… هو إن سارة هددتني إنها هتبلغ عني في قضية قديمة لو فتحت بؤي! بس لما جالي إمبارح بالليل تسجيل صوتي وصور لبنتي وهي بتتفضح قدام الغرب وتترمى عليها الشوربة… عرفت إن كل حاجة اتكشفت، وإني لو متكلمتش دلوقتي، العيلة دي كلها هتروح في داهية!

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *