فرامل عربيتي 2
الخط قفل من ناحية شريف، بس المرة دي هو ما قفلش بمزاجه.. الخط قطع لأن الصوت اللي جالي في آخر ثانية كان صوت فرملة عربية قوية وصوت لغبطة، كأنه كان بيسوق بأقصى سرعة وجنون عشان يلحق يرجع البيت، وعمل حادثة أو اتزنق في الطريق.
ما اهتميتش.. مابقاش يفرق معايا يعيش ولا يموت، اللي كان فارق معايا في اللحظة دي هما الاتنين الغلابة اللي طالعين على السلم.
سمعت خبط ورزع هادي على الباب، نفس الخبطة الطيبة بتاعة حمايا. فتحت الباب وأنا بحاول أبلع ريقي وأمسح أي أثر للدموع من على وشي. دخل عم مصطفى وهو شايل الشنطة الكبيرة، وورا طنط هدى وهي عمالة تبرطم وتنفخ.
“جرى إيه يا حاج مصطفى! ما قولتلك ميت مرة بلاش كبرياء، العربية مفيهاش فرامل أصلاً، الدواسة سقطت تحت رجلك أول ما دورت، كنت عايز تنزل بينا المطلع إزاي؟”
حمايا قعد على أول كرسي في الصالة وهو ينهج، وبص لي بكسوف شديد وقال:
“والله يا بنتي يا منة أنا ما ركبتش غير مترين، وجيت أدوس فرامل لقيت رجلي غطست في الأرض والعربية زحفت، الحمد لله ربنا ستر ووقفت بالهاند بريك قبل ما نطلع على الشارع العمومي.. أنا مش عارف التوكيل اللي شريف قال عليه ده فحص إيه بالظبط؟ ده الواد شريف ده طول عمره خايب في العربيات.”
طنط هدى قعدت جنبه وهي بتطبطب عليه:
“الحمد لله يا أبو شريف قدر ولطف، بس غريبة.. شريف امبارح قايل لنا إنه جاب فني مخصوص عشان منة تسوق وهي مطمنة.”
بصيت لملامحهم الطيبة، للراجل اللي شقي طول عمره، والست اللي بتعاملني كأني بنتها. في اللحظة دي، جالي إحساس بالذنب والخوف عليهم.. شريف كان مستعد يضحي بيا، ولما افتكر إنهم هما اللي في العربية، كان هيموت من الرعب عليهم هما.. مش عليا أنا.
قربت منهم وقولت بصوت بيترعش بس قوي:
“بابا.. ماما.. أنا عايزة أسمّعكم حاجة، بس أرجوكم امسكوا نفسكم، واعرفوا إن ربنا نجاكم ونجاني من مصيبة.”
طلعت تليفوني، وفتحت التسجيل. صوت شريف وهو بيصرخ ويبكي وينهار ويبتزني بمشاعر الخوف على أبوه وأمه، وصوته وهو بيعترف بكل حرف: *”أنا اللي نزلت بالليل وعملتها.. أنا اللي قطعت خراطيم الفرامل وسربت الزيت عشان تتقلب بيها على المحور الصبح.. أبويا وأمي هيموتوا بسببي!”*
الصالة اتقلبت لمقبرة. مفيش أي صوت غير نفس عم مصطفى اللي بدأ يعلو ويتحول لشهقات مكتومة، ملامح وشه اتحولت من الكسوف لذهول ورعب، عينيه كانت بتتحرك في كل حتة كأنه مش مصدق إن ده صوت ابنه.. حتة منه، اللي رباه على الحلال والدغري.
أما طنط هدى، فحطت إيدها على بؤها وبدأت تبكي بصوت مكتوم وهي بتهز راسها:
“مش ممكن.. مش ممكن شريف يعمل كده! ده ابني؟ ده شريف اللي كنت بخاف عليه من الهوا؟ عايز يموّت مراته؟ يقتل روح؟”
حمايا قام وقف على رجليه، وجسمه كله بيترعش، وبص لي وعينيه مليانة دموع وعجز عمري ما شفته في راجل بسنّه:
“هو قال كده يا منة؟ شريف عمل كده فيكي؟ في عرضنا وبيتنا؟ عشان إيه؟ عشان مين؟”
“عشان الخيانة يا بابا..” رديت وأنا بنزل عيني الأرض، “بقى له تلات شهور متجوز عليا أو بيمهد يخلص مني عشان ياخد الشقة والعربية وكل حاجة من غير ما يدفع مليم، وتبقى الحادثة قضاء وقدر.”
وقبل ما حد فينا ينطق بكلمة تانية، تليفوني رن. المرة دي الرقم مكنش شريف.. كان رقم غريب.
رديت وقلبي مقبوض: “ألو؟”
“أيوة.. حضرتك مدام منة؟ زوجة الأستاذ شريف مصطفى؟”
“أيوة أنا، خير؟”
“أنا من مستشفى البنك الأهلي.. جوز حضرتك عمل حادثة تصادم ضخمة على الطريق الدائري وهو سايق بسرعة جنونية، وعربيته اتقلبت كذا قلبة.. حالته خطيرة جداً وهو حالياً في غرفة العمليات بين الحيا والموت، ومحتاجين حد من الدرجة الأولى فوراً يوقع على إقرار عملية حرجة.”
بصيت لحمايا وحماتي اللي كانوا باصين لي ودموعهم مغرقة وشهم، مابين صدمتهم في ابنهم المجرم، ومابين غريزة الأب والأم اللي سمعوا إن ابنهم بيموت.
مسكت المفاتيح وقولت لحمايا بصوت حاسم:
“يلا يا بابا.. يلا يا ماما.. هنروح المستشفى، بس مش عشان ننقذه.. عشان نخليه يعيش ويشوف الحساب اللي مستنيه.”
طول الطريق للمستشفى، الميكروباص اللي ركبناه كان غرقان في سكوت قاتل. عم مصطفى كان باصص من الشباك وعينيه زايغة، إيديه بتتجعد وتترعش فوق ركبه كأنه كبر عشرين سنة في ثواني. وطنط هدى كانت ماسكة سبحتها، شفايفها بتحرك بدعاء مش مسموع، ودموعها بتنزل في صمت يقطع القلب.
أنا مكنتش حاسة بحاجة.. مكنتش عياط، ومكنتش شماتة. كان جوايا برود رهيب، كأن الروح اللي جوايا اتجمدت من فرط الصدمة. الراجل اللي نمت جنبه تلات سنين، طلع كابوس مخيف.
أول ما وصلنا المستشفى، الريحة بتاعة المعقمات والضوضاء وحركة الممرضين خلتني أقول لنفسي: “الدنيا دي غريبة قوي.. من ساعة واحدة كنت واقفة في مطبخي بعمل قهوة، ودلوقتي أنا واقفة مستنية مصير قاتلي.”
قربنا من مكتب الاستقبال، حمايا سأل بصوت شرخ من الحزن:
“ابني.. شريف مصطفى اللي جه في حادثة الدائري؟”
موظف الاستقبال بص في الدفتر ورفع عينه لينا:
“أستاذ شريف في العناية المركزة في الدور الثالث، خرج من العمليات من شوية.. بس حالته حرجة جداً.”
طلعنا السلم، طنط هدى كانت بتسند على كتفي وهي مش قادرة تشيل طولها. أول ما وصلنا الدور الثالث، لقينا دكتور خارج من العناية، جرينا عليه. عم مصطفى سأله ولهفته كأب غلبت كل حاجة:
“طمنا يا دكتور.. ابني عايش؟”
الدكتور قلع النظارة وتنهد بتعب:
“الحمد لله، النزيف الداخلي قدرنا نسيطر عليه، بس عنده كسر مضاعف في الحوض والعمود الفقري، وارتجاج شديد. هو فاق من البنج لسه مفيش دقايق.. بس لسه في مرحلة الخطر. تقدروا تدخلوا تشوفوه دقيقة واحدة.. بس بلاش انفعال.”
حمايا بص لي، وعينيه كانت بتقول كلام كتير.. عتاب، خجل، وانكسار. هزيت راسي وقولت له: “ادخلوا أنتوا الأول يا بابا.”
دخل عم مصطفى وطنط هدى، ووقفت أنا ورا زجاج الأوضة أشوف المشهد.
شريف كان متوصل بأجهزة كتير، وشه كله كدمات وجروح، وعينيه مفتوحة بالعافية. أول ما شاف أبوه وأمه داخلين عليه، عينيه لمعت بدموع الخوف، وبدأ شفايفه تتحرك بضعف وهما بيقربوا منه:
“بابا.. أمي.. أنتوا.. أنتوا كويسين؟”
عم مصطفى وقف فوق راسه، ومادش إيده يلمسه. ملامحه الحنينة اتقلبت لجمود وقسوة عمري ما شفتها فيه. بص لابنه وقال بصوت واطي ومزلزل:
“إحنا كويسين يا شريف.. ربنا نجانا من غدرك. نجانا من خيانتك لبيتك وللبنت اللي ائتمنتك على عمرها.”
شريف اتصدم، وبدأ يبص حواليه برعب لحد ما عينه جت عليا وأنا واقفة ورا الزجاج باصة له بثبات. فهم إن كل حاجة اتكشفت. حاول يتحرك وصوت الأجهزة بدأ يعلى وهو بيصرخ بضعف وألم:
“يا بابا.. سامحني.. أنا اتعميت.. الشيطان ضحك عليا.. منة.. خلي منة تسامحني!”
طنط هدى بكت بحرقة وقالت وهي بتبعد عنه:
“تتسامح على إيه ولا إيه؟ كنت عايز تموتها؟ وكنت هتموتنا معاها؟ يا خسارة تربيتي فيك يا شريف.. يا خسارة شقا أبوك عليك.”
حمايا شد مراته من إيدها ولف ضهره لابنه وقال بجفاء:
“أنا معنديش عيال ماتوا في حادثة.. أنا ابني مات من زمان لما رضي بالندالة والخيانة. يلا يا هدى.”
خرجوا من الأوضة، وشريف جوه كان عمال يعيط ويصرخ والأطباء دخلوا جري عشان يهدوا ضربات قلبه اللي بدأت تزيد لدرجة خطيرة.
عم مصطفى وقف قدامي في الطرقة، رفع ريسه وبص لي، وطلع من جيبه بطاقته الشخصية تليفونه وقالي:
“يا بنتي.. أنا راجل دغري وعشت عمري كله بياكل حلال. شريف غلط ولازم يدفع التمن. أنا بنفسي هاجي معاكي لقسم الشرطة وهقدم التسجيل اللي معاكي، وهشهد إن العربية كانت فعلاً مفيهاش فرامل تحت البيت.. مش هسيب حقك حتى لو كان الجاني ابني.”
دموعي نزلت في اللحظة دي.. مش عشان شريف، عشان الأصول والناس النظيفة اللي اتظلمت بسببه.
وفجأة، وإحنا واقفين، تليفون شريف اللي كان حمايا لمه من أمانات المستشفى مع محفظته وساعته، بدأ يرن في إيد عم مصطفى.
بصينا على الشاشة.. كان الاسم المكتوب: **”حبيبتي رنا”**.. وتحت الاسم رسالة واتساب ظهرت على الشاشة:
*(شريف، طمني، هي العربية اتقلبت بيها خلاص؟ كلمني قوام عشان ننفذ باقي الخطة وننقل الشقة باسمي).*
نفسي اتكتم، وحمايا عينه اسودت من الغضب، وضغط على التليفون لحد ما كان هيكسره في إيده. الخيانة مكنتش مجرد مكالمات في البلكونة.. دي كانت شبكة ومؤامرة مدروسة.
