جبروت جوزي حكايات علي ابو الدهب 1
جوزي دلق عليا فنجان القهوة المغلية في وشي وإحنا بنفطر. وكل ده عشان رفضت إني أدّي كارت الفيزا بتاعي لأخته. 😡 الماج اتكسر على خدي قبل حتى ما ألحق أرفع إيدي أحمي نفسي. القهوة حرقت جلدي، ورقبتي، وكرامتي. وحماتي فضلت تفرد المربى على العيش وكأن مفيش أي حاجة حصلت!
قالت ببرود: “بلاش أوورة يا مريم.”
كنت واقفة في المطبخ بترعش، والبلوزة لازقة على صدري، وعيني اليمين بتاكلني من الحرق. طارق، جوزي، كان نفسه عالي وواقف ورا الترابيزة بينهج من الغل. وأخته، بسمة، كانت قفشة في شنطة إيدي كأنها خلاص بقت بتاعتها.
برطمت وقالت: “ده كان مجرد سلف.. مش لدرجادي يعني هتموتي من الفقر!”
بصيت لها.. البنت لسه عاملة ضوافرها، ومركبة رموش جديدة، ومعاها موبايل أغلى من موبايلي بكتير. بس دايماً محتاجة “مساعدة بسيطة”. دايماً بتعيط. دايماً تقول إن الدنيا جاية عليها. وطارق دايماً بيبصلي كأني اتخلقت في الدنيا دي عشان أدفع تمن فزلكتها ومصاريفها.
قلت بصوت مكسور: “الكارت ده باسمي أنا، ومش هديهولها.”
وهنا حصل اللي حصل.. طارق مسك الماج وحدفه في وشي. من غير ما يفكر. من غير ما يتردد ثانية واحدة. قدام أمه. قدام بسمة. وقدام ابني اللي عنده أربع سنين، واللي رمى حتة القرصة من إيده وقعد يصرخ.
مالك صرخ: “ماما!”
الصرخة دي وجعتني أكتر من الحرق بكتير. جريت على الحمام، فتحت الحنفية، وحطيت وشي تحت المية الساقعة. المية كانت بتشوط في وشي كأنهم حاطين نار قايدة على جلدي. ومن المراية، شفت طارق واقف على الباب. مجاش يعتذر.. جه يهددني.
”شايفة النكد والعناد بتوعك بيوصلونا لإيه؟”
فضلت ثابتة والمية بتنزل من على دقني وقلت له: “أنا اللي وصلتنا؟”
رد بحدة: “أختي عندها مصيبة ومزنوقة!”
قلت له: “أختك عليها ديون!”
أخته ظهرت من وراه وقالت: “إنتي لئيمة قوي يا مريم، مش عارفة على إيه! عشان كده مفيش حد في العيلة دي بيطيقك.”
ضحكت.. ضحكة صغيرة وصوتها وحش ومن غير أي فرحة. لاني فهمت حقيقة مرعبة: الناس دول في البيت ده مش شايفيني زوجة.. دول شايفيني مكنة ATM لابسة مريلة مطبخ!
أنا اللي بدفع الإيجار.
أنا اللي بدفع مصاريف مدرسة مالك.
أنا اللي بجيب خزين البيت.
أنا اللي دفعت تمن عملية أمه.
أنا اللي سلفته فلوس عشان مشروع بسمة الوهمي اللي ملوش وجود.
ومع كل ده.. أنا اللي شريرة في الآخر!
حماتي قربت مني براحة وقالت: “إديها الكارت والموضوع يخلص.”
قفلت الحنفية، ورفعت وشي المحروق وقلت: “لأ.”
طارق جز على سنانه وقفل قبضة إيده: “متتحدينيش يا مريم.”
“إنت خلاص حرقت وشي، هتعمل إيه تاني يعني؟”
سكوت غريب نزل على المكان. مالك كان لسه بيعيط في المطبخ. العياط ده فوقني. زقيتهم هما الاتنين، وأخدت ابني في حضني وقفشت في شنطتي. بسمة حاولت تشدها مني بس زقيتها بكتفي بعيد.
طارق قال: “الشنطة دي مش هتطلع من البيت.”
لفيت وبصيت له: “طب اطلب البوليس.”
وشه اتغير في ثانية.. ثانية واحدة بس، بس أنا لقطتها. شفت الخوف في عينيه. مكنش خايف عليا.. كان خايف من حاجة تانية مش عايز البوليس يكتشفها.
هروب بلا خجل
خرجت ومالك على إيدي، خدي ورم وقلبي بيدق زي طبول الجنازة. في الشارع، الجارة اللي قدامنا كانت بتكنس قدام بيتها وبدأت تبطأ أول ما شافتني. عينيها اتملت شفقة بس مقالتش ولا كلمة. هو ده حال منطقتنا.. كله بيسمع، كله بيعرف، بس مفيش حد بيتدخل.
وصلت للصيدلية اللي على أول الشارع. البنت اللي واقفة برقت أول ما شافت وشي: “يا مدام، إنتي محتاجة دكتور فوراً عشان الحرق ده!”
“بيعيلي بس أي مرهم حروق.”
مالك حضن رجلي وقال: “هو بابا مبقاش يحبك يا ماما؟”
بلعت ريقي بصعوبة، ونزلت على ركبي بالعافية وقلت له: “يا حبيبي، ساعات الناس اللي بيقولوا إنهم بيحبونا بيأذونا.. بس ده مش معناه إننا لازم نفضل قاعدين معاهم.”
لمس إيدي وقال: “إحنا رايحين عند تيتة ليندا؟”
أمي كانت عايشة في محافظة تانية بعيد. مكنتش حكيت لها على أي حاجة؛ كنت حاسة بالذنب والكسوف. مكسوفة إني دافعت عن طارق كتير قوي. مكسوفة إني داريت علامات الضرب بكمام طويلة. مكسوفة لما كنت بقول “أصل أعصابه تعبت” وهو في الحقيقة كان بيلطشني في الحيطة.
بس الصبح ده، والقهوة المغلية معلمة على جلدي، الكسوف ده كله اتمحى. اتصلت بأمي، وردت من تاني رنة.
“مريم؟”
أول ما سمعت صوتها، كل حاجة جوايا انهارت وانفجرت في العياط: “ماما.. أنا لازم أمشي.”
مسألتنيش ليه. مأنبتنيش. كل اللي قالته: “أوضتك جاهزة يا بنتي.”
اللغز ينكشف
قفلت السكة وأنا بعيط. ولما فتحت أبليكيشن البنك عشان أوقف الكارت، لقيت تلات محاولات سحب مرفوضة! التلاتة اتعملوا في ظرف دقايق من خروجي من البيت. بسمة!
حاولت تشتري حاجة بـ 2,500 دولار. وبعدها محاولة تانية بـ 3,800 دولار. والمحاولة التالتة كان مكتوب فيها جهة السحب: “مستشفى سانت ريجينا التخصصي”.
دمي اتجمد في عروقي. دي مش محلات، ولا مركز تجميل، ولا سفرية.. دي مستشفى تخصصي خاص!
وفجأة افتكرت حاجة.. بسمة بقالها أسبوعين بترجع كل يوم الصبح. وحماتي كانت بتدلعها وتطبطب عليها بنبرة غريبة. وطارق كان بيقفل موبايله فوراً أول ما أدخل الأوضة!
أخدت سكرين شوت لكل حاجة. وأخدت مالك من إيده ورحت على المستشفى عشان يعالجوا الحرق. وأنا قاعدة مستنية، جاتلي رسالة من طارق:
“ارجعي حالاً وبلاش فضايح. بسمة محتاجة الكارت ده النهاردة وإلا كلنا هنضيع.”
”كلنا”.. مقالش “هي هتضيع”، قال “كلنا”!
وقبل ما أرد عليه، جاتلي رسالة تانية بس من رقم غريب مأعرفوش:
“يا مدام مريم، إنتي متعرفينيش. أنا شغال في مستشفى سانت ريجينا. لو كارت الفيزا بتاعك مربوط بـ بسمة كامل، متوافقيش على السحب. اللي بيحاولوا يدفعوا تمنه ده مش حالة طارئة ولا عملية… ده تحليل DNA سريع وعايزين يداروا بيه مين الأب الحقيقي للطفل
ارتجفت إيدي والموبايل بغى هيقع مني على أرض المستشفى. “تحليل DNA؟ وطفل؟” الكلمات كانت بتلف في دماغي زي الإعصار. بصيت لمالك اللي كان نام على الحجر من كتر التعب، ووشي اللي الممرضة كانت لسه مخلصة دهانه بمرهم الحروق وحاطة عليه شاش كان بينبض بالألم، بس ألم الحرق دلوقتي مبقاش يذكر جنب الصدمة اللي قريتها.
أنا مش بس كنت مكنة ATM.. أنا كنت الغطاء الـبِيَداروا بيه مصيبة تانية خالص!
رديت على الرقم الغريب بـإيد بترعش: “إنت مين؟ وإيه اللي بيحصل بالظبط؟”
جالي الرد بسرعة: “أنا فني المعمل هنا. طارق وبسمة جم من يومين مع واحد غريب، وحصلت خناقة كبيرة تحت في الاستقبال. الراجل ده غني جداً، وصاحب شركات، وعرف إن بسمة حامل.. بس شرط يكتب الطفل باسمه ويتجوزها إنه يعمل تحليل لإثبات النسب مستعجل، لأن عنده شكوك. طارق حاول يهدده، فالراجل قاله: ‘لو التحليل طلع مش ابني، هحبس أختك وهوديكم في داهية بتهمة النصب والابتزاز’. طارق وبسمة مرعوبين لأنهم عارفين الحقيقة، وعايزين يدفعوا رشوة لدكتور المعمل التخصصي عشان يزور النتيجة! والمبلغ ده هو تمن تزوير شرف أخته وتمن سكوت المعمل.”
سندت ضهري على الحيطة الساقعة في الممر. النفس اللي كان طارق بينهجه من الغل.. الخوف اللي لقطته في عينيه لما قلت له هطلب البوليس.. كلمة “كلنا هنضيع”.. كل المكعبات ركبت في مكانها!
طارق مكنش بيدافع عن أخته عشان “مزنوقة”، طارق كان شريك معاها في لعبة نصب وابتزاز، ولو اللعبة دي اتكشفت، مش بس أخته اللي هتروح ورا الشمس، هو كمان هيتجرجر معاها بتهمة التهديد والاشتراك في النصب والتزوير. وعشان يداروا الفضيحة ويحموا نفسهم، كان لازم “مريم المغفلة” هي اللي تدفع التمن من شقاها وتعبها.
في اللحظة دي، الوجع والكسر اللي كنت حاسة بيه اتقلب لـكتلة من الغضب البارد والذكي. مسحت دموعي بالراحة عشان ملمسش الشاش، وبصيت في المراية الصغيرة اللي في الشنطة.. وشي المحروق مكنش علامة انكسار، كان تمن الحرية.
فتحت الموبايل وكتبت لطارق:
“أنا مش هرجع يا طارق. والكارت اتمسح من الوجود. تمن تزوير تحليل الـ DNA ورشوة الدكتور شوفوا هتدفعوها منين.. بس من فلوسي، وداعا.”
الموبايل ميبطلش رن. طارق، بسمة، حتى حماتي اللي كانت بتفرد المربى ببرود، بدأت تتصل وهي بتبكي وتصرخ في الفويس نوتس وتترجاني: “بلاش تخربي البيت يا مريم.. دي أخت جوزك واستروا عليها!”
عملت بلوك للكل. وطلبت من الممرضة تعملي تقرير طبي رسمي ومفصل بحالة الحروق اللي في وشي ورقبتي، ويثبت إنها ناتجة عن اعتداء بآلة حادة وسائل مغلي. أخدت التقرير وطلعت بيه على أقرب قسم شرطة، وعملت محضر اعتداء وشروع في تشويه ضد طارق.
أنا وبسمة وطارق وحماتي مأبقاش بيننا عيش وملح.. بقى بيننا محاكم.
ركبت القطار أنا ومالك متجهة لمحافظة أمي. طول الطريق، كنت بضم ابني وببص من الشباك على الطريق اللي بيبعدني عن جحيم البيت ده. دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع راحة.
لما وصلت، أمي فتحت الباب. أول ما شافت الشاش على وشي، عينيها دمعت وضمتني من غير ولا كلمة. وفي حضنها، حسيت لأول مرة من سنين إني مش مكنة ATM.. إني إنسانة، وليا ضهر.
بعد مرور سنة:
العملية اللي بسمة حاولت تزورها اتكشفت لأن الراجل الغني مكنش غبي، وجاب لجنة تفتيش من وزارة الصحة على المعمل بعد ما شك في سرعة النتيجة، وطارق وأخته لبسوا ق*ضية تزوير ونصب وقضوا شهور في الحبس الاحتياطي على ذمة القض**ية. بيتهم اللي كانوا عايشين فيه على قفايا اتقفل، وباعوا دهب بسمة وكل ما يملكون عشان يدفعوا مصاريف المحامين.
أما أنا.. فوشي خف. صحيح ساب أثر بسيط جداً عند خدي، بس الأثر ده بقيت أبص له في المراية كـ “أوسمة شرف”.. علامة اليوم اللي فوقت فيه وأنقذت نفسي وابني. رفعت قض*ية طلاق للضرر وكسبتها، وأخدت حق حضانة مالك بالكامل، ورجعت لشغلي وبنيت حياتي من جديد، بفلوسي اللي بقت ليا ولابني بس.
ساعات، فنجان القهوة اللي بيحرق الوش، بيكون هو الصدمة الوحيدة اللي بتصحي الروح.

