خيانه واستغلال حكايات علي ابو الدهب 1
مفيـش معايا فلـوس لـسرير البنت “.. الجـملة دي جـوزي كان بيـقرفني بيـها كل يـوم — وهـو ورا ضهري بيسحب من الفيزا بتاعتي عشان يدفع تمن ورد، وحجز قاعة جنينة “أوبن إير” شيك، وحفلة “سبوع” فخمة لواحدة تانية حامل!
“يعني مفيش فلوس لسرير بنتي.. بس الفلوس حاضرة لسبوع ابن عشيقتك؟”
الكلام ده مقلتوش ليلتها..
لسه مش وقته.
رسالة التحويل البنكي جت الساعة 11:43 بالليل، وأنا قاعدة بطولي في المطبخ بشقتنا في القاهرة. كنت في الشهر السابع، ورجليا منفوخة ومرفوعة على كرسي، وكوباية البابونج بتبرد جنبى ولا ليا نفس أشربها.
بره، المطر كان بيعفر على الشوارع تحت نور العواميد، ومخلي كل حاجة بتلمع.. غدر ومصايب بتتبخ في السر.
تليفوني اتهز.
تم تحويل مبلغ: 45الف جنيه
لثانية واحدة غبية، عشمي خدني وافتكرت إن أحمد — جوزي — أخيراً حنّ وبعت الفلوس عشان نشتري السرير. بقالنا أسابيع مقطعين بعض خناق وهو مأكد لي إن “السوق نايم والشغل مريح” وإني “مكبرة الموضوع” ومصاريف البيبي مش طائرة.
بس الصدمة لما قريت الملاحظة اللي مكتوبة مع التحويل:
عشان سبوع مي وابننا الغالي. بحبك.
مي..
ابننا الغالي..
بحبك..
النفس اتقطع من صدري ومبقتش حاسة بالدنيا.
بنتي اتتحركت في بطني، كأنها هي كمان حست بالوجع وقريت الرسالة. حطيت كف إيدي على بطني وأجبرت نفسي أخد النفس براحة عشان ما أقعش.
ما صرختش..
ما كسرتش التليفون..
ولا اتصلت بـ أحمد أشرشح له..
كل اللي عملته إني أخدت “اسكرين شوتس” لكل حاجة.
أمي الله يرحمها كانت دايماً تقول لي: “الست الضعيفة تعيط وتصوت يا علا.. بس الست العاقلة تلم أدلتها الأول وتأمن نفسها.”
وعشان كده سيفّت كل حاجة.
نزلت الإشعار، وبعتّ نسخ لنفسي على الإيميل، وعملت فولدر مستخبي بباسورد وشيلت فيه كل البلاوي دي.
أحمد رجع البيت على الساعة واحدة بالليل، وريحة برفانه الغالي مكسورة بطعم لبان نعناع عشان يداري.
سألني وهو بيرمي الجاكيت بتاعه على الكرسي: “أنتي لسه صاحية؟”
رديت بنبرة عادية: “ما جاليش نوم.”
نفخ وقال من غير حتى ما يطبطب على بطني أو يطمن علينا: “تاني قلق الحمل؟ ما أنا قلت لك بلاش قراية وتقليب في الفيس والنت.”
سألته: “الاجتماع كان عامل إيه؟”
فك الكرافتة وقال: “طافح الدم.. عملاء.. ومطحون في الأرقام والضغط. عشان كده بقول لك خفي عني شوية وبلاش زن على الفلوس.”
كنت هفطس من الضحك..
دافع الشيء الفلاني عشان حفلة ست تانية، وأنا بكعب داير في محلات التخفيضات عشان أقارن أسعار البامبرز وأوفر قرشين!
قلت له بهدوء يغيز: “حاضر يا حبيبي.. ادخل ارتاح.”
بص لي باستغراب، كأنه كان مستني نتخانق ومستغرب إني هادية.. بس الليلة دي، ما أخدش مني العقاد نافع.
لا دموع.. لا أسئلة.. ولا حتى لفت نظر.
تاني يوم الصبح، وأحمد في الحمام بياخد دش، تليفونه نورت شاشته على الكومودينو.
ما لمستوش، وما كانش فيه داعي أصلاً.. الرسايل كانت بتنزل ورا بعضها.
مي: أنت بعت الفلوس على الحساب الغلط بالليل 😂 مرتك حسيت بحاجة؟ قعدت أضحك وأنا بتتخيل شكلها الـ…!
دمي نشف في عروقي.
وبعدها ظهرت رسالة تانية طينت العيشة أكتر:
مي: أوعى تنسى تدفع تمن القاعة النهاردة. مامتك قالت لي إنها هتعرف تقنع علا تمضي على عقود الشقة بعد ما تولد بالسلامة.
ساعتها الصورة كملت في عيني.. الموضوع مش مجرد خيانة وست تانية.. دي مؤامرة لسرقتي!
حماتي، هدى، بقالها شهور متبنياني وبتقنعني إني لازم “أرتب أمورنا المادية”، ومصرّة إن أحمد هو السبع والناصح في الاستثمار والأوراق، وإن الست الحامل المفروض ما تتعبش نفسها في بنوك وشيكات.
الشقة دي كانت باسمي أنا.. بابا الله يرحمه كتبها لي وامنّي بيها قبل ما يموت.
والأستاذ وأمه كانوا بيرسموا عشان يلهفوها مني!
في نفس اليوم بعد الظهر، قابلت صاحبتي الأنتيم وجدعة عمري هالة — وهي محامية أحوال شخصية شاطرة — في كافيه في وسط البلد.
فرّجتها على التحويل.. الرسائل.. السحوبات الغريبة من حسابي.. والمصاريف اللي البيه كان مسميها “مصاريف شغل”.
هالة قعدت تقرا ووشها بيتغير من غير ما تنطق، ولما خلصت، قفلت اللاب توب بتاعها على مهلها.
وبصت لي وقالت بصوت واطي: “علا.. دي مش قصة خيانة عادية.. ده استغلال ونصب عيني عينك.. وبيرتبوا لجريمة تزوير وسرقة ممتلكات.”
بنتي خبطت في بطني كأنها بتقول لي فوقي.
سألتها: “العمل إيه يا هالة؟”
ردت هالة: “ولا الهوا.. ما تحسيسهمش بأي حاجة. تبتسمي في وشهم، وتباني البت الغلبانة اللي هرمونات الحمل مبهدلاها ومش قادرة تفكر. وفي السريا، ومن النجمة، هنجمد الكروت، ونغير الباسوردات، ونفصل الحسابات، وقلم مش هتلمسيه وتوقيع مش هتوقعي عليه!”
على المغربية كده، كلمت البنك ولغيت الكارت الإضافي اللي كنت عاملاه لـ أحمد يسحب منه.
الساعة 6:18 بالظبط، تليفوني م بطلش رن ورسايل تلطش.
الفيزا اترفضت ليه؟
وبعدها:
علا.. ردي عليا متموتنيش ناقص عمر.
وفي الآخر:
بلاش حركات عيال ولعب عيال.. أنا في وسط ناس وموضوع مهم.
دخل البيت على الساعة تمانية وعينيه بتطلع شرار.
زعق وبأعلى صوته: “أنتي وقفتي الفيزا بتاعتي؟”
كنت قاعدة على الكنبة بكل برود وبطبق سلوبيت أصفر صغنن للبيبي.
قلت له: “آه.”
“ليه إن شاء الله؟”
“عشان الكارت ده طالع من حسابي أنا.. وبفلوسي أنا.”
جز على سنانه وفكه اتشد وقرب مني.. وبقى فوق راسي: “أنتي شكلِك عايزة تقفي قصادي وتلعبي معايا يا علا.”
رفعت عيني وبصيت له في عينيه بكل برود، الهدوء ده لجلجه. وقلت له بصوت حنين بس يقص الرقبة: “أنا مش بقف قصادك يا أحمد.. أنا بحمي بنتي وحقها.”
لأول مرة من يوم ما اتجوزته، اتمسمر مكانه وما لقاش كلمة يرد بيها..
ولأول مرة في حياتي.. شفت نظرة الرعب في عينيه.
بس اللي ما كنتش عارفاها ساعتها..
إن الكبير والغم التقيل لسه ما جاش، ومستنيني ورا الباب!
نظرة الرعب اللي شفتها في عيون أحمد ليلتها كانت مجرد “مقبلات” للي جاي.. خرج من البيت وهو شاحب وساب الباب موارب وراه، كأنه كان بيهرب من الحقيقة مش من الشقة.
قعدت على الكنبة لوحدي، البيت هس هس، مفيش غير صوت دقات الساعة وصوت المطر اللي بره بدأ يقلب برعد. حطيت إيدي على بطني وبدأت أتكلم مع بنتي بصوت واطي: “متخافيش يا حبيبتي.. أمك مش هتسيب حقك.”
الأيام الأولى: الحرب الباردة
من نجمة الفجر تاني يوم، تليفوني م بطلش رن. بس مش أحمد.. دي حماتي، هدى هانم!
فتحت الخط وأنا بحاول أظبط صوتي على نبرة “الست الحامل التعبانة اللي مش قادرة تتكلم”.
”إيه يا علا يا بنتي؟ أحمد جالي امبارح بليله زعلان ومقادير، وبيقول إنك قفلتي الفيزا في وشه وكسفتيه قدام زمايله في الشغل! ينفع كده يا بنتي؟ الست العاقلة تشيل جوزها في وقت زنقته، وبعدين موضوع الأوراق الشقة ده إحنا بنعمله عشان مصلحتك، أحمد بيفهم في السوق وهيجبلك قرشين حلوين تستفادي بيهم أنتي والبيبي.”
كنت بسمع كلامها المسموم وأنا حاطة التليفون على “الاسبيكر” وجنبي هالة صاحبتي المحامية بتسجل كل كلمة.
رديت بنبرة مكسورة: “أنا تعبانة أوي يا ماما وهرمونات الحمل مبهدلاني، وأحمد ضغط عليا.. سيبوني أفكر وأهدا كام يوم.”
قفلت مع الطوفان ده، وبصيت لـ هالة اللي كانت بتكتب في نوتة صغيرة ورايا.
قالت لي وهي بتعدل نظارتها: “علا.. إحنا قدام عصابة مش مجرد راجل خاين. البيه وأمه راسمين على الشقة رسمي. والـ 45 ألف جنيه اللي اتحولوا لـ ‘مي’ دول طالعين من حساب التوفير بتاعك اللي هو كان واخد توكيل إدارة عليه عشان ‘يستثمرلك’ فلوسك!”
دمي فار.. الفلوس دي شقايا وتعب سنين قبل ما أقعد بسبب الحمل!
خطة “الصيد في الهادئ”
Harper أو بالأصح هالة، رسمت لي الخطة بالمسطرة والقلم:
أولاً: رحت البنك من وراهم، ألغيت التوكيل العام وتوكيل الإدارة تماماً، وسحبت كشف حساب مفصل ومختوم من يوم ما اتجوزنا بيثبت كل مليم أحمد سحبه وتحت أي بند.
ثانياً: غيرت الباسوردات لكل حساباتي على السوشيال ميديا والإيميلات.
ثالثاً: والأهم.. غيرت كوالين الشقة كلها في سرية تامة وأنا منبهة على بواب العمارة ما يدخلش أحمد لو جه بغيابي.
طول الأسبوع ده، كنت بلعب دور “الضحية الغلبانة”. أحمد كان بيبعت رسايل عتاب على أساس إنه زعلان، وأنا كنت برد ببرود: “أنا تعبانة والبيبي مقصر عليا، لما أولد نشوف الموضوع ده.” وهو كان فاكر إن السكوت رضا وإن المصيدة ماشية زي ما هو وأمه راسمين.
يوم المواجهة: السبوع المزيف
بعد عشر أيام، جه اليوم الموعود.. يوم “سبوع” ابن مي وأحمد.
أحمد قالي الصبح في التليفون إنه عنده “مأمورية شغل بره القاهرة” وهيبات يومين. طبعاً مأمورية الشغل دي كانت الحفلة اللي بفلوسي!
هالة جابت لي عنوان قاعة الجنينة اللي حجزها في المعادي بالفيزا بتاعتي قبل ما أوقفها.
لبست فستان حمل أسود شيك، ورفعت شعري، ورحت هناك أنا وهالة ومعانا “مصور” هالة مأجراه عشان يوثق اللحظة.
دخلت القاعة.. الأغاني شغالة، والبلالين الزرقاء ملو المكان، ومي واقفة ببطنها المنفوخة ولابسة فستان أبيض، وجنبها أحمد وحماتي هدى، عائلية سعيدة جداً والضحكة واصلة لودانهم!
أول ما رجلي عتبت المكان، الصمت حل.. الأغاني اتطفت كأن حد شد الفيشة.
أحمد وشه اتقلب ألوان.. أبيض في أصفر في أزرق.. وحماتي اتسمرت مكانها والبايركس اللي في إيدها كان هيقع.
مشيت بكل ثقة وسط المعازيم لحد ما وصلت عندهم.
مي بصت لي بخوف وبصت لـ أحمد: “مين دي يا أحمد؟”
رديت أنا وبمنتهى البرود: “أنا مراته يا حبيبتي.. أم بنته اللي ملهاش سرير، بس الحمد لله فلوس السرير هي اللي عملتلك الحفلة الشيك دي والورد اللي وراكي!”
حماتي بدأت تصرخ وتشرشح: “أنتي إيه اللي جابك هنا؟ أنتي اتجننتي؟ بره!”
بصيت لـ أحمد وقلت له: “أنا مش هعمل شوشرة هنا يا أحمد.. بس المحامي بتاعي باعتلك الإشعار ده على تليفونك دلوقتي.”
الضربة القاضية في صالون بيتي
تاني يوم الصبح، أحمد جه البيت ومعه أمه ومعاهم محامي مستفز شايل شنطة جلد. دخلوا الشقة وعينيهم بتطلع شرار.
المحامي بتاعه بدأ يتكلم بنبرة تهديد: “مدام علا.. الأستاذ أحمد ممكن يعمل قضية طاعة ويجرجرك في المحاكم، وإحنا مجهزين عقد تنازل ودي عن الشقة مقابل إن الأمور تمشي بالمعروف وتولدي في هدوء.”
ضحكت.. ضحكة عالية ومستفزة هزت الصالون كله.
وقفت على رجلي، وطلعت الدوسيه اللي هالة جهزتهولي من ورا الكنبة، ورميته على الترابيزة قدام المحامي بتاعه.
”اقرأ يا أستاذ.. ده كشف حساب بيثبت سحب مبالغ تخطت الـ 150 ألف جنيه من حسابي الشخصي بدون علمي وتحت بند تزوير فواتير شغل. ودي اسكرين شوتس من تليفون الأستاذ والمحادثات اللي بينه وبين الست والدته وهم بيخططوا لإجباري على التوقيع تحت ضغط الحمل.”
المحامي بتاعه فتح الدوسيه، وشه بدأ يتغير وعينيه زاغت. بص لـ أحمد وقال له بصوت واطي: “أنت مقلتليش إن فيه كشوفات حساب وتسجيلات!”
حماتي بدأت تصرخ: “دي بت كدابة ومجنونة! دي حاجتنا!”
قلت بهدوء يقص الرقبة: “أنا بكرة الصبح هقدم بلاغ رسمي لنيابة الأموال العامة بتهمة النصب، السرقة، وخيانة الأمانة. وطبعاً قضية خلع وتنازل عن الولاية. ابنك يا هدى هانم.. اللي كان بيبخل بمليم على بنته، هيدخل السجن بفلوس مراته.”
أحمد وقع على الكرسي، الخوف اللي شفته في عينيه من أسبوع رجع بس المرة دي كان معاه كسرة ودموع.
المحامي بتاعه لم ورقه بسرعة ووقف: “الأستاذ أحمد.. الموقف القانوني هنا منتهي وصفر.. إحنا لازم نسوي الموضوع ده ودي فوراً!”
النهاية: بداية جديدة
بعد أسبوعين من المداولات والضغط والتهديد بالسجن، أحمد وقع على ورقة الطلاق “خُلع” ومضى على إقرار برد كل الملويم اللي سحبها من حساباتي، مع تنازل رسمي وموثق عن أي حق أو دعوى تخص الشقة، مقابل إني متنازلش عن البلاغ الجنائي.
بعد شهر.. كنت واقفة أنا وهالة قدام أكبر محل لمستلزمات الأطفال في مصر الجديدة.
دخلت المحل، وعيني جت على سرير بيبي ملكي، لونه أبيض زي الملايكة ومطعم بالدهبي.
طلعت الفيزا بتاعتي (الجديدة) ودفعت تمنه كاش وأنا ببتسم.
حطيت إيدي على بطني وقلت: “ده سريرك يا قلب أمك.. جه بفلوس أمك وشقاها.. ومن غير ما نطأطأ راسنا لحد.”
بره، المطر كان بيمطر برضه.. بس الشوارع ليلتها كانت صافية، ونظيفة، ومفيهاش أي غدر.

