عوده الابن حكايات علي ابو الدهب
بعد 18 شهر غربة برة البلد، رجعت بيتي في ليلة شتا تلج والمطر مغرق الدنيا، لقيت مراتي هتموت من الساقعة وقاعدة على عتبة البيت وضانة بنتنا الصغيرة في حضنها. همستلي وهي بتترعش: “أهلك رمونا في الشارع”. ساعتها بس فهمت إنهم مخرابوش بيتي وسرقوا فلوسي بس.. دول سرقوا مني عيلتي كمان.
“مراتك وبنتك ملناش دعوة بيهم ومبقوش من بقيت أهلنا”، ده اللي قالته أمي وهي واقفة ورا الشباك، وماسكة في إيدها كاس، في الوقت اللي كان المطر والبرد بياكل في جسم “ولاء” برة.
“مصطفى سرحان” كان راسم رجوعه للبلد بشكل تاني خالص.
18 شهر كاملين كان في مأمورية عسكرية صعبة برة مصر، بعيد عن المنصورة، وبعيد عن فيلته في “التجمع الخامس”، بعيد عن ضحكة مراته وريحة بنته الطفلة اللي لسة مستحمية. استقوى على ليالي ضرب النار، والطرق الملغومة، والمكالمات اللي كانت بتقطع بسبب عواصف الرمل. كان بيستحمل كل ده وهو بيصبر نفسه بكلمتين: “أول ما هأرجع، ولاء هتفتحلي الباب وهي شايلة نور في حضنها”.
بس الفجرية دي في عز طوبة.. مكنش فيه أحضان.
صدمة على عتبة البيت
طيارة الجيش اتأخرت بسبب عاصفة تسببت في شلل نص البلد. ومن مطار القاهرة أخد عربية نص نقل استلفها لحد المنصورة، وبعدين مشى شوية على رجليه لأن مدخل الكومبوند كان واقف تماماً بسبب الشجر اللي وقع والتلج والمطر. كان شايل بيادته والشنطة الميري على ضهره، وجزمته كلها طين، وقلبه بيدق زي عيل مراهق.
أول ما طلع سلم المدخل الرئيسي، شاف أول حاجة شنطتين هدوم مرميين في الطين والمطر.
وبعدين شاف “ولاء”.
كانت كشـة في نفسها ورا عمود المدخل، شفايفها زرقا من الساقعة، وشعرها ملزوق على وشها، وإيديها ضامة “نور” في صدرها جامد ومغطياها بجاكيت خفيف
— “ولاء!”
مصطفى رمى الشنطة من إيده ونزل على ركبه في الأرض. شد الجوانتي من إيدها بسنانه، وفضل يلمس رقبتها ووشها وصوابعها. البت الصغيرة صرخت صرخة ضعيفة مفيهاش حيل.
— “حبيبتي، بصيلي.. أنا مصطفى، جيت خلاص.”
ولاء فتحت عينيها بالعافية:
— “مصطفى…”
قلع جاكيت البدلة الميري وبسرعة لف بيه البنت.
— “إيه اللي حصل؟ مين اللي رماكم هنا؟”
ولاء حاولت تتكلم وشفايفها بتترعش من الرعب والبرد:
— “أبوك وأمك.. قالوا مبقاش لينا مكان هنا. غيروا كوالين الأبواب.. وأبوك قال إن الفيلا بقت بتاعته.”
مصطفى حس إن فيه دم تجمد في عروقه.. جبل تلج اتكون جواه.
الباب الرئيسي اتفتح.
جوة، تحت نجفة الكريستال الكبيرة، ظهرت “الحاجة رقية”، أمه، لابسة روب ستان نبيتي غالي. ووراها كان واقف “الحاج رضوان”، أبوه، في إيده كاس الويسكي وعلي وشة ابتسامة باردة وزهقانة، كأنه كان في سهرة ملوكي وحد ضايقه.
“يا محاسن الصدف”، رضوان قالها بتهكم: “الباشا العسكري رجع بالسلامة أهو.”
مصطفى شال ولاء براحة بين إيديه، والبنت “نور” بتعيط في صدره. الغل والدموع حبسوا أنفاسه، بس في الجيش اتعلم درس مهم: “اللي يجعجع الأول.. يخسر الأول”.
رقية رفعت مناخيرها في السماء وقالت:
“المقــصوفة دي كانت بتسخنك علينا. ضيعت فلوسك كلها، وممشيتش على قوانين البيت ده، وكانت عايزة تسرق ورق الشركة.”
ولاء، وهي شبه غايبة عن الوعي، همست
“أنتوا اللي صفرتوا الحسابات في البنك…”
رضوان ضحك ضحكة صفرا
“حسابات إيه يا روح أمك؟ كل اللي حيلتكم من خير العيلة دي.”
مصطفى أخد خطوة لجوة البيت، أبوه وقف في وشه عشان يمنعه.
هي نظرة واحدة بس من عين مصطفى.. تودي ورا الشمس.
رضوان خاف ورجع خطوة لورا.
مصطفى دخل الصالة وهو شايل مراته، وكان بيبهدل بنعل جزمته المليان طين ومطر أرضية الرخام الإيطالي اللي أمه كانت بتقعد تتمنظر بيه قدام صحابها في العزومات.
“رميتوا دنيتي كلها في الشارع وفي البرد”، مصطفى قالها بصوت واطي وناشف: “وحق جلالة الله لأرجع كل قرش، وكل مفتاح، سرقتوه مننا.”
رضوان ابتسم باحتقار:
“أنت حتة ظابط عايش على مرتب الحكومة.. متعملش فيها سبع الرجال قدام ناس بجرّة قلم ومكالمة تليفون يمحوك من الدنيا.”
وده كان أول غلطة يقع فيها أبوه.
مصطفى طلع على الأوضة الكبيرة، نيم ولاء على السرير وكشف على البنت “نور”. البنت إيديها كانت زي التلج بس بتتنفس. طلب الإسعاف فوراً. وعلى ما يجوا، كان بيسخن فوط، ويحط بطاطين، وبيقيس نبض مراته، ومخلاش أبوه ولا أمه يقربوا خطوة واحدة منهم.
“أنت بتكبر الموضوع على فكرة”، رقية قالتها وهي واقفة على باب الأوضة: “دي مقعدتش برة غير كام دقيقة.”
“الدكتور هو اللي هيقول الكام دقيقة دول كفاية يموتوا عيلة ولا لأ”، مصطفى رد عليها من غير ما يبص لها.
عربية الإسعاف وصلت بعد 12 دقيقة. دكاترة الطوارئ أكدوا إن عندها هبوط حاد في الدورة الدموية وتجمد. ولاء بالعافية عرفت تنطق وتقول إنها بقالها ساعتين مركونة في البرد. رقية حطت إيدها على بوقها، مش عشان صعبان عليها، لأ.. عشان لقت الجيران برة واقفين يتفرجوا وفاضحينهم في الكومبوند.
“يا دي الفضيحة.. سيرتنا هتبقى على كل لسان في المنطقة.”
مصطفى متنطقش.
أول ما الإسعاف مشيت، رضوان مد إيده وقال:
“هات بقى مفاتيح البيت دي.. وبكرة نتكلم كلام رجالة وعقل، من غير شغل العيال ده.”
مصطفى جاب شنطته المبلولة من على الأرض وفتحها. ومن تحت البطانة الداخلية، طلع ملف بلاستيك مقفول بلزق أسود عريض ضد المياة.
جوة الملف ده كان فيه: كشوف حسابات بنكية، عقود بيع وشراء، صور توكيلات رسمية، سكرين شوتس من إيميلات، وتفريغ لمكالمات متسجلة، وتقرير تحريات عسكرية محترم.
طول الـ 6 شهور اللي فاتوا، وأهله فاكرينه مقطوع في آخر الدنيا ومش دريان بحاجة، مصطفى كان عينه على كل مليم بيتحول.
الفيلا دي أصلاً مش باسم رضوان.
ولا الشركة كمان بتاعته.
وقبل ما شمس النهار ده تطلع، أبوه وأمه هيعرفوا إن ابنهم “العسكري” اللي كانوا بيستهونوا بيه، مرجعش بشنطة هدوم وبس.. ده راجع بخراب مستعجل عليهم.
بس وهو بيفتح الملف.. لقى ظرف جديد جواه مكنش هو اللي حاطه!
#حكايات_علي_ابوالدهب
كان مكتوب عليه من برة: “الدليل القاطع ضد ولاء”.
وجوة الظرف.. كانت فيه كدبة متفصلة بالمسطرة، كدبة تـهـد مراته وتدمرها قبل ما يلحق حتى ينقذ عيلته!
سبيكة ذهب عيار 24 من بي تي سي BTC
جنيه ذهب عيار 21 من بي تي سي BTC
ثوانٍ مرت على مصطفى وكأنها دهر كامل. عينيه كانت متحجرة على الجملة المكتوبة بخط يد معروف؛ خط يد أخوه الصغير “إيهاب”.
كيف وصل هذا الظرف إلى داخل حقيبته العسكرية المغلقة بلصق مخصص للمهمات الصعبة؟ الإجابة نزلت عليه كالصاعقة: إيهاب هو الوحيد الذي استقبله في مطار القاهرة قبل أن يستعير مصطفى السيارة النصف نقل، وهو الوحيد الذي ح حمل عنه الشنطة لعدة دقائق بحجة مساعدته. لم يكن إيهاب يرحب بأخيه، بل كان يزرع القنبلة الموقوتة التي ستفجر بيته.
فتح مصطفى الظرف بقرصات أصابعه المرتجفة، لتسقط منه مجموعة من الصور وعقد رسمي.
كانت الصور لـ “ولاء” وهي تجلس في مطعم فاخر مع شخص غريب، يبتسم لها وتمتد يده لتمسك يدها. ومع الصور، ورقة تنازل مزورة مسبوقة بتوكيل عام رسمي يفيد بأن ولاء باعت نصيب مصطفى في الشركة لهذا الشخص الغريب!
ضحكة الحاج رضوان الرنانة قطعت صمت الصالة:
> “إيه؟ شكل الصدمة لجمتك يا سيادة الرائد؟ فاكرنا بنظلم الست هانم بتاعتك؟ الست كانت مقضياها خروج وفسح مع اللي يسوى واللي ميسواش، وباعت شقا عمرك كله ورمت نفسها في حضن عشيقها، ولما واجهناها.. طردناها برة البيت!”
>
الحاجة رقية هزت رأسها بمسكنة مصطنعة وهي ترتشف من كاسها:
“أنا قولتلك من الأول يا مصطفى، بنات الأقاليم دول لما بيشوفوا الفلوس والنعمة بيعضوا الإيد اللي اتمدت لهم. إحنا خبينا عليك عشان مالمش حبل أفكارك وأنت في مأموريتك.. بس أهو، كشفناها على حقيقتها.”
## الهدوء الذي يسبق العاصفة
مصطفى لم ينطق بحرف واحد. نظر إلى الصور بتمعن.. دقق في التاريخ المطبوع أسفل الكاميرا، ودقق في زاوية الإضاءة، ثم نظر إلى التوكيل المزور. في عمله العسكري، تعلم كيف يقرأ التفاصيل التي تفوت على المدنيين.
التاريخ المكتوب على الصور كان في يوم “14 أكتوبر”، وهو نفس اليوم الذي كانت فيه ولاء تجري عملية استئصال الزائدة الدودية في المستشفى العسكري بناءً على طلب رسمي قدمه مصطفى بنفسه من مقر خدمته! أما الشخص الذي في الصورة، فكان مجرد “فوتوشوب” محترف تم دمج جسده مع صورة قديمة لولاء في خطوبة أختها.
رفع مصطفى عينه ببطء، وكان السواد يملأ حدقتاه ببرود مرعب. وضع الظرف في جيبه، وأخرج الأوراق الأصلية التي تخصه هو.
“خلصتوا تمثيل؟” مصطفى قالها بصوت هادئ هز أركان الصالة الإيطالية.
رضوان تراجع غريزياً خطوة للخلف: “تمثيل إيه يا ولد؟ أنت حتعلي صوتك علينا عشان حتة حُرمة؟”
مصطفى خطى خطوة واسعة، رمى الملف البلاستيكي على الطاولة الزجاجية لتحدث صوتاً حاداً:
“الملف ده.. فيه تقرير من الإدارة العامة لمكافحة جرائم الأموال العامة. الفيلا دي يا حاج رضوان، مش باسمك من 7 شهور.. الفيلا دي متباعة ليا بعقد مسجل وموثق، بفلوسي اللي كنت بتحولها من برة على حسابي الخاص، مش الحساب المشترك اللي أنتوا صفرتوه.”
ملامح رقية تشنجت: “أنت بتقول إيه؟ دي فيلتنا!”
مصطفى تابع وكأنه يلقي حكماً بالإعدام:
“والشركة اللي فاكر نفسك رئيس مجلس إدارتها، الحجز الإداري نزل عليها من أسبوع بسبب قضايا التهرب الضريبي اللي أنت لبستها للشركة عشان تسرق الكاش. أنا اللي بلغت عن التلاعب ده من برة.. وأنا اللي عينت حارس قضائي عليها. يعني ببساطة.. أنتوا هنا ضيوف في بيتي، وبتاكلوا من خيري اللي فاكرين إنكم سرقتوه.”
## المواجهة الأخيرة
في تلك اللحظة، انفتح الباب الخارجي ودخل “إيهاب” الأخ الأصغر، وهو يلهث وملابسه مبتلة بالمطر، وعلى وجهه علامات النصر: “أنا جيت يا بابا.. مصطفى فتح الظرف ولا لسة؟”
توقفت الكلمات في حلق إيهاب عندما رأى أخاه الأكبر واقفاً كالمارد، وعيناه تشع غضباً.
مصطفى لم يعطه فرصة للكلام. بلمحة عين، قبض على ياقة قميص إيهاب وجره بقوة ليلقيه تحت أقدام والده:
“الظرف اللي أنت حطيته في الشنطة يا إيهاب.. التزوير اللي فيه غبي زي صاحبه. صور فوتوشوب في يوم كانت مراتي فيه بين إيدين ربنا في المستشفى؟ وتوكيل مزور بختم مصلحة مقفولة بقالها سنة؟”
التفت مصطفى إلى والده ووالدته وقال بنبرة حاسمة كطلقة رصاص:
> “قدامكم بالضبط لحد الساعة 7 الصبح.. الشمس تطلع، وتكونوا لميتوا كل هدومكم وحاجتكم من هنا. الفيلّا دي مش هيدخلها حد غير مراتي وبنتي. وبخصوص الفلوس اللي اتسحبت من الحساب المشترك.. المحضر جاهز، وقسم الشرطة مستني إشارة مني عشان يتحرك بتهمة خيانة الأمانة والتزوير.”
>
رضوان صرخ بصوت متحشرج: “أنت بتطرد أبوك وأمك عشان خاطر واحدة غريبة؟ بتبيع أهلك يا مصطفى؟”
مصطفى التقط الشنطة الميري المبللة، ونظر إليهم للمرة الأخيرة قبل أن يتجه نحو الباب ليلحق بزوجته في المستشفى:
“أنا مبعتش أهلي.. أهلي هما اللي ماتوا في نظري لما شفت مراتي وبنتي بيموتوا من الساقعة على العتبة وأنتوا بتشربوا ويسكي جوة. من النهاردة.. مصطفى سرحان مبقاش ليه غير ولاء ونور.. وأنتم مجرد ذكريات سيئة هقفل عليها الباب.”
خرج مصطفى في ليلة الشتاء العاصفة، يركض نحو المستشفى، تاركاً خلفه بيتاً انهار بأكمله على رؤوس من ظنوا أنهم ملوك الخديعة.