رودي خالد 3

ضحكت من كل قلبي وأنا أضع رأسي على كتفه، وأخيراً شعرت بأن الكابوس انتهى، وأن المستقبل أصبح ملكاً لنا وحدنا.
ساد البيت صمتٌ أثقل من الحجارة بعد أن اقتاد رجال الشرطة سارة، لكن هذا الصمت لم يستمر طويلاً؛ فقد كان انكسارها الظاهري مجرد قشرة هشة تغطي بركاناً من الغل لم ينطفئ بعد.
في المساء، وبينما كانت أمي تجلس في الصالون وهي تبكي نادمة وتتصل بأختي دينا لترجوها أن تعود وتسامحها، رن هاتف البيت الأرضي. رفعت أمي السماعة بنشيج مكسور، لكن ملامحها تغيرت فجأة للرعب الساطع، وسقطت السماعة من يدها وهي تصرخ:
— كريم! الحق كريم يا نورا!
قزز الخوف قلبي، قفزت ونظرت إلى أمي التي كانت تتلعثم وهي تقول إن شخصاً مجهولاً اتصل وقال إن هناك حريقاً هائلاً اندلع في مطعم كريم، وأن كريم محتجز بالداخل وسط النيران!
ركضت كالمجنونة نحو الشارع، استقللت سيارتي وقد بلغت بي الهستيريا أوجها. كانت الطرقات تتداخل أمام عيني، والدموع تعمي بصري وأنا أدعو الله ألا يصيبه أي مكروه. عندما وصلت إلى شارع المطعم، رأيت أدخنة سوداء كثيفة تصاعدت في السماء، وسيارات الإطفاء تحيط بالمكان، والناس متجمعين يصرخون.
نزلت من السيارة وأنا أصرخ باسمه، حاولت الاقتحام وسط رجال الإطفاء، لكن أحدهم أمنى ومنعني بالقوة وهو يقول:
— المكان فيه مواد قابلة للاشتعال يا آنسة! خطر جداً!
انهرت على الأرض أجهش بالبكاء، وفي تلك اللحظة القاسية، شعرت بوجود شخص يقف خلفي تماماً. التفت ببطء، لأجد سارة!
كانت تقف في الظلام بين أزقة الشارع الجانبي، ترتدي معطفاً واسعاً، وعلى وجهها ابتسامة شاحبة ومختلة بكل ما تعنيه الكلمة. لم تكن في إدارة الشرطة! اتضح أنها استغلت معارف والدها القدامى ودفعت كفالة مالية ضخمة خرجت بها مؤقتاً على ذمة القضية لتكمل ما بدأته.
اقتربت مني بخطوات بطيئة، وقالت بنبرة صوت ميتة يملؤها السواد:
— فاكرة إن كريم شاطر؟ فاكرة إنه يقدر يكسبني؟ أنا قلتلك من الأول يا نورا… الحاجة اللي مقدرش أخدها… بكسرها! لو مش هيكون ليا… مش هيكون ليكي ولا للدنيا كلها!
صرخت في وجهها وأنا أطير نحوها:
— أنتِ عملتِ إيه يا مجنونة؟! كريم فين؟!
ضحكت بصوت عالٍ وشرير:


