فوقت من الغيبوبه
انجي الخطيب
فقت بعد ست أيام غيبوبة، وجسمي كله كدمات وأنا حامل.. ولقيت حماتي، “الحاجة فادية”، واقفة جنب السرير وبتصطنع العياط والدموع الناشفة. قربت مني وهمست في ودني بخبث: **”البيوت بتعمر يا بنتي لما الستات بتتعلم تسامح وتعدي.”**
بس أول ما قالت الكلمتين دول، افتكرت حاجة وقعت قلبها في رجليها.. افتكرت إن أجهزة الصوت والمايكات المخفية اللي ركبناها في الشقة بتسجل كل نفس. لا هي ولا ابنها “مصطفى” كانوا يعرفوا إن العلقة دي كلها اتسجلت صوت وصورة.. حتى اللحظة اللي فادية فيها صرخت في ابنها وقالتله: **”اضربها.. دي ست متستاهلش الرحمة!”**
### اللحظات الأخيرة قبل الضلمة
آخر حاجة سمعتها قبل ما عيني تقفل والدنيا تضلم تماماً، كان صوت حماتي وهي بتصوت وبتشحن جوزي عليا: **”أشكالها دي عاوزة الكسر! اضربها!”**
وفعلاً، “مصطفى” ما كذبش خبر.. مد إيده عليا وضربني بقلب حجر، خبطة طيرتني لحد ما راسي لبست في رخامة المطبخ “الجرانيت”.
كنت في الشهر السادس.. في الأسبوع الـ 24 من الحمل.
### الفوقان في المستشفى
فقت، والدنيا حواليا ريحتها بنج ومطهرات وممزوجة بريحة دم.
أجهزة العناية المركزة كانت بتصفر بانتظام جنب ودني، وصداع رهيب هيفجر دماغي من ناحية الشمال. عيني كانت مغلغلة بالدموع ومغلشة، وسمعت صوت حد بيهمس: **”أهي بدأت تفوق يا دكتور.”**
الدكتور قرب مني بسرعة، وبصلي بأسف وقال: **”يا مدام مي.. إنتِ كنتِ في غيبوبة وفاقدة الوعي بقالك ست أيام.”**
ست أيام!
الرعب نهش في قلبي في ثانية، وحطيت إيدي على بطني وبقيت بصرخ من غير صوت: **”بنتي؟! بنتي جرالها إيه؟!”**
الدكتور سكت ثانية.. الثانية دي موتتني ميت مرة من الخوف.
بعدين قال بهدوء: **”البنت بخير والنبض مستقر.. بس الصدمة والخبطة كانوا هيعملوا انفصال في المشيمة.. لولا ستر ربنا.”**
انفجرت في العياط ودموعي غرقت مخدة المستشفى.
مش من وجع جسمي.. لأ، من وجع قلبي على اللي عمله جوزي فيا.
“مصطفى”.. الراجل اللي كان في يوم من الأيام بيحلف بموتي ويقولي “محدش يقدر يمس شعرة منك طول ما أنا عايش”.
### مسرحية “الحاجة فادية”
الباب اتفتح ببطء من ورا الدكتور.. ودخلت حماتي، “الحاجة فادية”، لابسة عبايتها الشيك والدهب في إيديها، ورسمت على وشها نظرة حزن مزيفة متكلفة أول ما شافتني.
تنهدت بأفوراه وقالت: **”يا حبيبتي يا بنتي! حمد الله على سلامتك.. ده مصطفى كان هيموت عليكِ من الخوف وقاعد برة زي الفرخة المبلولة!”**
بصيت لها بذهول وقرف.
الست دي بقالها سنتين من يوم ما اتجوزت ابنها وهي بتبخ سمها في بيتي بالبطيء.
توقع كلام من تحت لتحت.. تتبلى عليا.. تعمل حوارات وتلبسهالي في ثوب “نصيحة وخوف علينا”.
كانت بتكرهني لمجرد إن مصطفى بيحبني، ولإن كلمتي كانت بتمشي عليه أكتر ما بيمشي ورا كلامها.. أو ده اللي كنت فاكراه، لحد ما لقت الفرصة الصح عشان تقلب الترابيزة.
### ليلة الحادثة: الملعوبة
ليلتها، كنا قاعدين بنتعشى، ومصطفى جاله تليفون شغل وطلع يتكلم في البلكونة. في ثانية، فادية مسكت فازة كريستال غالية كانت على السفرة وهبدتها في الأرض كسرتها ميت حتة، وصوتت بأعلى صوتها كأني كبست على نفسها!
على ما مصطفى جري ونزل من البلكونة، كانت فادية قاعدة في الأرض وبتلطم وبتعيط زي الممثلات جنب الكريستال المكسور.
وقالتله وهي بتشهق: **”الحقني يا مصطفى! زقتني وكانت هتموتني عشان بقولها متجرنيش في الكلام!”**
ما لحقتش حتى أنطق ولا أقول “والله ما حصل”..
مصطفى اتعمى، وعروقه نفرت وصرخ فيا: **”إنتِ مديتي إيدك على أمي؟!”**
**”والله العظيم ما لمستها—”**
القلم نزل على وشي زي الكرباج.. سريع ومعمي.
وبعده قلم تاني.. ووراها زقة بكل غله، طيرتني لورا لحد ما راسي خبطت في رخام المطبخ ووقعت في ساعتها غرقانة في دمي.
### الرد القاتل
ودلوقتي، واقفة فوق راسي في المستشفى وبتتمسكن، وأنا بموت عشان أحافظ على بنتي اللي في بطني.
دخل مصطفى الأوضة بعدها بكام دقيقة، كان شكله بهدلان وشبه الميتين. أول ما شاف عيني مفتوحة، عينيه دمعت وجري عليا: **”مي…”**
لفيت وشي الناحية التانية وقفلت عيني.
الحركة دي كسرته وبان عليه الانهيار.
أحسن.. عشان يدوق نار الذنب اللي هتاكل في قلبه.
الدكتور طلب منهم يخرجوا عشان أرتاح، فادية قربت من السرير الأول وقعدت على الكرسي، وقالتلي بصوت واطي وحنين كداب: **”شفتي بقى؟ البيوت بتعمر يا بنتي لما الستات بتتعلم تسامح وتعدي.. ومصطفى جوزك وأبو بنتك.”**
بصيت لوشها اللي كان باين انعكاسه في شاشة جهاز المونيتور بتاع نبضات القلب اللي جنبي..
وبعدين همست بكلمتين اتنين.. خلوا الضحكة واللون يهربوا من وشها في ثانية:
**”أجهزة الكاميرات والإنذار اللي في الشقة.. بتسجل صوت كمان يا حماتي.”**
السرير هبط عليه حتة صمت.. صمت مرعب ويخوف.
لأن فادية فجأة استوعبت المصيبة اللي وقعت فيها.
الكاميرات اللي هي عارفاها في الصالة؟ مش هي بس اللي كانت شغالة ليلتها..
وأنا، عكس ما مصطفى فاكر.. أنا فاكرة كل ثانية وكل كلمة اتقالت قبل ما يغمى عليا.
**الحساب يجمع.. واللي جاي سواد!** 😉
شاشة جهاز نبضات القلب بدأت تصفر بسرعة، النبضات عِليت مع دقات قلبي اللي كانت بتدب في صدري زي الطبلة، بس المرة دي مش من الخوف.. المرة دي من نشوة الانتصار اللي شفتها في عينيها.
الحاجة فادية وشها جاب ألوان، الأصفر خطف لونها، والضحكة الصفرا المرسومة على بوقها اتمحت وكأنها مكنتش. تراجعت بضهرها لورا، وإيدها اللي كانت لابس فيها غوايش دهب بترتعش وصوت خشخشتهم فضح رعبها. بصتلي وهي بتبرق، وبصوت مهزوز حاولت تلم الموضوع وتعمل فيها جامدة:
“بتسجل صوت؟ صوت إيه يا بت أنتِ؟ أنتِ شكلك السخونية لسة مأثرة على دماغك والتهاب المخ مخليكي تهتري!”
ضحكت.. ضحكة مكتومة ووجعاني من كتر التعب، بس كانت طالعة من وسط حرقان دمي. بصيت لها في عينها وبقيت بقطع الكلام عشان النفس:
“بهتري؟ لاء يا حماتي.. أنا فاوقة وعاقلة ومفتحة قوي. فاكرة المايكات المخفية اللي مصطفى ركبها في سقف المطبخ والطرقة عشان الشغل والأمان؟ أهو السيرفر بتاعها مربوط على تليفوني أنا.. وبيقعد يسجل بالشهور. يعني صوتك وأنتِ بتقوليله ‘اضربها دي ست متستاهلش الرحمة’ طالع أتش دي.. وواضح قوي.”
في اللحظة دي، الباب اتفتح ومصطفى دخل ومعاه كوباية عصير مانجة، شكله كان هربان من عيني ومن الذنب اللي بياكله. أول ما دخل، فادية وقفت بسرعة، وحاولت تداري رعبها، وبصت لابنها وقالتله بنبرة فيها شخط مخفي:
“تعال يا مصطفى.. تعال شوف مراتك اللي لسة فايقة من الموت وبدل ما تحمد ربنا، قاعدة تتبلى عليا وتخترع قصص وتخاريف!”
مصطفى حط الكوباية على التربيزة اللي جنب السرير، وبصلي وعينيه مكسورة، عينين الراجل اللي عارف إنه عمل مصيبة ملهاش غفران. قرب مني خطوة، وحاول يمد إيده يمسك إيدي، بس أنا سحبت إيدي بسرعة وكأني لمست نار.
“مي.. عشان خاطري اسمعيني..” صوت مصطفى كان مخنوق بالدموع. “أنا كنت عميان.. أنا لما شفت أمي في الأرض والدموع في عينيها، عقلي طار. أنا مكنتش في وعيي، والله العظيم ما كنت في وعيي! أنا بقالي ست أيام برة الأوضة دي بموت في كل ثانية.. بموت وأنا شايف بنتي في بطنك كانت هتروح بسببي.. اغفريلي يا مي، البيوت متبتخربش من أول غلطة.”
“غلطة؟!” صرخت فيها، والصوت طلع مبحوح وموجوع، بس هز الأوضة. “أنت سميت الشروع في قتلي وقتل بنتك غلطة؟! أنت مدّيت إيدك عليا يا مصطفى! القلم اللي نزل على وشي طير عيني، والزقة اللي رمتني على الرخام خلتني بين الحياة والموت! ست أيام وأنا في غيبوبة، ست أيام وبنتك بتنازع جوة بطني عشان تعيش.. وجاي تقولي غلطة والبيوت متبتخربش؟!”
الحاجة فادية تدخلت بسرعة وبصوت عالي عشان توشوش على الحقيقة:
“جرى إيه يا بت أنتِ؟ ما تعليش صوتك على جوزك! وبعدين الراجل اعتذرلك وأهو زي الفأر المبلول قدامك، إحنا لولا ستر ربنا كنا زماننا بنقرأ عليكِ الفاتحة، احمدي ربنا وقومي لبيتك وبنتك ولمي الدور.. بلاش وبأو وبلا عياقة ستات!”
بصيت لمصطفى اللي كان واقف ساكت، مستني أرد، مش عارف المصيبة اللي مستنياه برة باب المستشفى.
قلتله ببرود قاتل، وعيني في عينه:
“عارف يا مصطفى.. أنا مش هطلق منك دلوقتي. ومش هعمل شوشرة هنا. بس أول ما أخرج من المستشفى دي، هاخد حاجتي وحاجة بنتي، وهروح على بيت أبويا.. وهناك هتشوف المحضر اللي هيتعمل.”
مصطفى وشه اتقلب، وقال بزهول: “محضر؟ محضر إيه يا مي؟ أنتِ عاوزة تسجني جوزك وأبو بنتك؟! عشان قلم وزقة؟ مفيش محاكم هتاخد بكلامك، وهيقولوا خلافات زوجية!”
هنا بقى حان وقت القنبلة التانية.
طلعت تليفوني اللي الممرضة كانت حطاه في درج الكومودينو جنب السرير بعد ما فقت. التليفون كان شغال وفيه شحن بسيط. فتحت الأبليكيشن بتاع الأمان، ودخلت على تسجيلات ليلة الحادثة.
الأوضة كلها سكتت.. ومبقاش مسموع غير صوت جهاز القلب، وصوت الموبايل وهو بيشتغل.
طلع صوت الحاجة فادية وهو طالع من السماعة، واضح وعلاني:
*(صوت تكسير الكريستال.. وبعدين صوت شهقة وتمثيل)*: “الحقني يا مصطفى! زقتني وكانت هتموتني عشان بقولها متجرنيش في الكلام!”
*(صوت خطوات مصطفى السريعة وهو بينزل)*: “أنتِ مديتي إيدك على أمي؟!”
*(صوت مي وهي بتعيط)*: “والله العظيم ما لمستها—”
*(صوت القلم الأول.. وصوت صرختي)*
*(وصوت فادية وهي بتزعق بغل)*: “اضربها.. دي ست متستاهلش الرحمة! أشكالها دي عاوزة الكسر! اضربها!”
*(وبعدين صوت الرازعة الرهيبة بتاعة راسي في رخام المطبخ، وصوت جسمي وهو بيقع في الأرض.. وبعدها صمت، وصوت فادية وهي بتقول ببرود: ‘يا نهار إسود.. دي شكلها ماتت، تعال شيلها قوام وقول في المستشفى إنها اتزحلقت وهي بتمسح المطبخ!’)*
التسجيل قفل.
الأوضة اتتحولت لثلاجة.. مصطفى كان واقف باصص لأمه بذهول وعينيه مبرقة، وكأنه أول مرة يكتشف الوش الحقيقي للحية اللي عايشة معاه. الصدمة شلت لسانه، وبص لفادية وقال بصوت واطي ومرعوب:
“أنتِ.. أنتِ اللي كسرتي الفازة؟ أنتِ اللي قلتيل اضربها؟ وأنا زي الأعمى مشيت وراكي وكان زماني قاتل مراتي وبنتي؟!”
فادية بدأت تتلعثم، وتحاول تدافع عن نفسها:
“يا مصطفى يا ابني.. دي بتتبلى عليا.. التسجيل ده فوتوشوب وموجّه! هي اللي رتبت لكل ده عشان تخرب البيت!”
“فوتوشوب في الصوت يا حاجة فادية؟!” صرخت فيها وأنا دموعي بتنزل من القهر. “النيابة العامة وطب الشرعي هما اللي هيقولوا فوتوشوب ولا لأ! التسجيل ده، مع التقرير الطبي اللي الدكتور كتبه عن حالتي والكدمات اللي في جسمي ونزيف المشيمة.. كفيل يوديكي أنتِ وابنك ورا الشمس. جناية شروع في قتل، وتزوير شهادة، وبلاغ كاذب!”
مصطفى انهار تماماً، وقع على ركبه جنب السرير وبدأ يعيط بانهيار، ويمسك رجلي:
“مي.. أنا أسف.. أنا حمار وكلب وغبي.. اضربيني، اعملي فيا اللي أنتِ عايزاه، بس بلاش حبس.. بلاش تفضحينا وتضيعي مستقبلي.. بنتنا ملهاش ذنب تتربى وأبوها في السجن!”
بصيت له بقرف، الراجل اللي كنت شيفاه سندي وضهري، بقى مجرد جثة هامدة من الخوف على مصلحته وبس. مفيش في قلبه ذرة حب حقيقية ليا، كل همه منظره ومستقبله.
“بنتنا؟” قلتها بسخرية مريرة. “بنتنا دي أنت كنت هتموتها بإيدك عشان خاطر ست كدابة ومؤذية. بنتي ميتشرفهاش يكون ليها أب زيك. اخرج برة يا مصطفى.. اخرج برة أنت وأمك، ومش عاوزه أشوف وشكم هنا لحد ما أخرج برخصتي.. وإلا هطلب أمن المستشفى يرميكم برة ويبلغ النيابة فورا وأنا على السرير ده!”
فادية شافت إن المركب بتغرق، لفت وشها وبصت لابنها وقالتله بغل:
“تعال معايا يا مصطفى.. سيبك منها، دي واحدة فاجرة وعاوزة تخرب بيتها بإيدها.. بكره اللحم يرمم وتدور عليك!”
“امشي أنتِ يا أمي!” مصطفى زعق في أمه لأول مرة في حياته، صوته كان كله غضب وندم متأخر. “امشي سيبيني! أنتِ خربتي بيتي وضيعتي مراتي وبنتي مني! امشي مش عايز أشوف وشك!”
فادية بصتله بصدمة، وخرجت تجري من الأوضة وهي بتتحسبن وتلطم، والدهب في إيدها بيرن رنة الخيبة.
أما مصطفى، ففضل قاعد في الأرض يعيط ويترجاني، بس أنا قفلت عيني ولفيت وشي الناحية التانية. قلبي اللي كان كله حب ليه، اتقلب وبقى زي الحجر. الوجع اللي في دماغي وجسمي كان بيهون قدام فكرة واحدة بس:
إني مش هسيب حقي.. والمرة دي، اللعب ه
يبقى على المكشوف، والحساب هيكون عسير قوي!

