تنضفات العيد1

اماني السيد

اتصلت على ابنى قولتله مش معايا فلوس اجيب واحده تنضفلى الشقه والشقه متبهدله عايزاك تبعتلى مراتك تنضفلى الشقه وتغسلى السجاجيد

رد عليا وقالي: “يا أمي، عينيا ليكي والله، بس إنتي عارفة إن مراتي لسه راجعة من الشغل وتعبانة، وشغل البيت كمان هيدوس عليها جامد، وخصوصاً غسيل السجاجيد ده مجهود كبير.. ممكن تبعتى لحد من اخواتى يساعدوكى وهى لما تخلص الشقه هنا تيجى تساعدنى

أنا أول ما سمعت الكلام ده، دمي غلي في عروقي وحسيت بغصة في قلبي. قولت في بالي: “بقى ده اللي كبرته وسهرت عليه؟ بيقدم راحة مراته على راحتي أنا أمه؟”

روحت رادة عليه بنبرة كلها زعل وعتاب: “بقى كدة يا ابن بطني؟ مستخسر فيا مساعدة مراتك؟ أنا اللي شيلتك وتعبت فيك، دلوقتي لما كبرت ومبقاش معايا صحة ولا فلوس تجيب حد يساعدني، تكسر بخاطري كدة؟ ماشي يا بني، كتر خيرك، سيبني في غلبتي مع الشقة المتبهدلة، والله غني عنكم وعن مساعدتكم.”

روحت مكملة كلامي قبل ما يديني فرصة يقاطعني، وقولتله بقهر: “أبعت لمين من إخواتك يا فالح؟ إخواتك اللي كل واحد فيهم غرقان لشوشته؟ كلهم بيخلصوا شقههم وبيجهزوا شنكهم عشان هيسافروا في العيد.. كلهم مش فاضيين ومطحونين في دنيتهم! إنما مراتك المصونة إيه المشكلة يعني لما تيجي بعد ما تخلص شغلها؟ الشغل مش هيهرب، إيه يعني لما تيجي وتضغط على نفسها شوية عشان خاطر حماتها اللي زي أمها؟”

واسترسلت في الكلام وأنا بحاول أهدي نبرة صوتي بس لسه فيها لوم: “وبعدين أنا مش جايباها سخرة يا حبيبي.. دي هتيجي بيت حماتها، وبالمرة وهي بتنضف تعملنا لقمة حلوة كدة نتغدى بيها سوا، ونقعد كلنا مع بعض ونلم الشمل.. هو أنا غريبة عنها ولا ده بيت غريب؟ ده بيت جوزها وأم جوزها! ولا هي خلاص بقيتوا تشوفوا طلباتي تقيلة وعايزين تتهربوا مني بأي حجة؟”

روحت نازلة عليه بالكلمة اللي توجع، وقولتله بنبرة كلها تهكم: “ولا هي المحروسة ممشياك على مزاجها يا ابن بطني؟ ومبقتش قادر تطلب منها حاجة ولا تكسر لها كلمة عشان بتشتغل وبتسند معاك في المصاريف؟”

كملت وأنا بسخن الكلام أكتر: “جرى إيه يا ابن قلبي؟ من إمتى والراجل بيكش من مراته ومبيقدرش يمشي كلمته عليها عشان قرشين بتجيبهم؟ ده أنا اللي مربياك وعارفاك طول عمرك صاحب كلمة، تيجى لحد عندي وتعملي فيها حنين وخايف على تعبها؟ قولي صراحة كدة إنك بتخاف من زعلها ومتقدرش تفتح بقك معاها، بدل ما تتحججلي بإخواتك وسفر العيد! الراجل راجل في بيته يا بني، والست الأصيلة تشيل أهل جوزها في رمش عينيها، مش تقعد في بيتها وتتمنع عن مساعدة أمه!”

سكتت وأنا بنهج من العصبية، مستنية الكلمة تقع في جنابه وتخليه يحس إنه صغر في نظر أمه..

خلاص يا أمي.. وحياة دموعك وغلاوتك عندي بلاش تدعي عليا، أنا مقدرش على غضبك ولا زعلك.. حاضر، هبعتهالك تنضفلك الشقة وتعملك كل اللي إنتي عايزاه، متزعليش نفسك واهدي.”

أنا أول ما سمعت كلمته دي، نار قلبي هديت شوية وحسيت إني انتصرت، وقولتله بنبرة لسه ناشفة: “هو ده العشم يا بني، وده اللي أنا مستنياه منك.. هستناها تيجي.” وقفلنا الخط.

بعدها مكدبتش خير واستنيت مراتى تيجى من الشغل وطلبت منها تروح لامى تنضفلها الشقه وتغسلها السجاجيد

أحمد قفل التليفون وهو حاطط إيده على دماغه، مخنوق والدنيا لفت بيه.. كلام أمه وتلقيحها عليه إنه “مش راجل في بيته” كان لسه بيرن في ودنه وبيأكل في كرامته.

دخل الصالة لقى مراته لسه راجعة من شغلها، قالعة جزمتها وبتفرك في رجليها من التعب، وبتلم شعرها لورا وبتقوله بتعب: “حمد الله على السلامة يا حبيبي.. هغير هدومي بسرعة وأقوم أشوف هعمل لقمة إيه ناكلها، أنا ميتة من الفرهدة النهاردة في الشغل.”

أحمد وقف قدامها، ملامح وشه جامدة ومشدودة، وبلع ريقه وصوته طلع ناشف على غير عادته وقالها: “سيبك من الأكل هنا دلوقتي يا رانيا.. إنتي هتغيري هدومك وتنـزلي تروحي لأمي.”

رانيا بصلته باستغراب وعدلت قعدتها: “أروح لماما دلوقتي؟ ليه في حاجة تعباها ولا مالها؟”

أحمد بصلها وربع إيده وقال بنبرة فيها أمر وعناد عشان يداري كسرة نفسه: “لا مش تعبانة.. الشقة عندها متبهدلة وعايزاكي تنضفيهالها من الإبرة للصاروخ، وتغسلي السجاجيد عشان العيد، وبالمرة تعمليلنا لقمة نتغدى بيها كلنا هناك!”

رانيا لفت وشها ليه وصدمة مالت عينيها، وقامت وقفت وقالتله بصوت مش مصدق: “إنت بتتكلم جد يا أحمد؟! غسيل سجاجيد وتنضيف شقة كاملة دلوقتي؟ وأنا راجعة مش شايلاني من التعب؟!”

بص لها أحمد، وحاول يبلع ريقه وينزل من حدة نبرته عشان يهدي الأمور، وقرب منها وقال بصوت فيه محايلة: “رانيا، افهميني بس، أمي تعبانة ومافيش حد غيرنا، وأنا بجد مش قادر أسمع صوتها وهي بتعيط في التليفون.. خدي بكرة إجازة من الشغل، وروحي لها.. والله ما هنسى لك الوقفة دي أبداً، هي محتاجة حد معاها دلوقتي.”

رانيا بصت له وعينيها مليانة استفهام ووجع، وقالت له بصوت مرتعش: “أحمد، أنت عارف إني بقالي شهر مضغوطة في الشغل ومحتاجة يوم الإجازة ده عشان أرتاح، وبعدين فين إخواتك؟ ليه هما دايماً بره الصورة؟ هما مش ولادها برضه؟ ولا هي جت عليا أنا بس؟”

أحمد اتنهد تنهيدة طويلة، وبص في الأرض عشان يتفادى نظراتها اللي بتكشف حيرته، وقال لها بصوت واطي ومكسور: “إخواتي… إخواتي مشغولين يا رانيا، كل واحد فيهم لاهي في بيته وتجهيزات سفره للعيد، ومحدش فاضي يشيل الهم ده.. ما تضغطيش عليا أكتر من كدة، أرجوكي، الموضوع مش مستاهل، كلمة وهتقوليها وخلاص.”

رانيا سكتت تماماً، ملامح وشها اتغيرت من الاستغراب للذهول.. حست إنها لوحدها في مواجهة مش بس حماتها، لكن كمان جوزها اللي بدأ يتخلى عن إنصافها عشان يرضي أمه بأي تمن.

رانيا ضحكت ضحكة كلها مرار، وهزت راسها مش مصدقة وقالتله: “لاهيين في بيوتهم وتجهيزات سفرهم؟ يعني إخواتك ولاد بطنها لاهيين في الفسح والخروج، وأنا الغريبة اللي المفروض أنزل أتهد في غسيل السجاجيد والترويق في يوم إجازتي الوحيد اللي بنام فيه؟”

أحمد ملامحه اتشدت تاني وحس إن كلامها بيحشره في الزاوية، فقال بزعل وعصبية مكتومة: “جرى إيه يا رانيا؟ قولتلك أمي بتبكي، وأنا مش هبقى ابن عاق عشان يوم إجازة! اعتبريها ستي يا ستي، اعتبري نفسك بتعملي ثواب.. هي الكلمة هتمشي بكرة وخلاص، هتقطعي عيشك يعني لو خدتي إجازة عارضة بكرة؟”

رانيا بصت له وكأنها بتكتشف شخص تاني واقف قدامها، وقالت بنبرة حاسمة وصوت هادي بس قوي: “أنا مش هقطع عيشي يا أحمد، بس هقطع كرامتي وصحتي.. أنا بحترم مامتك وبحبها، وبشيلها في عيني لما تكون تعبانة ومريضة، لكن تطلبني أروح أعمل شغل البيت وغسيل سجاجيد كأني شغالة جايباها بفلوسها عشان ولادها التانيين يسافروا ويتفسحوا؟ لأ يا أحمد، أنا مش هروح، ومش هقبل تيجوا عليا بالطريقة دي لمجرد إنك مش قادر تقف قدام مامتك وتفهمها الأصول!”كامله على صفحتى قصص وروايات أمانى سيد

أحمد الكلمة لمست العصب العاري عنده، وافتكر كلام أمه وهي بتقوله “ممشياك على مزاجها ومتقدرش تفتح بقك معاها”، الدم غلي في عروقه وزعق وهو بيشاور بإيده: “لأ هتروحي يا رانيا! ورجلك فوق رقبتك كمان! أنا قولت كلمة ووعت أومي بيها، ومش هصغر قدامها وأبان إني مش راجل في بيتي ومبمشيش كلمتي عليكي.. بكرة هتصحي من النجمة، وتاخدي إجازتك، وتروحيلها.. وإلا هيبقالي معاكي تصرف تاني خالص!”

رانيا اتصدمت من أسلوبه وزعيقه اللي عمره ما عمله معاها، ودموعها نزلت من الصدمة، وبصتله وقالت: “بقى كدة يا أحمد؟ بتبيعني وبتيجي على كرامتي وتزعقلي عشان تثبت لأمك إنك راجل

قفلت الباب وراها ودخلت الأوضة، وقعدت على السرير وهي بتعيط من قهرتها.. بس فجأة، مسحت دموعها بسرعة وملامح وشها اتحولت من الكسرة للتفكير والهدوء المخيف.. كأنها لقت الفكرة اللي هترجع لها حقها من غير ما تخسر جوزها أو تبان هي اللي غلطانة.

أحمد كان واقف بره في الصالة، رايح جاي وعصبيته بتاكله، لسه هيقرب من باب الأوضة عشان يخبط ويخرب الدنيا أكتر، لقى الباب بيتفتح ورانيا خارجة وهي هادية تماماً، مفيش في عينيها غير نظرة ثبات غريبة.

بصت له وقالت بنبرة هادية ومستسلمة: “خلاص يا أحمد..

أنا فكرت في كلامك ولقيت إنك عندك حق.. زعلك بالدنيا، وأنا مش هكون السبب في إنك تخسر مامتك أو تعقها.. أنا بكرة الصبح هاخد إجازة وهكون عندها من النجمة، وهعمل لها كل اللي هي عايزاه وزيادة كمان.. متزعلش مني.”

أحمد أول ما سمع كلامها، حس براحة رهيبة والضغط اللي على كتافه انزاح، واتنهد وقال بنبرة ممتنة: “ربنا يخليكي ليا يا رانيا.. أنا عارف إنك أصيلة وبنت ناس، والله ما هنسالك الجميلة دي، وهعوضك عنها.”

رانيا ابتسمت له ابتسامة باهتة وقالت له: “مفيش جمايل بيننا يا حبيبي، ده بيت حماتي برضه.. ادخل أنت ارتاح بقى عقبال ما أجهز حاجتي.”

دخل أحمد الأوضة وهو فرحان إنه فرض كلمته، لكن رانيا أول ما قفلت باب المطبخ عليها، طلعت موبايلها والابتسامة الباهتة دي اتحولت لضحكة ثقة.. فتحت الموبايل، وبدأت تنفذ خطتها في السر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *